مصر ليست أمّي: أو ليس الاعتزاز بالأوطان ضيّقاً؟

الثلاثاء 7 مايو 201911:14 ص

تتأمّل ملامحك في المرآة: الشفاه الغليظة والأنف الضخم يؤكّدان أنك من أصولٍ أفريقيّة، العين الضيّقة، شاربك الذي يرفض دوماً الالتحام بلحيتك، وقصر القامة، كلّها صفات تُنبئ بأنك من جذورٍ آسيويّة.

تنتابك الحيرة فتتساءل: إلى أي البلاد أنتمي؟

ماذا عن البشرة البيضاء والشعر الناعم الذي لا يتوقّف عن الاستطالة، هل للأمر علاقة بالعِرْق الأوروبي؟

تنتابك الحيرة فتتساءل: إلى أي البلاد أنتمي؟

بالمقهى، وبينما يصدح صوت محمّد فؤاد سائلاً: "يعني إيه كلمة وطن؟" تبوح لأصدقائك بما يدور بداخلك، فتتلقّى عاصفةً من الضحك. يخمّن أحدهم أنه ربما كانت جدّتك من آسيا وتعرّفت على جدّك الأفريقي في عهد الاستعباد، ولعل لون بشرتك يعود لسيّدٍ إنجليزي شارك جدّك في جدّتك لتأتي على هذا النحو.

عاصفة أخرى مزلزلة من الضحكات الساخرة. يعلّق آخر أنك من أصل تتاري جاءت بذرتك مع حملة تتاريّة.

يستكمل محمد فؤاد تساؤلاته عبر الراديو: "يعني أرض؟ حدود؟ مكان؟ ولا حالة من الشجن؟".

يصرّح صديقك البدوي أنه من عائلةٍ مغربيّةٍ هبطت الفيّوم في عصر محمد علي، أما صديقك الآخر – ابن مدينة المنصورة- فهو على يقينٍ بأنه أوروبي النطفة، إنجليزي على وجه التحديد، تشي ملامحه بذلك: العيون الزرقاء، البشرة البيضاء المشبعة بالاحمرار، والشعر الأشقر.

من منا مصريّ خالص؟!

من منا مصريّ خالص؟!

يوضّح محمد فؤاد أن الوطن ما هو غير حالة" "شاي بالحليب على قهوة في الضاهر هناك".

يعلق السؤال بذهنك، يضغط بقوّةٍ دون انتظار إجابةٍ... هنا لا شيء يَقِيْنيّ، فهذا الوطن الذي تناوبت عليه الأمم والحضارات، كان لابدّ له أن يُنجبَ أبناءً مجهولي الهوية.

يبيّن صديقك البدوي أن الهكسوس حكموا مصر واختلطوا بأهلها ما يقارب القرن، ثم جاءت الامبراطوريّة الرومانيّة لتزيل الاحتلال القديم وترسّخ لحكمها ما يقارب الثلاثة قرون حتى غزا، أو فتح كما يروق للكثيرين، عمرو بن العاص مصر ليبدأ عهدٌ جديدٌ، وماذا عن الحكم العثماني والفاطمي ثم الإنجليزي... كلّها شعوب تركت بصمتها الجينيّة في هذا الوطن المهجّن.

يتدخّل صديق المنصورة موضّحاً أن الأمر لا يقتصر على مصر فحسب، فكلّ الشعوب نالت من غيرها، كما نال غيرها منها، ثم يلتقط موبايله من على الترابيزة ويضغط على أزراره ويناولك إياه قائلاً: "شاهد هذا الفيديو.. فهو يؤكّد صدق ما نعتقد".

بالفيديو، الجميع، وهم أفراد من دولٍ متعدّدةٍ، متيقّنٌ من أصله، من انتمائه، يتفاخر بذلك ويعتزّ به، بينما يصرّح البعض ببغضه لأعراقٍ أخرى.

يعلّق المعلّق على الفيديو: "لن يكون هناك تطرّف إذا عرف الناس أصلهم".

ولكن، وبعد تحليل الحمض الوراثي عن طريق اللعاب، تأتي المفاجأة الصادمة: أحدهم مسلمٌ من أصلٍ يهودي، وآخر، وكان قد أعلن أنه مُعادٍ لألمانيا، يكتشف أنه ألماني، وأخرى تعثر على قريبٍ لها.

يعلّق المعلّق على الفيديو: "لن يكون هناك تطرّف إذا عرف الناس أصلهم".

تخبطك كلمة (تطرّف)، تسحبك وتطوف بك في جولةٍ محزنةٍ على البلدان العربيّة اليوم، ترى المذابح والضحايا، يخترقك صوت أنين الأطفال وصرخات النساء ولا تسأل عن السبب، ربما لأنك تدركه تماماً، بدلاً من ذلك تطرح على نفسك سؤالاً آخر: "من أين يأتي التطرّف؟ هل من الاعتزاز الزائد بالأوطان والعقائد أم من الكره البغيض للآخر؟"

أنت تؤمن بأن الإنسان ضحية للزمان والمكان، وللتاريخ أيضاً. شعوب تدفع ثمن أحداثٍ جرت في الماضي، وشعوب أخرى ترغب في العودة للماضي، ونحن، أبناء الحاضر، لا نتطلّع للمستقبل بقدر تقديسنا لما فات.

يخبرك صديقك البدوي أنه طبقاً للديانات الإبراهيميّة فإن موطن الإنسان الحقيقي يعود للسماء، أي أننا لسنا أبناء تلك الأرض من الأساس، نحن نعيش في غربةٍ وسنعود في نهاية المطاف إلى هناك، ويشير بإصبعه نحو الأعلى.

 فإذا كان هناك يقينٌ فِعْلي فهو أن الإنسان ينتمي للإنسانيّة

يقاطعه صديقي المنصوري مؤكّداً أن الديانات الإبراهيميّة كذلك تسبّبت في صراعات منذ ظهورها وحتى الآن لإيمانها بالوعد السماوي، ويضرب مثلاً باليهود وحلمهم الدائم بالعودة إلى الوطن الذي بشّرت به التوراة، وما نتج عن ذلك من تهجير أهل فلسطين ومداهمة لبنان، سوريا، مصر، واليمن.. إلخ.

إذن فالوطن ليس المكان الذي نولد فيه فقط، ولكن قد يكون وعداً إلهياًّ يجرّ خلفه مصائب كبرى.

 حكم الهكسوس مصر، ثم جاءت الامبراطوريّة الرومانيّة وترسّخ لحكمها ما يقارب الثلاثة قرون حتى غزا، أو فتح كما يروق للكثيرين، عمرو بن العاص مصر، وماذا عن الحكم العثماني والفاطمي ثم الإنجليزي؟ كلّها شعوب تركت بصمتها الجينيّة في هذا الوطن المهجّن.

تخبطك كلمة (تطرّف)، تسحبك وتطوف بك في جولةٍ محزنةٍ على البلدان العربيّة اليوم، ترى المذابح والضحايا؛ الأطفال والنساء، وتسأل نفسك:  "من أين يأتي التطرّف؟ هل من الاعتزاز الزائد بالأوطان والعقائد أم من الكره البغيض للآخر؟"

ما الحلّ إذن؟

صمتٌ كئيبٌ يخيّم عليكم، يقطعه صوت المعلّق "العالم المنفتح يبدأ بفكرٍ منفتح".

يقول صديقك البدوي إنه لا شيء يَقِيْنيّ بالفعل، فإذا كان هناك يقينٌ فِعْلي فهو أن الإنسان ينتمي للإنسانيّة، هذا يقين لا يمكن الشكّ فيه، وعليه، لا بدّ أن يكون انتماؤه للإنسان، وعليه أيضاً أن يخرج من سطوة التاريخ والمكان.

ولكن، كيف يتخلّص المرء من التاريخ والمكان؟

إذن فالوطن ليس المكان الذي نولد فيه فقط، ولكن قد يكون وعداً إلهياًّ يجرّ خلفه مصائب كبرى.

يرى أننا بحاجةٍ إلى فلسفة التاريخ وبذلك سيفقد قداسته، وعلى دارسي التاريخ أن يضعوه تحت مقصلة البحث المحايد، دون انحيازٍ أو فخر، وأن يتمّ الاستفادة منه كتجاربٍ مرّت، لها مميّزاتها وعيوبها، وأننا غير ملزمين بالعودة للوراء أبداً، فمن أراد أن يتقدّم للأمام لن يفعل إذا ظلّ ينظر للخلف.

أما المكان فيعتقد أنه محلّ للميلاد، ولا يجوز للإنسان أن يُعاقب لأن الصدفة/ القدر ألقت به هنا. بتلك الطريقة سيتحوّل العالم إلى قريةٍ واحدةٍ متماسكة، وهو الحلم الذي نادى به الفلاسفة في كلّ العصور، لن تكون هناك يوتوبيا أبداً، ولكن هذا لا يعني أن يسير العالم نحو نهايته من أجل الأرض، أو السعي لتحقيق نبوءاتٍ تفتك بالآخر، علينا أن ندرك أن الحدود صناعةٌ بشريّةٌ، وأن الوطنَ عزيزٌ ولكننا في كلّ الأحوال بشرٌ ننعم ونتشارك الإنسانيّة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard