سافري واكتشفي الحياة خارج غزة!

السبت 11 مايو 201911:36 ص

"هل تزوجتي؟"

"لا"

ردَّت عبير على رسالة قصيرة عبر "فيس بوك" من أستاذها في الجامعة، أعادت عقلها إلى المكان الذي عاشت فيه طفولتها وبدايات شبابها، القِطَاع المُحَاصر الذي تسيطر عليه حماس: غَزَّة.

لا تزال غالبية البنات في غزَّة يُربَّين بطريقة تؤهلهنّ فقط للزواج، بحسب من تحدثن معنا، وتظلّ الأفكار والتساؤلات حول الزوج المناسب، وعمر الشباب القصير هي المسيطرة على عقول معظم الفتيات.

كانت عبير أيوب، صحافية فلسطينية من قطاع غزة، على متن القطار المُتَّجه من مدينة هامبورغ الألمانية إلى ميونيخ عندما تلقَّت الرسالة، بحسب حكايتها لـ"رصيف22"، أخبرها أستاذها أنَّ لديه "صديق خلوق" يريد الزواج، ويبحث عن "بنت حلال مثلي"، وعلى الفور قام بإرسال صورته عبر "الماسنجر".

تقول عبير أيوب عن نفسها أنَّها من بين القليلات في غزة اللواتي قرَّرن مُطاردة أحلامهنَّ خارج البلاد، متجاوزات الفكرة النمطية بـ" أنَّ الحصول على زوج "لُقطة" غاية كلّ أنثى ".

"فكرة السفر لم تكن مألوفة لعائلتي، ربّما كنتُ أوَّل فتاة في كلِّ محيطي وعائلتي التي قرَّرت الخروج من بيت أهلها (ليس إلى بيت الزوجية) لكن إلى بلد آخر، رفضت عائلتي في البداية لكنها رضخت لإصراري في نهاية المطاف ".

حصلت عبير على تدريب احترافي في مجلة "دير شبيغل" الألمانية المعروفة، ثمَّ منحة دراسية في جامعة أوكسفورد في المملكة المتحدة، ثمَّ انتقلت إلى الأردن للعمل في مؤسسة إعلامية، حيث تقيم الآن.

لم تتمكَّن عبير من التخلّص من فكرة ضرورة الزواج التي تربت عليها، كانت تريد أن تضمَّ لإنجازاتها الأكاديمية والمهنية الزواج، ولكن " كانت واحدة من أكبر الصدمات التي تعرضتُ لها في حياتي، فقد كان الرجل ستيني، أرمل ولديه أطفال"، وخطر على بالها كلّ مفردات الثقافة التي نشأت عليها الخاصَّة بالزواج.

"عندما كنتُ في غزَّة كان لدي تفكير مُبسَّط حول الأمور المُتعلّقة بالجنسانية، وذلك تبعاً لما تفرضه العادات والتقاليد، السفر بمنحك الفرصة لرؤية الأمور بطريقة حُرَّة أكثر وبدون خوف من الضَّغط الاجتماعي"

في فلسطين، كثيرًا ما تسمع إحداهن توصف سيدة ما بـ"الشاطرة"، إن نجحت في تزويج بناتها قبل التخرج من الجامعة أياً كانت هذه الزيجات ناجحة أم فاشلة.

وقد ترفض بعض العائلات في قطاع غزة السماح للمرأة بالتخصص في الطب لأنّ الدراسة تستغرق عددا كبيرا من السنوات، وكذلك الحال بالنسبة للدراسة في الخارج.

لكن هناك من وجد أنّ الحياة خارج هذه القيود تستحقّ، لا يقلقهنّ الزواج أو عدمه، فأصبحن يُفضّلن مغادرة البلاد والبحث عن مستقبل آخر خارج حدود المكان، ومباشرة الحياة بشجاعة واستقلالية.

تقول عبير:" أهلي لم يقبلوا إلى حين تيقنّوا أنَّه فعلا لن أتزوج بمرور العمر، وأصبحت فُرصي في الارتباط شحيحة".

تتذكر عبير الأفكار الأولى التي راودتها قبل أن تسافر: "غادرت قطاع غزة عام 2016، قررتُ أطلع برّة ليس فقط للدراسة، ولكن أيضًا لاكتساب خبرة عملية، أكثر احترافية، بعد أن قضيت عدة سنوات من العمل في غزة وصلت إلى قناعة أنَّ هذه البقعة الجغرافية المحدودة لن تستطيع أن تضيف لك شيئًا آخر".

وتتفاخر عبير بقرارها: "فكرة السفر لم تكن معهودة لعائلتي، ربما كنت أول فتاة في كل محيطي وعائلتي التي قررت الخروج من بيت أهلها (ليس إلى بيت الزوجية) لكن إلى بلد آخر، رفضت عائلتي في البداية لكنها رضخت لإصراري في نهاية المطاف ".

"السفر تجربة تحرُّر"

تعمل روان عوني (25 عامًا)، وهي من قطاع غزة، في قسم الإعلام الرقمي في مؤسسة طبية في العاصمة البريطانية لندن، وذلك بعد أن حصلت على دراسة الماجستير في تخصص الإدارة والإعلام الدولي بجامعة "بونجور" البريطانية.

سيطرت فكرة الدراسة في الخارج على روان منذ أن أنهت دراستها في الثانوية العامة، لكن ظروفها العائلية تعقدت آنذاك. لكن الفكرة ظلت تحاصرها، وتقول: "طوال فترة دراستي الجامعية بغزة أعددت نفسي لهذه الرحلة الحتمية،كانت غزة بالنسبة لي محطة مؤقتة فقط".

وجدت روان نفسها في أوَّل اتصال مباشر مع أشخاص ذوي هوية جنسية أو دينية مختلفة من النَّادر مصادفتهم في غزّة

هي أيضًا واجهت سخرية وانتقادات الكثيرين بشأن سعيها للسفر والاستقلال في الخارج، "التعليقات دائما نفسها، بعد السفر والتعب والدراسة البنت آخرها بيت زوجها".

وتشدد روان بأسف: " المنطق السائد في غزة والدول العربية عمومًا أنَّ الفتاة مهما بلغت آخرها بيت الزوجية، لا أجد في ذلك مشكلة لكن لكل فتاة يجب أن تكون حياة أخرى، لا يجدر التعامل مع المرأة أنها ملك لزوجها فقط ".

تقول روان عن تجربتها الأولى في السفر وحدها، وتذوّق طعم الاستقلال بالذات: "هذه تجربة جميلة قوتني جداً، ساعدتني في التحرر من كثير من القيود والقوالب المجتمعية المفروضة علي كأنثى، فهنا لا مكان للعلاقات الجبرية، ولا سند لك غير نفسك".

تنفي تمام أبو سلامة وجود شبه للبلد الذي عاشت ونشأت فيه، بعد أن تنقَّلت بين أكثر من بلد، حيث أتمَّت دراسة البكالوريوس في تركيا، ثمَّ أكملت الدراسات العليا في بلجيكا، وتعمل الآن هناك.

تعتبر تمام نفسها "صبيّة بامتيازات"، بسبب عائلتها المنفتحة اجتماعياً، وقد دعمت قرارها في الاستقلال بالسفر إلى خارج غزة. لكنها تقول مع ذلك واجهت صعوبات نتيجة قرارها "فقد اكتشفتُ أنَّ هُناك مواضيع تُصنَّف باعتبارها تابوهات لا يجري الحديث عنها في غزَّة مثل التعامل ما بين الجندر المختلف".


"لا مكان في العالم يشبه غزة"

تقول تمام، وهي ناشطة في الدفاع عن حقوق المرأة: " أنا محظوظة مقارنة بوضع الصبايا في مجتمعنا، كون عائلتي داعمة لقرارتي المنفتحة فكريًا".

تفتح تجربة السفر آفاقًا للتفكير المستقل بعيدًا عن الأطر الفكرية الجاهزة للمجتمع، تقول تمام: "عندما كنت في غزة كان لدي تفكير مبسط حول ما يتعلق بالجنسانية وذلك تبعا لما تفرضه العادات والتقاليد. السفر بمنحك الفرصة لرؤية الأمور بطريقة حرة أكثر وبدون خوف من الضغط الاجتماعي"

وتشدد تمام على أن مواقفها حيال كثير من المواضيع التي تعتبر "تابوهات" في مجتمعها الفلسطيني تغيرت، وباتت أكثر تقبلا للاختلاف.

وتتابع "مثلًا لدي أصدقاء عابرين جنسياً مثل ما عندي أصدقاء هيترو ساكشوال، فليس شأني إبداء الرأي بميول كل شخص الجنسي. لكن مرات كثيرة أفكر كيف ممكن أتعامل لو كان هذا الشخص أخي؟ كيف يمكن لأهلي تقبل مثل هذه الفكرة؟ "



أما عبير والتي تعتبر نفسها "منفتحة منذ كانت بغزة"، فوجدت نفسها خارج غزة في أول اتصال مباشر مع الأشخاص الذين لديهم هوية جنسية أو دينية مختلفة، أفراد من النادر مصادفتهم في بلدها.

وتتذكر عبير موقفاً أحرجها وغيّر من تعاملها مع المختلفين عنها في النزعة الجنسية: "لمَّا كنت في أكسفورد كانت احدى رفيقات السكن مثلية، سألتني مرة إذا كنت straight أم لا؟ فأجبت تلقائياً بأني natural، فردّت انا أيضًا كذلك، فشعرتُ أني أسأتُ إليها".

وتنهي عبير كلامها عن تغيّر أصاب شخصيتها:"اكتشفت في عملي بعمَّان، وهي مدينة منفتحة مقارنة بغزَّة، كيفية مخاطبة "العابرين جنسيًا"، إذ يضعون ضمائر المخاطب المؤنثة/المذكرة بجانب أسماؤهم لتنويه المتحدث، لا تسأل الأشخاص هنا عن ديانتهم أو هويتهم الجنسية، وأحاول التعامل معهم دون تفريق على هذه الأسس".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard