في ذكرى رحيله: عبد الوهاب ووجوهه الثلاثة الجميلة... السامري، الماكر، والتاجر المحتكر

السبت 4 مايو 201902:31 م

مرض بالوسواس القهري، ولا نعلم سبب مرضه، لكننا على أي حال نشكر هذا الوسواس الذي أصابه، ليبقى متردّداً في كلّ منتجٍ فنّي، محاولاً الوصول به إلى الكمال، ربما تستغرق الأغنية سنوات من التعديل والحذف والإضافة، لأن صانعها المتردّد، الموسوس، لا يحب أن يلقى صنيعه ناقصاً.. إنه محمد عبد الوهاب.

يقبض قبضةً من أثر الرسول، رسول الموسيقى المسحور، يقتبس أحياناً، أو سمّها "يسرق" إذا أردت.

كلّ الناس عنده عامّة ودهماء ما عدا الملوك والأمراء، فكان مطربهم الأرستقراطي، كان شعاره في الحياة والفنّ "لا مساس"، تماماً كالسامري، المتفرّغ لتنشئة عجله المقدس، عجله السمين، الدالِّ على خصوبةٍ ووفرةٍ في صحّة صاحبه الموهوب في أذنيه ومشاعره وصنعته. يقبض قبضةً من أثر الرسول، رسول الموسيقى المسحور، يقتبس أحياناً، أو سمّها "يسرق" إذا أردت، يجمع ذَهَبَ القوم ليمسَّ النغمات بحذرٍ حتى لا يتساقط لحمها، يُعيد سَبْكَ معدنه مرّاتٍ ليُخرج درّةً لحنيّةً شيطانيّة، إنه موسيقي الزينة الضروريّة، يضعها بميزانٍ حسّاسٍ لئلّا يقع في فخّ المبالغة ولئلّا يسقط في الرتابة التعبيريّة، فكان يُبصر ما لم يبصره أقرانه ومنافسوه وأبناؤه الموسيقيّون المتطوّرون، فبقي أباً وجذراً ثابتاً متجاوزاً آفاقهم.


لا مانع لديه من فعل أيِّ شيء ليصل مبتغاه، غايته تستعبد الوسيلة، بشرط أن يكون مبرّره فنياً، اتبع مكر المدرسة الرمزيّة في التخفّي عن الدكتاتوريّات عبر رموزها في الكتابة المغلقة.. غيّر اسمه في مرحلةٍ مبكّرةٍ من حياته إلى "محمد البغدادي" ليتوارى عن أسرته الرافضة لانضمامه إلى عالم "المساخر المليء بالمشخصّاتيّة وأهل الهوى".. تزوّج 3 مرات، الأولى امرأة ثرية أكبر منه سنّاً، لتنتج له فيلمه الأوّل "الوردة البيضاء" واستمرّت هذه الزيجة 11 عاماً، ثم تزوّج الثانية، إقبال نصار 17 سنة، لتنجب له أبناءه الخمسة (أحمد ومحمد وعصمت وعفت وعائشة)، ثم الثالثة نهلة القدسي، سوريّة الأصل وأردنيّة الإقامة، ليختتم بها ومعها حياته، التي وصلت تسعين عاماً على الأرض، بحسب غالبية الآراء.

حتى في تحديد سنوات عمره كان "عبد الوهاب" لغزاً.

ما من دكتاتور يهزم فنّاناً حقيقيّاً

أثبت ابن حي باب الشعريّة الشعبي أنه ما دكتاتور يهزم فنّاناً حقيقيّاً مهما بلغ جبروته، فقد تلاعب موسيقار الأجيال بحاكم مصر، فاروق الأوّل، عبر أغنية "الفنّ"، فهذا المدرَّب على يد شاعر القصر، أحمد شوقي، حفظ درس النفاق جيداً كسبيلٍ وحيدٍ للإفلات من السلطة، حصل على "الباكويّة"، لقب تركي مثل "السير" في بريطانيا العظمى، مقابل أغنية لم يعد أحد يذكر منها سوى مطلعها الفنّي العبقري، حيث استشفَّ "عبد الوهاب" كراهية الملك له، نظراً للمنافسة الشديدة بينهما في استقطاب النساء..

اختفى محمد فوزي من سوق الإنتاج لصالح عبد الوهاب، هكذا خدمت ثورة يوليو الموسيقار النجم.

(نعم حكّام مصر تافهون إلى هذه الدرجة.. وربما من حظّنا أنهم كانوا تافهين لننعم بنفاقٍ تاريخي وحيلٍ وهّابيّةٍ استثنائيّة كهذه..)

طعّم الموسيقار "أغنية الباكويّة" عن الفنّ وأهله بكلمات مدحٍ فجٍّ لـ"فاروق"، فقد فطن إلى أن السياسيين وأهل الحكم الأوغاد، يأكلون أكباد الفنانين أحياء ويرمونهم عظاماً نَخِرَة- سيرة محمد فوزي وإسماعيل يس ليست ببعيدة- وحدهم الماكرون يفلتون من المقصلة -سيرة أم كلثوم وعبدالحليم وآخرين تروي لنا الكثير من دروس الميكافيليّة (توظيف المكر والازدواجيّة والخداع في الكفاءة السياسيّة أو في السلوك العام) ومحترفيها.

ظنّ الملك أنه الحاكم بأمره في مصر، لكن "المنافق المبتكر" - والمنافق هنا ليست سُبّة وإنما واقعيّة سحريّة - تمكّن من صنعِ لحنٍ ابتزَّ به مشاعر الحاكم المراهق، بكلماتٍ لا تُسمن ولا تُغني من جوع، تقول:

"والفنّ مين يعرفه إلا اللي عاش في حماه... والفنّ مين يوصفه إلا اللي هام في سماه

والفنّ مين أنصفه غير كلمة من مولاه... والفن مين شرّفه غير الفاروق ورعاه"

لتبقى مقدّمة الأغنية علامةً على خلود "عبد الوهاب" وفنّه، ويفنى نفاقه وباكويّته، وتتحوّل المقدّمة الموسيقيّة للأغنية ومطلعها إلى متحدّثٍ رسميٍّ باسم الفنّ وأهله:

"الدنيا ليل والنجوم طالعة تنوّرها.. نجوم تغير النجوم من حسن منظرها

ياللي بدعتوا الفنون وبإيدكو أسرارها.. دنيا الفنون دي خميلة وانتو أزهارها

والفن لحن الخلود يلعب بأوتارها.. والفن دنيا جميلة وانتو أنوارها."


وُلد محظوظاً باستضافة أمير الشعراء

وُلد "عبد الوهاب" بصوتٍ عذبٍ ومزامير داووديّة تخطف من الغرب أحلى ما فيه من جواهر السيمفونيّات، وُلد محظوظاً بالشاعر الكبير، أحمد شوقي، الذي استضافه في بيته وثقافته الموسوعيّة المنفتحة على ثقافات أكثر عمقاً وثراءً، فقد أهّله الشاعر الكبير ليكون معجزةً موسيقيّةً وورقةً رابحةً تمسح جميع الموهوبين في بدايات عصر الأسطوانات بالضربة القاضية.

أدار عبد الوهاب شركته "صوت الفنّ"، بمهارةٍ مثلما أدار صوته وجنونه الموسيقي بعبقريّة.

ولعلّ "شوقي" كان هو الآخر من الماكرين المحتكرين المَهَرَة، فقد أراد أن يصنع فارساً يحارب عنه فيما تبقى من الزمن، وقد كان، فقد أوصى أمير الشعر الحديث خادمَه وهو يموت، بأن يبلغ عبد الوهاب أن يراعي قصائده ويغنّيها، فضمن "شوقي" لنفسه بهذا قيثارةً تصدح باسمه وكلماته على طول الزمان.

اختفى محمد فوزي من سوق الإنتاج لصالح عبد الوهاب، هكذا خدمت ثورة يوليو الموسيقار النجم، الذي يُجيد التعامل مع السلطة، أما الموسيقار المخلص، فوزي، فقد أكلته الثورة ورجالها لأنه لم يكن يجيد اللعبة.

الناس عنده عامّة ودهماء ما عدا الملوك والأمراء، فكان مطربهم الأرستقراطي، وشعاره في الحياة والفنّ "لا مساس"، تماماً كالسامري، المتفرّغ لتنشئة عجله المقدس، الدالِّ على خصوبةٍ ووفرةٍ في صحّة صاحبه الموهوب.

أثبت أن ما من دكتاتور يهزم فنّاناً حقيقيّاً مهما بلغ جبروته، فقد تلاعب عبد الوهاب بحاكم مصر، فاروق الأوّل، عبر أغنية "الفنّ"، فهذا المدرَّب على يد شاعر القصر، أحمد شوقي، حفظ درس النفاق جيداً كسبيلٍ وحيدٍ للإفلات من السلطة.

احتكر دماغ عبد الحليم، فقد وقّع عقداً لامتلاك العندليب من أوّل نظرةٍ له في جلسة اختباره بالإذاعة المصريّة، لكن المُحتكر ترك عبد الحليم للسوق يجرّبه ويختبره، ثمّ يتلقّفه هو، فيما بعد، نجماً.

احتكار دماغ عبد الحليم

تراجع عبد الوهاب خطوةً إلى الخلف وقت ظهور عبد الحليم حافظ ورفاقه، لا بدَّ أن يخفض الثعلب رأسه للموجة الجديدة، ليبقى وراءها ملحناً فذّاً ومحرّكاً لها من وراء ستار. احتكر دماغ عبد الحليم قبل اختراع فكرة الاحتكار الفنّي في مصر أصلاً، فقد وقّع عقداً لامتلاك العندليب من أوّل نظرةٍ له في جلسة اختباره بالإذاعة المصريّة، لكن المُحتكر ترك عبد الحليم للسوق يجرّبه ويختبره، ثمّ يتلقّفه هو، فيما بعد، نجماً، لم يبذل جهداً في تلميعه، بل لمّعه له الآخرون فتسلّمه على الجاهز.

تجارة رابحة وتاجر فذّ

أدار عبد الوهاب شركته "صوت الفنّ"، بمهارةٍ مثلما أدار صوته وجنونه الموسيقي بعبقريّة، في زمن لم يكن يعرف شيئاً عن علم الإدارة، وربما كان هذا هو سرّ عقلانيّة ألحانه، بعكس عفويّة وفطرة سلفه، "سيد درويش"، فهو ينمّق ويزيّن أغنياته، هنا يرشُّ نجمة، وهناك يضع حجراً كريماً، كامرأةٍ تعرف ما يأسر ألباب الرجال، وكتاجرٍ موهوبٍ في فَهْمِ السوق والذوق، ليتمكّن من صنع مواءمةٍ شبه مستحيلةٍ بين ما يروج وما يبقى.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard