أنادي محمّداً فيجيب محمّدٌ آخر: عن المسموح والممنوع في الأسماء

الجمعة 10 مايو 201901:31 م
لو توقفت في ساحة إحدى المدن السوريّة وصرخت: يا محمّد أو يا علي أو يا عبد، كم شخصاً تتوقّع أن يجيبك أو أن يلتفت إلى مصدر النداء؟

الأسماء ذات الهيبة

الأسماء هي الفلتر الأوّل، ننظر للشخصيات من خلال عدسة الأسماء، فنخاف منهم أو نحتقرهم، نعجب بهم أو نكرههم، وكأننا لا نستطيع أن نفصل هذا عن ذاك، لا نفرّق بين رغبة والدٍ ملتاعٍ أو حالمٍ، خبيثٍ أو طيبٍ، وبين شخصية صاحب الاسم، فنحكم عليها من خلال ما قد يكون مجرّد سوء فهمٍ لمعنى كلمةٍ ما، صارت مصير حاملها.

كان معي في السجن رجل يدعى "أبو الغضب"، ينحدر من مدينة القرداحة، متهمٌ بعدّة عمليات سطوٍ مسلّحٍ وخطفٍ بقصد طلب الفدية، ومجموعة من الاتهامات الأخرى التي تجعل منه شخصاً خطيراً للغاية، وكان لا يحضر الاجتماعات الخاصّة بالتعداد اليومي ويطلق لحيةً طويلةً تجعل منه شخصاً مخيفاً، ثمّ تغيّرت إدارة السجن وأُجبر على تقصير لحيته والخضوع للإجراءات المعتادة لجميع السجناء، وتفاجئنا عندها بأن اسمه "وفاء"، وفقد يومها "وَهْرَتَه" المعروفة، وتحوّل إلى مادة للتندّر في السجن، أي مجرم خطير هذا الذي يحمل اسما أنثويّاً؟

يرغب الآباء بإعطاء أبنائهم أسماء غير معتادة التداول، لصناعة فارقٍ ما في حياتهم كما يظنّون

يرغب الآباء بإعطاء أبنائهم أسماء غير معتادة التداول، لصناعة فارقٍ ما في حياتهم كما يظنّون، أو لأسباب محض أنانيّة، ذلك أن الاسم مفتاح صغير للشخصية، يمثّل أوّل صراع يخوضه حامله، سلاحه الأوّل أمام العالم، سيحمله ويدافع عنه أمام الآخر المعادي، لكن الأمر، كالعادة، يصطدم بالأعراف والقوانين المدنيّة وأحياناً بالمفاهيم الدينيّة التي تختلف باختلاف الدول.

فمثلاً، نشرت صحيفة ديلي تيليغراف تقريراً عن منع السلطات الإيرانيّة المواطنين من إطلاق أسماء أجنبيّةٍ أو غير إسلاميّةٍ أو من عهد الشاه، على المواليد الجُدد، بالإضافة إلى قرارٍ قديمٍ بمنع تداول بعض أسماء الرؤساء الغربيين، وذلك للحفاظ على الهويّة الوطنيّة والإسلاميّة للدولة، كما يبرّر القرار.

بغضِّ النظر عن المضامين الخفية التي يحملها التقرير والذي يتفق مع سياسة شيطنة إيران واتهامها بالقمع المتواصل للحريّات، إلا أن هذا القرار وقرارات مماثلة، تصادر حقّ الآباء في ممارسة واحدةٍ من أهمّ سلطاتهم على الأبناء، وهي إطلاق الأسماء عليهم، تلك السلطة المشكوك في اتفاقها مع شرعة الحقوق أصلاً، ولكن لا يحقّ أبداً للدول الغربيّة إبداء رأي فيما يخصّ الأسماء المسموحة والممنوعة، خصوصاً مع سجلّاتها الضخمة فيما يخصّ الأمر: منع أحد القضاة الفرنسيين والدين فرنسيين من تسمية ابنتهما "نوتيلا" على اسم ماركة الشوكولا الشهيرة، ومَنَعَ آخر استخدام اسم "فريز"، كما منع قاض بريطاني والدين من تسمية ابنهما "سيانيد"، وثمّة لائحة طويلة بالأسماء ممنوعة الاستخدام في أوروبا، كلوسيفر ومسيح وكرايست وروبوكوب ومجموعة أسماء الشخصيات الخارقة كباتمان وسوبرمان، وأسماء الشخصيات في سلسلة أفلام حرب النجوم، بل أن دولة مثل الدانمارك تملك قائمة من 7000 اسم على الآباء أن يختاروا منها، وحدها الولايات المتحدة لا تملك قيوداً كثيرة على الأسماء، لكن تتشدّد في استخدام الكلمات البذيئة والأرقام في الأسماء، وهذا جيّد للغاية وإلا كنا لنسمع عن أشخاص أسماءهم: السادسة إلا ربع مساء، أو: قضيب يصل إلى السماء وهكذا..

منع أحد القضاة الفرنسيين والدين فرنسيين من تسمية ابنتهما "نوتيلا" على اسم ماركة الشوكولا الشهيرة

محرّم عند العرب

لا يختلف الأمر كثيراً في العالم العربي، فقد ناقش البرلمان المصري قانوناً في عام 2017 يمنع استخدام الأسماء الأجنبيّة كمارك ولارا، ويفرض غرامةً وحُكماً بالسجن على من يعصي القانون، كما قامت السعوديّة في العام 2014 بحظر أكثر من 50 اسماً من التداول، وقامت السلطات المغربيّة بمنع استخدام اسم ساره (بالهاء في النسخة الأجنبيّة)، وفي سوريا كانت الأسماء موسميّة للغاية، ففي بداية صعود الفكر القومي العروبي وبداية حكم حزب البعث، انتشرت الأسماء المستلّة من هذه الأيديولوجيا: كجمال وحافظ وبعث وصمود وثورة ومسار وثائر وصمود، قبل يقضي النزوع الديني على كل ما عداه وتسود الأسماء الدينيّة، وأعرف شخصاً قرّر أن يسمّي ابنه "ستالين" فلم يرضَ موظفو القيود الشخصيّة ما جعله يغيّره إلى "يسار"، أما جاري فقد كان أكثر حصافةً حين أراد تسمية ابنه "روميو" فرفض موظّف القيود، فكتب طلباً بتسميته "أير حمار"، وأصرّ على هذا أو ذاك، ما جعل الموظّف يوافق مرغماً.

أما شرعيّاً في الإسلام فهناك العديد من الأسماء محرّمة التداول، فبادئ ذي بدء هناك 99 اسماً لله لا نستطيع استخدامها، كما يضاف إلى ذلك الأسماء التي تحوي كِبَراً وتجبّراً بما لا يليق إلا بالخالق، ثم الأسماء التي تلتصق بالنبي محمد والتي لا تليق إلا به، كسيّد الناس، وسيّد الكلّ، وتُحرّم الأسماء التي تنسب المسمّى إلى بشر ولو كانوا أنبياء، كعبد النبي وعبد المسيح وعبد الحسين، كما تُحرّم الأسماء التي تحوي إثماً أو معصية، وتُحرّم الإضافة إلى مفردة "الدين" كشهاب الدين ومجد الدين، ويُنسب حديث للرسول يقول فيه: خير الأسماء ما حمّد وعبّد، لكن الرواة أسقطوه من الأسانيد ولكن هذا لم يمنعه من الانتشار، ما أدّى لأن يكون اسم محمّد وباقي الاشتقاقات من المصدر حَمِدَ، كأحمد ومحمود وحامد، أكثر اسم متداول في العالم حسب "جينيس"، متفوّقاً بذلك على اسم "لي" الصيني، وهذا ما جعلنا نتداول تلك النكتة غير الطريفة إطلاقاً أن تحت كلّ "لي" ثمة محمّد صغير.

فقد ناقش البرلمان المصري قانوناً في عام 2017 يمنع استخدام الأسماء الأجنبيّة كمارك ولارا، ويفرض غرامةً وحُكماً بالسجن على من يعصي القانون، كما قامت السعوديّة في العام 2014 بحظر أكثر من 50 اسماً من التداول.

أما شرعيّاً في الإسلام فهناك العديد من الأسماء محرّمة التداول، فبادئ ذي بدء هناك 99 اسماً لله لا نستطيع استخدامها، كما يضاف إلى ذلك الأسماء التي تحوي كِبَراً وتجبّراً بما لا يليق إلا بالخالق، ثم الأسماء التي تلتصق بالنبي محمد والتي لا تليق إلا به، كسيّد الناس، وسيّد الكلّ.

أجد أنه من الممتع أن يمتلك المرء حقَّ تبديل اسمه عندما يريد، أو أن يحمل عدّة أسماء يختار أحدها عندما يكبر، ذلك أني عندما أسأل صديقي زياد في محادثاتنا السريعة: كيف حال علي؟ يجيب: أي علي؟ علي حميشة أم علي ابراهيم أم علي محمد؟

اسمي هو أنا

الاسمُ تعريفٌ بسيطٌ وفردي للشخص لكنه ينحو نحو التضاؤل وقلّة الفرادة، وذلك بتأثير الموضة ونجوم الغناء، كما بتأثير الأديان والأيديولوجيات الضيّقة، إذ أن جميع البشر يرغبون بالحصول على الأسماء الجذّابة والرنّانة لأبنائهم والتباهي بها، وفي حين لا يشكّل هذا الأمر معضلة لبعض الثقافات التي تستخدم أسماء طويلةً مأخوذة من أسماء الأجداد، كما في اللغة الاسبانيّة، أو تستخدم اسم عائلة الأم قبل الزواج، أو تضع اسماً آخر في الوسط كما في الولايات المتحدة وبريطانيا، يشكّل معضلة حقيقيّة للثقافات الأخرى.

وبالتأكيد لا نستطيع أن نذهب في تقصّد الفرادة حدّ الغرابة، فلا أحد يودّ أن يملك اسماً هندياً طريفاً، رغم ما في أسماء الهنود الحمر من شاعريّةٍ وذكاء، خصوصاً أنها تأتي لاحقة لحادثة الولادة ومرتبطة ارتباطاً شديداً بحدثٍ تاريخي شخصي، ولكن الأطفال قساةٌ وسيعرّضون صاحب الاسم الغريب للسخرية والتنمّر، لذا أجد أنه من الممتع أن يمتلك المرء حقَّ تبديل اسمه عندما يريد، أو أن يحمل عدّة أسماء يختار أحدها عندما يكبر، ذلك أني عندما أسأل صديقي زياد في محادثاتنا السريعة: كيف حال علي؟ يجيب: أي علي؟ علي حميشة أم علي ابراهيم أم علي محمد؟ وعندها يختلط الأمر عليَّ أنا أيضاً وأتساءل: من أنا إن لم أكن اسمي فعلاً؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard