"منزوعة السلاح لكنها خطرة"... كيف يعيش سكّان المكان الأخطر في سوريا؟

الاثنين 6 مايو 201906:46 م


قبل الاتفاق الدولي على تحديد منطقة منزوعة السلاح، كان حسن عليوي، 30 سنة، يشعر بالأمان نسبياً بوجود قبو منخفض في منزله الواقع في منطقة جبل شحشبو في ريف حماة، ومغارة مقابل المنزل، يلجأ مع أسرته إلى أحدهما في حالة التعرّض للقصف: القبو للقصف البعيد، والمغارة للقريب.

هذه المغارة هي واحدة من عشرات المغارات التي حفرها أهالي الجبل قرب بيوتهم للاحتماء فيها من القصف، فأصبحت بيتهم الثاني، ومن النادر أن تجد عائلة في شحشبو لا تمتلك مغارة مفروشة بعدّة بسيطة، تقي أبناءها برد الشتاء إنْ اضطروا للنوم فيها ليلة أو ليلتين أو أكثر، بحسب الأوضاع.

كل ذلك كان قبل أن تصبح المنطقة جزءاً من الجغرافيا منزوعة السلاح في سوريا. بعد ذلك، لم تعد هذه الملاجئ تكفي، وبات النزوح بعيداً الخيار الأنسب، بسبب تعرّضها المتكرر للقصف المركّز.

"كنت قبل أشهر قليلة أنزح داخل القرية، قريباً من نقطة الحماية التركية وبعيداً عنها، أما الآن فلم يَعُد هذا كافياً"، يقول عليوي لرصيف22.

قبل أيام وجد حسن بيتاً صغيراً لأسرته في قرية قرب سرمدا في ريف إدلب، خارج المنطقة منزوعة السلاح، بعد أن تنقّل بين عدة مناطق في الشمال السوري. هذا نزوحه الثاني، والأول كان عام 2012 لفترة قبل أن يعود ويبقى في بيته حتى أبريل 2019، عندما أصبح الوضع "لا يطاق"، بحسب تعبيره.

وفي الأيام الأخيرة، باتت المنطقة "منزوعة السلاح" الأكثر تعرّضاً للقصف. فمنذ 30 أبريل حتى اليوم، يشنّ الطيران السوري والروسي سلسلة غارات على منطقة "خفض التصعيد" وضمنها المنطقة منزوعة السلاح، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى ونزوح عشرات الآلاف إلى مناطق أكثر أمناً، هرباً من مكان من المفترض كبرى الدول الفاعلة في الشأن السوري، روسيا وتركيا، تراقبه.

وسجّل الثاني من مايو أكثر من 100 غارة بالبراميل المتفجرة وبالصواريخ الموجهة على نحو 30 منطقة في جنوب إدلب وشمال حماة، وأدى التصعيد إلى نزوح أكثر من 140 ألف شخص من منطقة "خفض التصعيد".

جغرافا المنطقة "منزوعة السلاح"

تشكّل المنطقة "منزوعة السلاح" الحد الفاصل بين منطقة "خفض التصعيد" التي ينتشر فيها مسلحون معارضون للنظام وبين مناطق النظام. وقد حددها الاتفاق المعروف بـ"اتفاق النقاط العشر"، والذي تم الوصل إليه إثر اجتماعات بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين في منتجع سوتشي الروسي، في 17 سبتمبر 2018، بأنها تمتد على عمق 15 إلى 25 كيلومتراً في مناطق التماس بين قوى النظام والمعارضة.

وفي مجمل منطقة خفض التصعيد الواقعة في الشمال السوري والتي تضم أجزاء من محافظات إدلب وحلب وحماة واللاذقية، يعيش نحو ثلاثة ملايين نسمة، وتم الاتفاق عليها بين روسيا وتركيا وإيران في أستانا، في الرابع من مايو 2017.

وتقسم المناطق منزوعة السلاح إلى قسمين: الأول في طرف سيطرة المعارضة ويمتد على أطراف ريف إدلب الغربي (منطقة جسر الشغور)، وريف إدلب الجنوبي والجنوبي الغربي (التمانعة الشرقية، جرجناز، تل سلطان)، وريف حماة الغربي (قسطون، الزيارة، العمقية، الشريعة، قلعة المضيق)، وريف حماة الشمالي (كفرنبودة، اللطامنة، مورك، كفرزيتا)، وريف حلب الجنوبي والجنوبي الغربي (زمار، العيس، خان العسل، خان طومان). والثاني في طرف سيطرة النظام المقابل لمناطق سيطرة المعارضة، ويشمل أطراف ريف حماة الشمالي (حلفايا، صوران، الجديد، محردة، السقيلبية)، وريف حماة الغربي (شطحة، جورين)، وريف اللاذقية الشمالي (أطراف جبل التركمان، سلمى)، وريف حلب الغربي (حندرات، الوضيحي، الحاضر)، وأطراف من ريف إدلب الشرقي (أبو الضهور ومحيطها)، إضافة إلى قرى وبلدات صغيرة أخرى.

يسكن في المنطقة منزوعة السلاح الواقعة ضمن مناطق سيطرة المعارضة حوالي 350 ألف نسمة وفق إدارة المهجّرين التابعة لحكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام (تضم جماعات إسلامية أبرزها جبهة فتح الشام/ النصرة سابقاً)، فيما يشير ناشطون من المنطقة إلى أن العدد أقل من ذلك، بعد نزوح جزء من السكان، ولا توجد إحصائية دقيقة لعدد السكان في مناطق النظام.

ويُعتبر الجزء الواقع منها في ريفي حلب وإدلب قليل السكان بعد دمار المنطقة وهجرة سكانها قبيل سيطرة النظام عليها، بينما يتركز السكان في مناطق ريف حماة الشمالي، مثل السقيلبية وأطرف محردة وجورين وحلفايا، وهي مدن صغيرة بالمجمل.

ما الذي كان مطلوباً؟

نص الاتفاق على منطقة "خفض التصعيد"، على "وقف الأعمال العدائية بين الأطراف المتنازعة" وتسهيل وصول المساعدات إلى أبناء المنطقة، وإنشاء نقاط تفتيش ومراقبة على حدودها لضمان وفاء الأطراف المتصارعة بالاتفاق، مع "اتخاذ جميع التدابير اللازمة لمواصلة القتال" ضد داعش والكيانات المرتبطة بتنظيم القاعدة "وغيرها من التنظيمات الإرهابية التي حددها مجلس الأمن الدولي"، والعمل على "فصل جماعات المعارضة المسلحة عن الجماعات الإرهابية".

أما الاتفاق الروسي التركي على منطقة "منزوعة السلاح"، فقد نص على "إخراج جميع الجماعات الإرهابية المتطرفة" منها بحلول 15 أكتوبر 2018، و"سحب جميع الدبابات وراجمات الصواريخ والمدفعية وقذائف الهاون التي تتبع الأطراف المتصارعة" بحلول 10 أكتوبر.

وبالفعل، مع بداية سريان الاتفاق، تم توثيق بدء سحب سلاح ثقيل من طرفي النظام والمعارضة، إلا أن النظام لم يسحب سلاحه من كل المناطق، وفي الوقت نفسه بدأت تنظيمات متطرفة تعلن رفضها للاتفاق، وهي تنظيمات كانت بالأصل تخوض معارك ضد قوى مدعومة من تركيا.

كانت النتيجة أن أنقرة لم تستطع إخراج تلك القوى، ولم يتراجع النظام بأسلحته الثقيلة عن كل مناطقه، وانتقل الحال من الهدوء إلى تسجيل خروقات بسيطة راحت تتسع يوماً بعد يوم. وسُجّل في 25 نوفمبر 2018 أول خرق جوي روسي باستهداف منطقة خان طومان في ريف حلب، ثم بدأ التصعيد الواسع منذ 30 أبريل الماضي.

الهدوء استثناء والقاعدة هي الخروقات

يقول حذيفة الحموي، 28 سنة، وهو صحافي مقيم في قرية ترملا في المنطقة منزوعة السلاح، لرصيف22: "لا يمكن تماماً تحديد مَن بدأ بخرق الاتفاق. كان لدى الطرفين مبرراتهما للخرق، فالنظام السوري وخلفه روسيا كانت لديه شماعة التنظيمات المتطرفة الرافضة أصلاً للاتفاق (حراس الدين، جبهة تحرير الشام، وجماعات أخرى)، والتي ما تزال تتواجد في المنطقة منزوعة السلاح، رغم محاولات تركيا إخراجها منها، كما لدى قوات المعارضة مبررات هي عدم سحب النظام أسلحته من المنطقة منزوعة السلاح واستمرار تواجد قوات كبيرة له في معسكراته المقابلة لنقاط التماس".

برأي الحموي، "خرق الطرفان الاتفاق بإصرار، ودفع الثمن المدنيون الذين استبشروا خيراً في أيام الاتفاقية الأولى، خاصة أن الهدوء استمر أكثر من شهر حينذاك".

ولكن القصف لم يستهدف مواقع التنظيمات الجهادية وتحركاتها فقط، بل استهدف مواقع مدنية داخل القرى، والأراضي الزراعية، وفق تأكيد خالد الأحمد، رئيس المجلس المحلي في بلدة الحويجة الواقعة في المنطقة منزوعة السلاح.

وقال الأحمد لرصيف22: "بلدتنا زراعية، تضم 7500 نسمة، لا وجود للفصائل العسكرية ضمنها، كل سكانها مدنيون فقط، ويتم استهدافها بشكل دائم من قبل قوات النظام المتمركزة في معسكر جورين المواجه للبلدة. لا مسؤولية للمعارضة في ذلك، مَن ينتهك هو النظام فقط".

في البداية، كان السكان ينزحون في مناطق المعارضة منزوعة السلاح إلى جانب نقاط المراقبة التركية الـ12 المُنشأة في المنطقة. فالاستقرار على بعد 400 إلى 500 متر من نقطة مراقبة تركية كان كفيلاً بحماية النازحين من القصف، وبالتالي شهدت بعض النقاط التركية تأسيس مخيمات مؤقتة قربها.

ولكن في 29 أبريل 2019، جرى قصف مخيم الرحمة، قرب نقطة شير مغار. وفي الرابع من مايو، أعلنت وزارة الدفاع التركية إصابة جنديين تركيين بقصف من قوات الحكومة السورية، قرب نقطة مراقبة تركية جنوب شرقي مدينة إدلب السورية، توفي أحدهما.

يقول حذيفة الحموي: "نزحت مرتين إلى جانب النقطة التركية، وعدت إلى بيتي، إلا أنني جاهز للنزوح سواء بشكل مؤقت أو دائم. عندما تعيش في المنطقة منزوعة السلاح يجب أن تكون جاهزاً للنزوح دائماً. إنها منزوعة السلاح لكنها خطرة".

مناطق منكوبة

يستهدف قصف مستمر على بلدة الشريعة التي يقيم فيها 20 ألف نسمة، في ريف حماة الغربي، بناها التحتية والبساتين والأراضي المحيطة بها، منذ أكثر من ثمانين يوماً، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى بالعشرات.

يقول تركي حشيش، ويعمل في المكتب الإغاثي في بلدة الشريعة، لرصيف22: "تم إعلان بلدة الشريعة بلدة منكوبة، إذ استهدف النظام السوري كل شيء فيها، مدارس ومراكز طبية وأفران وشوارع ومزارع، وكل هذه الاستهدافات جاءت بعد توقيع الاتفاق وإعلان البلدة جزءاً من المنطقة المحمية، لقد سحبت تركيا السلاح الثقيل بالفعل، لكن النظام لم يلتزم".

في السنوات الماضية، حفر أهالي جبل شحشبو عشرات المغارات قرب بيوتهم للاحتماء فيها من قصف النظام السوري... ولكن في الفترة الأخيرة، لم تعد هذه الملاجئ كافية
"هناك عدم جدية واضحة في تطبيق اتفاقية المناطق منزوعة السلاح في سوريا، فروسيا والنظام يخرقان الاتفاق يومياً، وتركيا لم تُبدِ جدية بشكل واضح في التطبيق أيضاً"، و"المدنيون يدفعون الثمن"

حال بلدة قلعة المضيق (45 ألف نسمة) لم يكن أحسن، فقد تركز القصف عليها خلال الأشهر الثلاثة الماضية، ونزح حوالي 65% من سكانها باتجاه المناطق الأكثر أمناً داخل المنطقة منزوعة السلاح كتلك القريبة من نقاط الحماية التركية، وفق مسؤول المكتب الإعلامي في المجلس المحلي لقلعة المضيق عبد الرحمن محمود.

ويقول محمود لرصيف22: "لم تنجح النقاط التركية بوقف القصف، إنه يزداد، خاصة عند خروج الدوريات التركية، ويبدو ردة فعل انتقامية من قبل النظام".

قصف مناطق النظام

لا يكاد يمر أسبوع إلا ويسجل خلاله سقوط قذائف واستهداف بالصواريخ لمناطق تابعة للنظام من قبل فصائل معارضة موجودة في المنطقة منزوعة السلاح، وشهدت بلدات السقيلبية ومحردة وجورين، سقوط صواريخ فيها أدت إلى سقوط قتلى وجرحى في كثير من الأحيان.

يقول محمد علي، 25 عاماً، وهو ناشط سوري يدير مع زملاء له صفحة اسمها "صوت الغاب" تعنى بتوثيق حالات استهداف منطقة سهل الغاب لرصيف22: "يقوم المسلحون بخروقات دائمة لاتفاق سوتشي، ويستهدفون مناطقنا بالقذائف والصواريخ التي تؤدي إلى سقوط ضحايا، ولنزوح السكان من مناطقهم. وقبل أيام استشهد شاب من قرية الخندق نتيجة استهداف القرية من قبل الإرهابيين وقبله آخر في بلدة الرصيف".

ومن مصياف، يقول المهندس علي عواد، 33 عاماً، لرصيف22: "أعمل في منطقة سهل الغاب، وأسافر بشكل شبه يومي إلى هناك. تقوم قوات المعارضة باستهداف مناطق جورين وشطحة وغيرها بالقذائف، بين حين وآخر، إلا أنها قذائف عشوائية، تسقط في أراض زراعية، أو على أطراف قرى، ونادراً ما تصيب أي هدف".

وينفي عواد وجود حالات نزوح نتيجة استهداف تلك المناطق من قبل قوات المعارضة.

مستقبل المنطقة العازلة

"هي حبر على ورق، حالها كحال الكثير من الاتفاقيات التي وقعت في سوريا". هذا رأي الباحث السوري مازن غريبة الذي يقول لرصيف22: "هناك عدم جدية واضحة في تطبيق الاتفاقية منذ توقيعها، بدءاً من روسيا والنظام اللذين يخرقان الاتفاق يومياً، ووصولاً إلى تركيا التي لم تُبدِ جدية بشكل واضح في التطبيق أيضاً، خصوصاً في ما يخص محاربة أطراف رفضت أساساً الاتفاقية التي تضمن أحد بنود الاتفاقية محاربتها".

ويضيف غريبة: "اتفاق المنطقة العازلة أصلاً جاء كخطوة في مسار اتفاقات سياسية أكبر. يبدو أن روسيا هدفت من خلاله إلى تقوية حضور حليفها النظام السوري سياسياً، وتركيا هدفت للحصول على تنازلات بخصوص منطقة شرق الفرات، المنطقة التي تلوّح باجتياحها حالياً. كان اتفاقاً مبرِّداً للمسار لا أكثر، إلى حين حصول كل طرف على مكاسبه من الآخر".

ويبدي الباحث السوري استغرابه من الصمت التركي الحالي حيال قصف النظام للمنطقة ولإدلب ككل حالياً، مشككاً بوجود مساومة سياسية جديدة تفضي إلى تحقيق مصالح القوى الكبرى، ومعتقداً بوجود سيناريوهات جديدة ستستقط معها الاتفاقيات القديمة وقد تؤدي إلى "تقسيم إدلب بين مناطق نفوذ تركي ومناطق نفذوذ روسي بشكل واضح ومحدد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard