"استمارة 6".. قصة إنهاء خدمة الموظف قبل بدء العمل

السبت 11 مايو 201908:38 م

فوجئت مروة محمود، بورقة استقالة مُسبَّبَة قدَّمها لها مسؤول الموارد البشرية، خلال ترشحها لوظيفة في شركة تعمل بالتجارة الإلكترونية، وتضمَّنت مصوغات التعيين ورقة أخرى تفيد حصولها على مستحقَّاتها المالية كافَّة.

حينما سأَلَت مسؤول الموارد البشرية عن سبب توقيع الاستقالة قبل البدء في العمل، قال لها إنَّ ذلك من قواعد الشركة في العمل حتى تضمن حقوقها، وهذا هو نظام العمل لديهم، وبدون التوقيع لن تحصلين على الوظيفة..

بلغ عدد العاملين المثبتين فى القطاع الخاص نحو 18.9 مليون مشتغل، وذلك حسب نشرة لجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي في 2017، إلَّا أنَّ عدداً ليس بالقليل لا يُوثَّق في المستندات الرسمية لعدم التأمين عليه، بسبب التوقيع على الاستقالة أو "استمارة 6" قبل مباشرة مهامّ العمل.

فيما وصل عدد العاملين في القطاع الحكومي نحو 5 ملايين، إلَّا أنَّ موظَّفي الحكومة يصعب التخلِّي عنهم بسهولة مقارنة بموظفي القطاع الخاص بحكم القوانين التي تحمي الموظف.

"غالبية شركات القطاع الخاص لا تجعل الموظَّف يستمرّ لأكثر من عام أو عامين، بسبب توقيعه على "استمارة 6"، التي تمنعه من محاكمة الشركة"

بعدما رفضت مروة، العمل لأنَّها قد تتعرَّض للطَّرد في أيّ لحظة، ولن تستطيع الحصول على حقوقها، تُوضِّح :"غالبية شركات القطاع الخاص لا تجعل الموظَّف يستمر لأكثر من عام أو عامين لأنَّها إذا فصلته أو طردته بالاستقالة التي مضاها لن يحاكم الشركة لذلك يكون الأسهل أن يرضخ، ويبحث عن عمل بشركة أخرى".

إعادة تدوير الموظَّفين في القطاع الخاصّ

تُعدُّ الاستقالة إحدى طرق خروج الموظف من التأمينات الاجتماعية والطبية، إذا كان مُؤمَّنًا عليه، إذ يُلزم القانون صاحب العمل بتقديمها للتأمينات مع "استمارة  6" التي تنهي العلاقة بين الموظف والشركة في التأمينات، إلَّا أنَّ بعض رجال الأعمال يُجبرون الشَّباب على التوقيع على استقالة قبل توقيع عقد العمل، لتسهيل عملية التخلُّص منهم، والتملّص من دفع حقوقهم..

في واقعنا يرفض عدد كثير من الشباب التوقيع على الاستقالة قبل الشروع في العمل حتى لا يكون مُهَدَّداً بالطرد في أيّ لحظة، وجعل الشباب يتمنَّى الوظيفة الحكومية حتى يشعر بالأمان الوظيفي، ويحصل على حقوقه، التي تطبقها الحكومة بينما يضرب القطاع الخاص بها عرض الحائط، لذا يردد المصريون دائما في هذا السياق:"إذا فاتك الميري (الوظيفة الحكومية) اتمرمغ في ترابه".

لعل أكثر ما ترتَّب على توقيع الموظَّف استقالة قبل بداية العمل، أو فصله تعسفيًا، ترسيخ مفهوم إعادة تدوير الموظف لدى القطاع الخاص، حيث أن المرتبات أصبحت ضئيلة، بما أنّ كل 6 أشهر أو سنة تطرد الشركة الموظف وتعين آخر براتب أقلّ، إضافة إلى إهمال الإجازات الرسمية والمرضية وعلاوة على ساعات العمل الإضافية، حيث يعمل الموظف في الإجازات من دون راتب إضافي، وإذا رفض يهدد بالاستقالة، لأن ذلك في مصلحة العمل.

على الرغم من أنَّ المادة 119 من قانون العمل تفرض أن تكون استقالة العامل مكتوبة، وتعطيه الحقّ في العدول عنها خلال أسبوع من تاريخ إخطاره صاحب العمل بالاستقالة، وفى هذه الحالة تعتبر الاستقالة كأن لم تكن، إلَّا أنَّ العامل إذا فعل ذلك ترفض الشركة عودته للعمل، وإذا عاد بحكم قضائي تُنكِّل به الشركة، وتُلقي على كاهله مهاماً أخرى، وتُغيّر مواعيد وأماكن العمل بشكل دوري، حتَّى تجعله يترك العمل بنفسه.

توقع الاستقالة والعمل بلا عقد بدلاً من "استمارة 6"

في نوفمبر 2017، وافقت لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، على المادة 140 من مشروع قانون العمل المُقدَّم من الحكومة، والذي تضمن مادة خاصة باستقالة العامل فى القطاع الخاص، إذ أنها ألزمت باعتماد الاستقالة من الجهة الإدارية المختصة، وهي وزارة القوى العاملة.

صاحب القرار حالات عدة، حيث أعلنت لجنة القوى العاملة انتهاء الاستقالة و "استمارة 6"، التى كان صاحب العمل يجبر العامل على توقيعها فور استلامه العمل، وبسببها تعرض كثيرون من العمال للفصل التعسفى.

وحدد مشروع قانون العمل مجموعة من الضوابط الخاصة بإنهاء عقد العمل محدد المدة ينتهي بانقضاء مدته، وإذا رغب صاحب العمل فى تجديده عليه أن يخطر العامل برغبته فى التجديد قبل شهر من انتهاء العقد على الأقل، وإذا انقضت مدة عقد العمل محدد المدة واستمر طرفاه فى تنفيذه، اعتبر ذلك تجديداً للعقد لمدة غير محددة، ولا يسرى ذلك على عقود عمل الأجانب.

وإذا أبرم عقد العمل لإنجاز عمل معين، انتهى العقد بإنجازه، فإذا استمر طرفاه فى تنفيذه بعمل من ذات طبيعة العمل اعتبر ذلك تجديداً ضمنياً للعقد وينتهي بإنجاز العمل الجديد دون أن يصبح عقدا غير محدد المدة.

كما نصَّت أنه يجب أن يتم الإخطار قبل الإنهاء بشهرين إذا لم تتجاوز مدة الخدمة المتصلة للعامل لدى صاحب العمل عشر سنوات، وقبل الإنهاء بثلاثة أشهر إذا زادت هذه المدة على عشر سنوات، ولا يجوز تعليق الإخطار بالإنهاء على شرط واقف أو فاسخ، ويبدأ سريان مهلة الإخطار من تاريخ تسلمه وتحتسب مدة خدمة العامل من تاريخ تسلمه العمل وحتى تاريخ انتهاء مهلة الإخطار.

وبعيداً عن "استمارة 6"، وقّع محمد عبدالمقصود استقالة من العمل في شركة للدعاية والإعلان قبل أن يبدأ مهامّه، حتى يظل تحت سلطتهم ولا يستطيع المطالبة بحقوقه، لأنه سيكون مهدداً بالطرد من الشركة.

يبرَّر عبد المقصود فِعلَته: "مضيت لأني محتاج الشغل، وعارف إن الاستقالة علشان يوم ما يحبوا يستغنوا يقولولي أنت استقالتك مِتقَدّمة، ومفيش حقوق لك، لأنك أنت تركت الشغل".

ويرى أن ذلك نوع من أنواع التحايل على قانون العمل، وأن بعض الشباب يرضخ لهذا النوع من التحايل من أجل الحصول على وظيفة، وذلك نتيجة تجاهل قوانين العمل.

القانون الجديد وإلغاء "استمارة 6"

يعطي قانون العمل الجديد المفترض إقراره في دورة الانعقاد الحالي لمجلس النواب المصري العمال حقوقهم مقارنة بقانون العمل لعام 2003، بحسب تصريح سابق للنائبة سولاف درويش وكيل لجنة القوي العاملة، والاستقالة التي يوقّعها الموظَّف لم يعد لها وجود في القانون الجديد.

يُذكر أنَّ المادة 140 من مشروع قانون العمل الجديد، تنصّ على أنَّ: "للعامل أن يُقدِّم استقالته كتابة لصاحب العمل، بشرط أن تكون مُوقَّعة منه أو من وكيله الخاص، ومعتمدة من الجهة الإدارية المُختصَّة. ولا تنتهى خدمة العامل إَّلا بالقرار الصادر بقبول الاستقالة، وعلى العامل أن يستمر فى العمل إلى أن تبتّ جهة عمله فى الاستقالة خلال عشرة أيام من تاريخ تقديمها، وإلا اعتبرت مقبولة بفوات هذه المدة، وللعامل المستقيل أو وكيله الخاص العدول عن الاستقالة خلال أسبوع من تاريخ إخطاره بقبول صاحب العمل الاستقالة، على أن يكون هذا العدول مكتوبًا ومعتمدًا من الجهة الإدارية، وبشرط موافقة صاحب العمل، وفى هذه الحالة تعتبر الاستقالة كأن لم تكن".

في القانون الجديد، سيكون عقد العمل مكوّن من أربع نسخ سيحصل كلّ من "العامل، والمؤسسة، ومكتب العمل، والتأمينات" على واحدة منهم، وبذلك يضمن الموظف حقه في العمل. 

وشددت سولاف على أنه بين الحين والأخر تمرّ لجنة من مكتب العمل على الشركات والمؤسسات لتتأكد أنَّ العمال مبرم لهم عقود.

على الرغم من أن قانون العمل الجديد قد يكون قضى على الاستقالة الإجبارية إلا أن غالبية المؤسسات والشركات تتجاهل إعطاء الموظف نسخة من عقد العمل، الذي يثبت به صلته بالمؤسسة إذا فُصل تعسفيًا، أو لا تُبرم عقد في بداية العمل، وبذلك لا يندرج الموظف تحت قانون العمل الجديد.

"مادام العامل رضي على نفسه يشتغل من غير عقد يبقى هو بيطبق على نفسه العقوبة"، هكذا ترى سلافة درويش في تصريحات لـ"رصيف22"، وتعني أنَّ العامل الذي يرضى أن يدخل عمل دون أن يحصل على عقد عمل فهو أخلّ بحقوقه وبذلك لا يطلبها.

وتضيف درويش أنه إذا كانت الشركات تتجاهل مدّ الموظف بعقد العمل فإنَّ الموظَّف يستطيع الإبلاغ عن الشركة في مكتب العمل حتى يضمن حقوقه.

حقوق للعامل بدون عقد عمل

يشرح محمد فؤاد، المحامي، التغيرات الجديدة في قانون العمل الأخير أكثر، يقول أن الموظف أو العامل الذي يُجبر على توقيع الاستقالة التي تنهي علاقته بالمؤسسة لدى التأمينات مع بداية العمل حتى يكون خاضع لصاحب العمل، ويستطيع الأخير إنهاء العلاقة مع الموظف في أيّ لحظة، وبالتالي تضيع حقوق الموظف، إلّا أنّ العامل الآن يستطيع الحصول على حقوقه كافّة من دون العقد.

الابتعاد عن التقاضي بسبب طول مدة التقاضي يساعد على إهدار حقوق العمال، هكذا يرى المحامي المختص في شؤون العمال، إذا أنه يؤكد أن علاقة الموظف بالعمل مرتبطة بعوامل كثيرة حتى لو كان بأجر يومي، منها شهادة الشهود أو كشف الحضور والانصراف أو الراتب الذي يصرف له.

وعلى إثر ذلك يستطيع العامل أن يقاضي المنشأة التي فصلته أو أنهت خدمته بموجب الاستقالة التي وقع عليها في بداية العمل، بالطرق السابقة، ويستطيع الحصول على أجر شهرين تعويض عن كل سنة عمل بحد أدنى.

قانون العمل الجديد، أعطى للعامل أن يقدم استقالته لصاحب العمل ولا يعتد باستقالته إلا إذا كانت مكتوبة وموقعة منه أو من وكيله ومعتمدة من مكتب العمل المختص، ولا تنتهى خدمة العامل إلا بالقرار الصادر بقبول الاستقالة، كما أن للعامل أن يستمر فى العمل إلى أن تبت جهة عمله فى الاستقالة خلال عشرة أيام من تاريخ تقديمها وإلا اعتبرت مقبولة بحكم القانون بفوات هذه المدة.

رسَّخت "استمارة 6" مفهوم "إعادة تدوير المُوظّفين" في القطاع الخاص المصري، فكلّ 6 أشهر أو سنة تطرد شركات العديد من موظّفيها، وتستبدلهم بآخرين.

ومن المميزات في قانون العمل المفترض إقراره في الدورة البرلمانية الحالية، أنه يحق للعامل العدول عن الاستقالة خلال أسبوع من تاريخ إخطاره بقبولها من الشركة، أو من تاريخ انتهاء الميعاد المحدد للبت فيها، وفى هذه الحالة تعتبر الاستقالة كأن لم تكن.

بالطبع كل هذه مميزات تحقق الطمأنينة للموظف، ولكن هل ستغيّر شركات القطاع الخاص من طبيعة تعاقدها مع  موظفيها، وتبتعد عن أساليب التحايل والهروب، في مناخ يعاني فيه كثير من الشباب المصري البطالة، والبطالة المقنّعة، وتدنّي الأجور المصاحب لغلو المعيشة وزيادة الأسعار.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard