رحلت "بهية" البهية .. عن محسنة توفيق رمز الوطنية والثورة

الثلاثاء 7 مايو 201903:41 م

بعد صراع مع المرض، رحلت، فجر الثلاثاء 7 مايو، الفنانة المصرية القديرة محسنة توفيق التي رمزت لـ "مصر"، باسم "بهية" كما يحلو للمصريين تسمية بلدهم عند التغني بمصر ولها. في دور بهية أبدعت محسنة توفيق وتحولت "ماما أنيسة” إلى رمز للوطنية والثورة.

وأعلنت الفنانة نهال عنبر رئيسة اللجنة الصحية بمجلس نقابة المهن التمثيلية، وفاة الفنانة القديرة، في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، عن عمر ناهز الـ 80 عاماً.

ولدت محسنة توفيق في 29 ديسمبر 1939، وتخرجت من كلية الزراعة مثل العديد من فناني جيلها. وهي شقيقة الإعلامية المصرية البارزة فضيلة توفيق، المعروفة بـ"أبلة فضيلة" أشهر مذيعة لبرامج الأطفال في مصر.

أدوار  "وطنية" بامتياز

بدأت محسنة توفيق التمثيل في المسرح المدرسي ثم الجامعي. وعلى المستوى الاحترافي، استهلت مسيرتها الفنية بالعمل المسرحي، إذ قدمت العديد من المسرحيات أبرزها "مأساة جميلة" 1962 و"منين أجيب ناس" و"حاملات القرابين" و"الدخان" و"إيرما" و"عفاريت مصر الجديدة".

ورغم قلة أعمالها الفنية، التي لا تتجاوز مجتمعة 80 عملاً، وصفها المخرج الراحل يوسف شاهين، بأنها في طليعة "مجاذيب السينما المصرية"، لشدة ولعها بالتمثيل. ومع شاهين قدمت توفيق غالبية أعمالها السينمائية وأهمها "إسكندرية ليه" و"الوداع يا بونابرت" و"العصفور".

اختير "العصفور"، المنتج عام 1972، ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في ذاكرة السينما المصرية حسب استفتاء النقاد عام 1996. هذا الفيلم منح توفيق شهرةً من نوع آخر ربما لم تتوقعها.

جسدت توفيق في الفيلم دور "بهية"، وظهرت في مشهده الختامي وهي تصرخ "لأ، ح نحارب، ح نحارب"، مجسدةً رغبة الشعب المصري في النضال عقب تنحي الزعيم جمال عبد الناصر عن الحكم إثر نكسة يونيو/حزيران 1967. وفيما تصاعد صوت الشيخ إمام مغنياً "مصر يا أمّا يا بهية"، باتت "بهية" بصرختها تلك رمزاً لـ "مصر" و"للوطنية".

للراحلة أفلام أخرى تعد من علامات السينما المصرية مثل "البؤساء" مع المخرج الراحل عاطف سالم، و"ديل السمكة" مع المخرج سمير سيف، و"قلب الليل" و"الزمار" مع المخرج الراحل عاطف الطيب.

أما أدوارها الدرامية التلفزيونية فلم تختلف عن السينمائية، بل جاءت قليلة ومنتقاة بعناية ونابعة من وطنيتها وإحساسها بالبسطاء والفقراء. جسدت توفيق دور صفية زغلول، التي لقبت بأم المصريين، في مسلسل "أم كلثوم". لكن أبرز أدوراها التلفزيونية هو دور "ماما أنيسة" في المسلسل الشهير "ليالي الحلمية"، ودورها في مسلسلي "الوسية" و"الشوارع الخلفية".

كان آخر أعمالها مسلسل "أهل الإسكندرية" عام 2014، من تأليف بلال فضل وإخراج خيري بشارة، لكنه لم يعرض. أما آخر أعمالها المعروضة فهو مسلسل "المرسى والبحار" مع الفنان يحيى الفخراني عام 2005.

تكريم شحيح... لماذا؟

فازت توفيق في عام 2013 بجائزة الدولة التقديرية عن مجمل أعمالها الفنية. كما كرمتها إدارة مهرجان أسوان السينمائي الدولي لسينما المرأة في فبراير/شباط الماضي، عن مجمل أعمالها.

ويرى البعض، منهم الناقد الفني طارق الشناوي، أن توفيق لم تحظ بالتكريم الرسمي الذي تستحقه فنانة بثقلها وإبداعها وإنتاجها المميز، رغم ندرته.

لكننا نجد تفسيراً مقبولاً، إلى حد ما، هو أن توفيق كانت فنانة "وطنية" بدرجة مناضلة، إذ طالما جسدت القهر والفقر ومعاناة الكادحين (الغلابة) في مصر على الصعيد الفني. كما أنها نفرت من "السلطة ورموزها" واختارت الجانب الأضعف لنصرته، هو الشعب.

كذلك توضح الناقدة الفنية ماجدة خير الله، لرصيف22، أن الراحلة كانت "فنانة محترمة أدت أدواراً جيدة في أفلام جيدة، ولم تكرم بالشكل اللائق بتاريخها لأنها كانت مبتعدة عن الحياة العامة وأدوارها قليلة"، لافتةً إلى أن"المهرجانات والمسؤولين عن التكريمات الفنية لا يلتفتون عادةً لمن ليسوا في الصورة (ظاهرين)".

وتتابع: "هناك فنانون يجيدون الترويج لأنفسهم وتأكيد حضورهم على الساحة الفنية. هي ليست من ذاك النوع. ثم لا ينبغي أن نعول كثيراً على التكريمات الفنية لأنها ليست دائماً في محلها، فنجد فنانين عظماء مثل عادل أدهم لم يكرموا مثلاً".

لم تكن توفيق تجسد الوطنية في أعمالها فقط، بل كانت مواقفها الثورية والوطنية والقومية بارزة في الحقيقة كذلك. فقد كانت ترى في عبد الناصر زعيماً وتعجب بشخصيته وقراراته لكنها كانت ترفض "سلطة الفرد"، وأدت "مشاغبتها" إلى أن تُسجن في عهده.
رفضت محسنة توفيق السفر مع وفد من الفنانين، برئاسة جمال مبارك، نجل الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، إلى لبنان عقب الحرب الإسرائيلية، وقالت في تصريحات لجريدة الأخبار اللبنانية: "مش ممكن.. هسافر مع شوية طبالين”. رحلت بهية التي تحولت إلى رمز مصر على مر العقود.

النادرون يرحلون..

نعت وزيرة الثقافة المصرية إيناس عبد الدايم، الفنانة الكبيرة وقالت في بيان صحافي، إن "الإبداع الدرامي العربي فقد إحدى علاماته" مؤكدةً أن الراحلة "تميزت بالأداء الفني الصادق".

ونشر السيناريست مدحت العدل، عبر حسابه على تويتر تغريدة قال فيها: "النادرون يرحلون.. رحم الله بهية".

وكتبت الفنانة منة شلبي التي كرمت مع الفقيدة في أسوان أخيراً، عبر تويتر: "مع السلامة يا بهية يا حلوة يا اللي كلك طيبة وموهبة وصدق. ربنا يرحمك بقدر ما أعطيتينا وعلمتينا".

وكتبت الفنانة رانيا يوسف، عبر حسابها على تويتر: "إنا لله وإنا إليه راجعون، وفاة الفنانة القديرة والعظيمة محسنة توفيق".

مواقف وطنية وقومية

لم تكن توفيق تجسد الوطنية في أعمالها فقط، إذ كانت مواقفها الثورية والوطنية والقومية أيضاً بارزة. فقد كانت ترى في عبد الناصر زعيماً وتعجب بشخصيته وقراراته لكنها كانت ترفض "سلطة الفرد"، وأدت "مشاغبتها" إلى أن تُسجن في عهده.

رفضت الراحلة أيضاً السفر مع وفد من الفنانين، برئاسة جمال مبارك، نجل الرئيس المصري آنذاك حسني مبارك، إلى لبنان عقب الحرب الإسرائيلية، وقالت في تصريحات لجريدة الأخبار اللبنانية: "مش ممكن.. هسافر مع شوية طبالين".

وظهرت في صفوف المصريين الذين خرجوا في ثورة يناير 2011، مطالبين برحيل نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، رفقة ابنها الناشط المعارض وائل خليل.

تجاوزت مواقفها الوطنية حدود بلدها، فأعربت مراراً عن دعمها النضال الفلسطيني ضد المحتل الإسرائيلي "المجرم" وفخرها بـ"المقاومة الفلسطينية"، مشددةً على أن الاحتلال "سيزول مهما طال الأمد". كما استنكرت إغلاق المعابر في وجه الفلسطينيين إثر حصار غزة.

وتٌشيع الفقيدة عقب صلاة ظهر الثلاثاء من مسجد السيدة نفيسة بالعاصمة المصرية، حسبما أعلن أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية المصرية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard