"أن تحيي بجسد امرأة"...حكايا وتجارب نساء عربيات مع أجسادهنّ المقدّسة

الأربعاء 8 مايو 201904:09 م


"ليلٌ يفيض من الجسد"، عبارةٌ لمحمود درويش يستهلّ بها إحدى قصائده، قاصداً من خلالها رفع النقاب عن ملامح الجسد المسجّى في الليل.

إنه الجسد الأنثوي الذي تُستلهم الحكايات منه، ما بين وئامٍ ومعاناة، بحيث تبقى تضاريسه متغلغلةً في الوجدان الإنساني، تضع بصماتها على الكثير من أفكاره وملامحه، فيعتنقه الشعراء أيقونةً لأشعارهم، في الوقت الذي يضع فيه المجتمعُ الإناثَ في قيده في أحيانٍ كثيرة.

لقد شكّل جسد المرأة بخصوصيته البيولوجيّة وتفاصيله الأنثويّة، حقلاً شاسعاً لتناقضاتٍ بارزةٍ عبر تاريخ الإنسانيّة والميثولوجيا القديمة: فهو من جهةٍ الهيكل المقدّس الذي يحمل سرّ الحياة والأمومة والخصوبة، ومن جهةٍ أخرى قد يجسّد لدى البعض الفتنة والغواية والسحر.

 

تقديس الألم

أن يحيا المرء بجسد امرأةٍ في مجتمعاتنا العربيّة هي تجربةٌ خاصّة وفريدة لا يمكن أن يسرد تفاصيلها إلا من يعايشها في كلّ لحظةٍ.

من هنا ارتأينا أن نتوقّف عند بعض القصص والحكايا من سيّداتٍ عربياتٍ يكشفن لرصيف 22 عن تجربتهنّ مع أجسادهنّ ونظرتهنّ له، في مجتمعٍ يغلب عليه الطابع الذكوري بامتياز.

تخبر ليلى (اسمٌ مستعار لسيّدة فضلت عدم الإفصاح عن اسمها)، عن تجربتها مع جسدها، فتقول: "يذكّرني جسدي دائماً بالطمث، بذاك الميراث من الألم الذي نتوارثه نحن النسوة، والذي يفتك بظهورنا وأرحامنا وأحياناً برؤوسنا...أشعر خلال الدورة الشهريّة أن بوصلة جسدي تختلّ، ترتعش يداي وتصبح باردةً من الوَهَن، وأدخل في نوباتٍ من الضيق والبكاء".

تتحدّث ليلى عن الآلام التي تعاني منها خلال فترة الطمث:" آلام مبرّحة أعاني منها خلال فترة الطمث، منذ أن باغتتني تلك الدماء الشهريّة الأولى المرتبطة بالبلوغ في المدرسة، لتتركني بين مزيجٍ من الوجع والصدمة".

يذكّرني جسدي دائماً بالطمث، بذاك الميراث من الألم الذي نتوارثه نحن النسوة، والذي يفتك بظهورنا وأرحامنا وأحياناً برؤوسنا

أما في العمل، فكان الوضع يزداد سوءاً: "تفاجئني الدورة الشهريّة بين الحين والآخر في العمل، دون أن أتمكّن من أخذ ترتيباتي واحتياطاتي لها. وكنت أضطرّ للتغيّب بعدها يومين أو حتى أكثر، بحيث ألازم الفراش جرّاء النزيف الحاد الذي كان يُرهقني".



بالنسبة لهذه السيّدة، فإن الدورة الشهريّة كانت بمثابة ضيفٍ ثقيلٍ جعلها تكره جسدها في الكثير من الأحيان، ولكن ما إن حملت بطفلها الأوّل حتى تغيّرت فوراً نظرتها إلى جسدها ونسيت آلامها ومعاناتها: "شعرت بنبض الصغير الذي يحيا بداخلي، كنت أشعر أن بداخلي شيئاً مقدّساً"، هذا وتؤكّد بالقول:"لولا آلامنا كنساء، لما تجدّدت الحياة".

أرواحٌ محبوسةٌ في قيد الجسد

منذ الصغر، عانت "لطيفة" من نظرة المجتمع لجسدها المُمتلىء والذي سلب منها الحقَّ في الطفولة واللعب كسائر الأولاد.

وتعليقاً على هذه المرحلة التي لا تفارق ذهنها، تقول: "منذ أن كنت صغيرة، كان جسدي ممتلئاً، وقبل بلوغي بسنواتٍ، لم يعد أحد ينظر إليّ كطفلةٍ، بل كانوا يعتبرونني أنثى واضحة التضاريس، بينما أنا كنتُ أشتاق إلى اللعب، كما يفعل سائر الأطفال، وإلى الركض معهم في الشارع، حُرمت من طفولتي، بسبب نظرتهم لجسدي، وحُرمت مبكّراً من أشياء أحبها، كالسباحة في البحر".

لولا آلامنا كنساء، لما تجدّدت الحياة

وتضيف: "لم يتوقّف الأمر عند ذلك، فوالدتي كانت دائماً تدفعني إلى شراء حمّالة صدر، تقوم بسحب صدري للداخل، ودفعه بقوّةٍ إلى أعلى. دائماً كان جسدي مليئاً بالندوب من قطع الحديد التي كانت في حمّالات الصدر تلك، والاحمرار لم يكن يفارق مكانها عليه...كنت أشعر أن روحي محبوسة داخل جسدي الذي تنعته أمي بالمثير، والذي كان عليّ أن أواريه وأطمس معالمه باستمرار، حتى في طفولتي، لأنه في نظرهم فتنة وغواية".

حال " لطيفة" لا يختلف كثيراً عن حال " إيمان" والتي تعمل كمترجمةٍ وتخشى التنقّل في الليل نتيجة نظرة المجتمع إلى جسدها، خاصّة ركاب الميكروباص والذين كانوا ينظرون إليها كما لو كانت قادمة من ملهى ليلي.

أشعر أن روحي محبوسة داخل جسدي الذي تنعته أمي بالمثير، والذي كان عليّ أن أواريه وأطمس معالمه باستمرار، حتى في طفولتي، لأنه في نظرهم فتنة وغواية

وبهدف تجنّب الإحراج، تحرص "إيمان" على الظهور بدون أي تفاصيل أنثوية بارزة: "أظهر فِلات flat كما يقولون، وأتهرّب من ارتداء حمّالات الصدر، وخاصةً "البوش أب"، ما يدفعني إلى ارتداء ملابس واسعة، حتى ولو لم تكن متناسقة مع شكلي، أو لا أشعر بالرضا عنها"، كاشفةً أنها تقوم أحياناً بارتداء الملابس فوق بعضها البعض، نتيجة إصرار والدتها وللحفاظ على سلامتها: "أريد أن أذهب إلى عملي وأعود بسلامٍ، وبدون عائقٍ أو نَكَدٍ، لتفادي النظرة الدونيّة التي توجّه لي، لأنني نحيلة وجسمي ضئيل".


والنحافة في مجتمعاتنا لا تشكّل لوحدها "وصمة عار"، إذ أن صاحب الجسم الممتلئ يتعرّض بدوره لسيلٍ من الانتقادات الجارحة، وهو حال "أماني" التي تتعرّض للتنمّر أينما حلّت:"وزني 125 كيلو، وطولي 171 سم، وبسبب وزني الزائد أتعرّض للتنمّر دائماً من زملائي في العمل ومن الناس".

هذا التنمّر ترك أثراً سلبياً كبيراً على حالة "أماني" النفسيّة وعلى حياتها بالمجمل: "في بعض الأحيان أتظاهر بأنني لا أبالي بكلماتهم الجارحة عن جسدي، ولكن الحقيقة أنني أمنع دموعي قسراً من النزول".

هذا وقد أعربت "أماني" عن أمنياتها البسيطة والتي تقتصر على ارتداء ما يحلو لها دون الشعور بالخجل أو التعرّض للإساءة: "أتمنى أن أرتدي فستاناً مليئاً بالورود، أو ثوباً قصيراً يكشف ساقيّ أو ذراعيّ، من دون أن أشعر بالخجل من شكل جسدي ومن تعليقات الآخرين عليه".

الرقص على حافة الألم

"الرقص عشقي الذي لا ينتهي، حلقة الوصل بيني وبين جسدي وبين جسدي والحياة...أرقص حين أفرح وحين ينتفض الحزن بداخلي، وتتداعى قواي في مواجهة الحياة، ألوذ بذاك الإيقاع الحركي الذي يمنحه جسدي لي في تناغمه مع الموسيقى"، هكذا تصف "شادية" علاقتها بجسدها والذي تستخدمه بصورةٍ فنيّةٍ للهروب من واقعها الأليم في بعض الأحيان.

فالرقص بالنسبة إلى "شادية" هو بمثابة علاجٍ نفسي لتفريغ التوتر والشعور بالسلام الداخلي، وعليه فإنها ترفض رفضاً قاطعاً الدمج ما بين الرقص والغواية: "أنا أرقص لأرتاح نفسيّاً، لأفرّغ الطاقة السلبيّة التي تجثم على صدري".

الرقص عشقي الذي لا ينتهي، حلقة الوصل بيني وبين جسدي وبين جسدي والحياة...أرقص حين أفرح وحين ينتفض الحزن بداخلي، وتتداعى قواي في مواجهة الحياة

تعتبر "شادية" أن "الرقص هو طقس الجسد الأنثوي لنسيان آلام الروح"، متحدّثةً عن "تلك الجموع النسائيّة، التي تغتنم الفرصة دائماً لاقتناص لحظاتٍ للرقص، غير آبهاتٍ بالزمن الذي رسم خطوطه بمهارةٍ فوق ملامحهنّ، أو بتفاصيل أجسادهنّ إذا كانت نحيلةً أو ممتلئةً أو سمينة"، على حدّ قولها.

براثن وأنياب تلتفّ حول الجسد

عندما سُئلت "سعاد" عن نظرتها لجسدها، أول ما تبادر لذهنها هو موضوع التحرّش على أنواعه، إذ قالت لرصيف 22: "وكأن كلّ ما يربطني بجسدي هي تلك الأيادي التي امتدّت إليه عنوةً وسط الزحام لتسرق منه بعض اللمسات الآثمة، وتلك العيون التي صوّبت نظراتها إليه كخناجر مسمومة تستبيحه، أو تلك الكلمات الفجّة ذات المضمون الجنسي، الموجّهة إليه".

توضح "سعاد" أنها تذهب إلى عملها في أوج ازدحام الشوارع والمواصلات، وتفضل عادةَ إنفاق المزيد من الأموال والذهاب بالتاكسي، عوضاً عن ارتياد المواصلات العامة، غير أن هذا الخيار لا يخلو من المضايقات: "أضطر أن أتحمّل ثرثرة سائق التاكسي، الممزوجة أحياناً بتطفّلاته حول تفاصيل حياتي، وتفزعني تلك المرآة التي يحرّكها بعضهم أحياناً ليتمكّن من التلصّص على وجهي وجسدي".

وتتابع "سعاد" كلامها بالقول: "أشعر بالغثيان لمجرّد التفكير في مجتمعٍ يعتبر جسد الأنثى مباحاً أو حقاً مكتسباً، وكأن خصوصيّاتها وحياتها ملك للجميع...وتثير اشمئزازي تلك الابتسامة السَمِجَة التي يواجهني بها أحدهم إذا مرّ بجواري، وألقى على أسماعي عباراته المتحرّشة والتي تجعلني أشعر وكأنني أمام حيوانٍ فاقدٍ للعقل، يلهث ويتدلّى لسانه ويسيل لعابه إذا مرّت بجواره أنثى".

نَحْرُ الجسد واغتيال المتعة

ومن قصّة "سعاد" وتجربتها مع التحرّش، ننتقل إلى "نور" والتي تعرّضت بدورها لنوعٍ من أنواع العنف الجسدي الذي يمارسه المجتمع الذكوري بحق الفتيات: الختان.

أشعر وكأنني أمام حيوانٍ فاقدٍ للعقل، يلهث ويتدلّى لسانه ويسيل لعابه إذا مرّت بجواره أنثى

"أذكر لحظات نَحْرِ جسدي. هكذا يمكنني أن أصف ما تعرّضت له حين تمّ ختاني. لقد تمّ إنهاء المهمّة بنجاحٍ، استُؤصل بظري، وودّعته دون أن أختبر قيمة وجوده"، هكذا عادت "نور" بالذاكرة إلى يوم الختان الذي سلب منها حقَّ اختبار المتعة الجنسيّة.

وتعليقاً على هذا الموضوع، تقول "نور": "لم أشعر بأي متعةٍ جنسيّةٍ طوال فترة زواجي ولم أختبر النشوة على الإطلاق، كرهت علاقتي الجنسيّة مع زوجي والتي أصبحت بالنسبة لي، شكلاً من أشكال الألم والعذاب".

هذا الشعور بالحرمان من اللذّة الجنسيّة بقي يعصر في داخل "نور" والتي لم تتمكّن يوماً من الإفصاح عنه لشريكها، ولا التحدّث عن احتياجاتها أو إخباره بأن ممارسته لا تلائم حالتها الجسديّة والنفسيّة: "ليس من حقّ النساء في بلدنا الشكوى، أو الحديث عن اِحتياجاتهنّ؛ فنحن في مجتمعٍ يُجيد كبت الأنثى باحترافٍ، يستمتع بالنظر إليها وهي تذبل ورودها ولا يبالي بآلام اِحتراق شموعها لحظة الذوبان".

تنهي "نور" حديثها وتبكي، ويذكّرني بكاؤها بمقطعٍ من قصيدةٍ لمحمود درويش:

وتبكي، كعادتها، عند عودتها

من سماءٍ نبيذيّة اللون: خذني

إلى بلدٍ ليس لي طائرٌ أزرقٌ

فوق صفصافة يا غريب!

وتبكي، لتقطع غاباتها في الرحيل

الطويل إلى ذاتها: من أنا؟

من أنا بعد منفاك في جسدي؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard