قصة محاولة مجموعة يهودية الاستيطان في "مدين" السعودية

MAIN_Jews-tried-to-settle-in-the-'Madin'-Saudi-Arabia

الخميس 9 مايو 201906:42 م

في بداية العقد الأخير من القرن التاسع عشر، انطلق الألماني بول فريدمان بصحبة عدد من اليهود على متن يخت من ميناء ساوثهامبتون البريطاني، قاصداً أرض مدين الواقعة حالياً في السعودية، لإقامة مستوطنة يهودية.

وأرض مدين هي المنطقة الساحلية الواقعة شمال غرب الجزيرة العربية، وتتاخم حدودها الشمالية مدينة العقبة الأردنية، وتمتد جنوباً لمسافة 400 كيلومتر وتصل إلى مرفأ الوجه في السعودية.

ويذكر الباحث في التاريخ العربي أحمد الدبش لرصيف22 أن بول فريدمان بروتستانتي يتحدّر من أسرة يهودية، ولد عام 1840 وقت ازدهار الفكر البروتستانتي الذي تزاوج مع فكرة إعادة اليهود إلى أرض الميعاد المزعومة لإقامة دولتهم وتحقيق شرط المجيء الثاني للمسيح.

وبحسب الدبش، أطلق فريدمان على مشروعه الاستيطاني اسم "أرض مدين"، إحياءً للمصطلح الكتابي الذي ورد في العهد القديم عن "أرض مدين" التي فر إليها النبي موسى بعد قتله أحد المصريين، وذلك رغم فشل كل البعثات الأثرية في إثبات تاريخية هذا الحدث.

دولة يهودية في مدين

كان لمشروع الرحالة البريطاني لورنس أوليفانت تأثير كبير على تفكير فريدمان بإقامة دولة يهودية في أرض مدين. عام 1880، قدّم أوليفانت مشروعاً في كتابه "أرض جلعاد"، دعا فيه إلى احتلال البريطانيين للمناطق الواقعة جنوب سوريا (فلسطين والأردن) وتسهيل مهمة اليهود في استعمارها واستصلاح أراضيها وتمكينهم من إقامة دولة لهم تكون خير سند وعون للمصالح البريطانية في منطقة شرق السويس، حسبما ذكر الدكتور أمين عبد الله محمود في كتابه "مشاريع الاستيطان اليهودي منذ قيام الثورة الفرنسية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى".

لكن الدبش يرى أن فريدمان تأثر أكثر بكتاب "أرض مدين" الذي ألّفه قنصل بريطانيا في دمشق (1869-1871) ريتشارد بورتون، ووصف فيه الثروات الكامنة في هذه المنطقة، حتى أن فريدمان نفسه وضع عام 1891 كراساً من 18 صفحة بنفس العنوان، بعد زيارة خاطفة لمدين، وصف فيه المنطقة ومناخها وسكانها وأوضاعها الاقتصادية.

وأعدّ فريدمان هذا الكراس ليرسله إلى عدد من السياسيين ورجال الدولة والزعماء اليهود في إنكلترا والنمسا وألمانيا وغيرها من البلدان، بحسب الدكتور أسعد رزق في كتابه "إسرائيل الكبرى/ دراسة في الفكر التوسعي الصهيوني".

وحاول فريدمان عبر طرحه إقناع المهاجرين اليهود بأن أهل مدين قد يستقبلونهم بالترحاب، وزعم أن سكان العقبة يتحدّرون من عشيرة بني سبت اليهودية، وأنهم احتفظوا ببعض العادات اليهودية، وانتهى إلى القول بأن مدين كانت في الماضي جزءاً من الدولة اليهودية القديمة.

نقطة انطلاق

يذكر المختص في الشؤون الإسرائيلية الدكتور خالد سعيد لرصيف22 أن اختيار فريدمان لمدين رغم أنها منطقة جرداء جاء لاعتبارات عديدة منها أنها "بعيدة إلى حد ما عن العيون"، وكان يسكنها عدد قليل من السكان، وبالتالي كان يعتقد أنه يستطيع تنفيذ مخططه بعيداً عن الملاحقات، خاصة أنه لم يحصل على موافقات رسمية صريحة بإقامة مشروعه.

ويضيف أن فريدمان كان يخطط لبناء عدد من المساكن البدائية تكون نواة لمشروعه على أن يتمدد في جميع الاتجاهات في ما بعد.

لكن طارق فهمي، رئيس وحدة الدراسات الإسرائيلية في المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، يرى أن مشروع مدين كان هدفاً مرحلياً وليس نهائياً بإقامة دولة.

وشرح لرصيف22 أن الهدف المرحلي ارتكز إلى فكرة إيجاد منطقة تجميع وتمركز لليهود ينطلقون منها إلى إقامة دولة الرب في أورشليم القديمة (فلسطين التاريخية)، ووقع الاختيار على مدين باعتبارها أقرب نقطة إلى هذه الدولة، إضافة إلى وجود بعض التجمعات اليهودية القليلة فيها، كما كان لها حزام أمني يمتدّ حتى المناطق العراقية وبعض الحدود مع سوريا، أيام الدولة العثمانية.

وبحسب فهمي، جاء مشروع فريدمان في سياق مشروعات يهودية أخرى ترتكز على نفس الفكرة المرحلية، وطُرحت أسماء دول مثل البرازيل والأرجنتين وأوغندا، لا سيما أن عدداً من زعماء اليهود اعترض على إقامة هذه التجمعات في المنطقة العربية، باعتبار أن كثافة العرب ووجود الدولة العثمانية سيتسبب في مشاكل جمة، لذا سعوا إلى إقامتها في مناطق بعيدة.

نصائح كرومر

تعرّف فريدمان على اللورد كرومر في لندن عام 1889، وكان وقتها يشغل منصبي وزير بلا حقيبة والمندوب السامي العام في القاهرة (1883 – 1907)، وأكد له كرومر أن الحكومة البريطانية لن تعرقل مشاريعه، ونصحه بأن يجتمع بمصطفى رياض باشا رئيس وزراء مصر آنذاك (1881 – 1891 و1892 – 1894) باعتبار أن مدين كانت خاضعة للإدارة المصرية، وكرر أمامه النصيحة نفسها حين زاره للمرة الثانية في القاهرة أواخر عام 1890، يروي رزق.

ولم يكن رياض باشا يجهل أن فريدمان جاءه مبعوثاً من قبل كرومر، فأبلغه بمعارضته للاستعمار الأوروبي في بلاده، فراح فريدمان يحوّر لكرومر كلام رياض باشا ويقول إن رئيس الوزراء لم يعترض على الاستيطان اليهودي، وإنه لم يشجع الفكرة لكنه أيضاً لم يثنه عنها.

غير أن نصيحة أخرى قدمها كرومر لفريدمان عضدت من موقفه، تمثلت في التوجه إلى لندن لتقديم مذكرة بتفاصيل مشروعه إلى رئيس وزراء بريطانيا روبرت غاسكوين سيسل.

وبحسب رزق، قال فريدمان في مذكرته إن المسألة اليهودية تشغل عقول الروس وتهدد أمن أوروبا وسلامتها، لذا يجب تمهيد السبيل لنقل ثمانين من اليهود الغاليين (من أبناء شمال فرنسا وإيطاليا) والهنغاريين (المجريين) لكي يتبعهم اليهود الروس والرومانيون بأعداد كبيرة، وذكر ضرورة تدريب فرقة عسكرية قوامها 300 رجل يهودي يحافظون على الأمن والنظام ويفرضون هيبتهم على بدو المنطقة، وهكذا تقوم مستعمرة يهودية تتمتع بالاستقلال الذاتي وتكون خاضعة لبريطانيا.

بيد أن المشروع امتد لإنشاء قناة جديدة تربط البحرين المتوسط بالأحمر، وتكون بديلة عن قناة السويس. بحسب الدبش، ارتكز هذا التصور على إنشاء قناة بين حيفا على البحر المتوسط والعقبة على خليج العقبة وصولاً إلى البحر الأحمر، ووفقاً لرؤية بول فريدمان فإن هذه القناة البديلة ستحرم مصر من ممر قناة السويس الاستراتيجي، وسيكون كل ذلك في صالح إحياء مشروع أرض الميعاد.

ويذكر محمود في كتابه أن بريطانيا أيّدت مشروع فريدمان، غير أن "هذا التأييد اتخذ أسلوباً ضمنياً خوفاً من أن تتأزم علاقتها مع الدولة العثمانية، وذلك لأن هذه المنطقة كانت لا زالت تُعتبر من الناحية الاسمية على الأقل جزءاً من ممتلكات العثمانيين، إضافة إلى وقوعها على الطريق المتجه إلى الأماكن الإسلامية المقدسة في الحجاز، ما جعلها قضية غاية في الخطورة".

ويبدو أن فريدمان اكتفى بهذه الموافقة الضمنية من جانب بريطانيا خاصة وأنه تلقى من كرومر وعداً بالاعتراف الرسمي حالما تتحقق الفرصة لنجاح المشروع.

انطلاق الحملة

على أية حال، جمع فريدمان مجندين ومتطوعين من علماء ومهندسين وخبراء كيميائيين وجغرافيين، بلغ عددهم خمسين شخصاً، إضافة إلى ثلاثين عائلة من اليهود المهاجرين، وتلقى هؤلاء المتطوعون تدريبات عسكرية في معسكرات خاصة في هنغاريا والنمسا وأشرف على تدريبهم ضابط ألماني يدعى لوثر فون سيباخ، وشخصان آخران من يهود النمسا برتبة صف (رتبة عسكرية)، حسبما روى محمود.

واشترى فريدمان يختاً تجارياً أسماه "إسرائيل" حمل عليه المتطوعين، إضافة إلى كميات كبيرة من الذخائر والمدافع كانت قد زودته بها الحكومة النمساوية، وأبحر من مرفأ ساوثهامبتون البريطاني تحت العلم النمساوي في نوفمبر 1891.

وأثناء توقفها في الإسكندرية، انضم إلى الحملة عدد من اليهود المصريين ممّن يتكلمون العربية، وقصدت الحملة بعد ذلك مكاناً يسمى "شرماء" في سيناء، حيث نُصبت الخيام في وادٍ قرب مدين.

وبحسب محمود، "بدأ رجال الحملة يتوجهون جنوباً بغية القيام باتصالات مع سكان المنطقة وإقناعهم بالتخلي عن أراضيهم مقابل حصولهم على كميات كبيرة من الأموال، واستخدامهم في ما بعد عيوناً لهم في محاولاتهم التوسعية المقبلة، بعد أن تكون الأمور قد هدأت واستقرت للمستوطنين اليهود في أرض مدين".

وبالفعل، نجح فريدمان في شراء بعض الأراضي قرب قلعة المويلح في منطقة ضباء (في محافظة تبوك السعودية)، وظل يعمل على شراء المزيد منها.

تمرد المتطوعين واعتراض الرأسماليين

غير أن فريدمان بدأ يواجه صعوبات جمة من السكان العرب "الذين لم يصدقوا ما كان يخدعهم به من أنه يريد الإقامة في جوارهم دون أن يحل بهم أذى، خصوصاً عندما شاهدوا اهتمامه بتعليم مَن معه من المهاجرين الفنون الحربية بالبنادق والمدافع والأسلحة البيضاء"، روى محمود.

وفي الوقت نفسه، بدأت الحملة تواجه معارضة شديدة من بعض كبار الرأسماليين اليهود الذين شككوا في جدواها بعد أن تبين لهم معارضة الدولة العثمانية لها، لا سيما وأن قسماً من هؤلاء كالبارون موريس دي هيرش، وهو ثري يهودي كان من أكثر المؤيدين لتوطين اليهود في فلسطين وأسس جمعية الاستيطان اليهودي في فلسطين، كانت له مصالح اقتصادية حيوية في الدولة العثمانية، ولم يكن لديه الاستعداد للمقامرة بهذه المصالح مقابل "مغامرة" غير مأمونة الجانب.

درّبوا فرقة عسكرية قوامها 300 شخص للمحافظة على الأمن والنظام وفرض الهيبة على بدو المنطقة... مشروع تأسيس مستعمرة يهودية في مدين السعودية
ارتكزت على فكرة إيجاد منطقة تجميع وتمركز لليهود ينطلقون منها نحو إقامة "دولة الرب" في أورشليم... مغامرة تأسيس مستعمرة يهودية في مدين السعودية في القرن التاسع عشر

لكن الضربة القاصمة لمغامرة فريدمان تمثلت في تمرد بعض أفراد الحملة على النظام العسكري الصارم الذي فرضه عليهم القائد العسكري فون سيباخ، إذ رفضوا قسوة الحياة في الصحراء وعدم توفر الطعام الجيد، حتى أدى الأمر بفريدمان إلى طرد المتمردين من المعسكر، فتاهوا في الصحراء ولقي بعضهم حتفه.

في تلك الأثناء، تنامت خشية الدولة العثمانية من نتائج هذه المغامرة اليهودية، خاصة في ظل دعم بريطانيا المستتر لها، وزاد من خوفها إمكانية عرقلة المستوطنين اليهود لطريق الحج.

هكذا قرر العثمانيون التدخل للقضاء على هذه المحاولة الاستيطانية بحجة أن أرض مدين لا زالت تابعة لهم (ولو من الناحية الاسمية فقط)، وأن القوانين العثمانية لا تبيح تملك الأجانب أراضي في شبه الجزيرة العربية، فأوعزت إلى واليها على الحجاز بإرسال جنوده لاحتلال قلعة المويلح وما جاورها وطرد المستوطنين اليهود من شبه الجزيرة العربية.

ووفقاً لمحمود، تقابل فريدمان مع قائد الحملة العثمانية في منطقة ضباء (بالسعودية)، ولم يستجب لطلب الانسحاب من مواقعه، وأبلغه بأن أرض مدين خاضعة للحكومة المصرية، وزعم أنه حصل على موافقتها للاستيطان فيها، وربما حصل فعلاً على هذه الموافقة، بمساعي من كرومر، بدليل وصول عدد من الجنود المصريين إلى ضباء.

لم تُنهَ المسألة عسكرياً، وقام كرومر وعدد من موظفي وزارة الخارجية البريطانية بمساع كبيرة لإقناع العثمانيين بسحب قواتهم. وأمام إصرار الدولة العثمانية على موقفها، واحتمال تفجر خلاف في منطقة الحدود الفاصلة بين مصر والممتلكات العثمانية، وازدياد معارضة السكان العرب، وتفسخ تضامن المشاركين في حملة الاستيطان، وتخلي ذوي النفوذ من الرأسماليين اليهود عن تأييدهم لها، قررت الحكومة البريطانية أن تطلب من فريدمان إنهاء مغامرته والانسحاب من مدين.

وبقيت منطقة مدين مثار خلاف بين العثمانيين والإنكليز حتى عام 1906، حينما تم فصلها عن الإدارة المصرية نهائياً وضمّها إلى الولاية العثمانية في الحجاز.

تبرؤ وإشادة

في أعقاب فشل فريدمان، ارتفعت أصوات يهودية كثيرة تدين مثل هذه المحاولات، بل وتطالب الدول الكبرى بتقديم التزامات واضحة ومحددة وعلنية في المستقبل، وعدم الاكتفاء بوعود ضمنية كتلك التي حصل عليها فريدمان من كرومر.

وفي الوقت نفسه، تبرأ بعض زعماء اليهود علناً من هذه المغامرة ومن المسؤولين عنها، فذكرت جريدة الحقيقة الناطقة بلسان يهود الإسكندرية في عددها الصادر في 5 فبراير 1892، أن فريدمان لم يكن سوى عميل ألماني "يحاول إيجاد مستعمرة على سواحل البحر الأحمر ليسهّل لها طريق الفتوحات، اقتداءً بالرحالة الذين مهدوا الطريق في إفريقيا".

ولكن جريدة المؤيد الناطقة باسم الحركة الوطنية المصرية رفضت هذا التبرير، واعتبرت أن فريدمان كان يرمي إلى تأسيس مملكة يهودية، وقالت إنه جلب معه "ثياب الملك ورسوم وألقاب الدولة"، وإنه كان يحظى بتأييد واسع لدى الأوساط اليهودية.

وظلت أصداء هذه المحاولة قائمة لسنوات تالية، فقد أشار تيودور هرتزل أثناء عقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل السويسرية عام 1897 إلى اعتقاده بأن حملة فريدمان كان من الممكن أن تنجح لو أن الحكومة الألمانية تدخلت لصالحها لدى الدولة العثمانية، إذ كانت ألمانيا في ذلك الوقت تتمتع بنفوذ يفوق النفوذ البريطاني لدى الباب العالي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard