بين العصرية الغربية والتاريخ العريق.. آذربيجان، أرض النار والماء!

الخميس 9 مايو 201903:23 م

الشمس ساطعة في آذربيجان، لكنها لا تبدو بالحدّة التي تمنع التجوال خلال ساعات النهار في العاصمة "باكو"، لكن ليس بسبب الشمس حصلت آذربيجان على اسمها، الذي يتكون من كلمتين "آذر" وتعني النار في اللغة الفارسية، و"بيكان"، أي أرض.

إنها أرض النار إذن إحدى بلدان القوقاز، التي تقع على مفترق طرق بين أوروبا وآسيا، ويحتاج الوصول إليها من القاهرة، التوقف للترانزيت في إسطنبول أو في "كييف"، بسبب عدم وجود طيران مباشر إليها.

آذربيجان إحدى البلدان التي تقع على طريق الحرير، وجارة لدول فاعلة ومؤثرة هي: روسيا، تركيا، وإيران؛ مرّت على أرضها ثقافات كثيرة وحضارات متنوعة شكّلت ثراءً تاريخياً وجغرافياً يمتدّ لزمن موغل في القدم على امتداد ساحل بحر قزوين؛ فقد تعاقب على حكم آذربيجان سلالاتٌ متعددة الأعراق من الساسانيين والبيزنطين، والعرب المسلمين، بداية من القرن السابع الميلادي.

الرحلة إليها جاءت بعد إلحاح من شخصية "آني" التي أكتبها في رواية أعمل عليها. "آني" المرأة الأرمنية التي فتحتْ في داخلي بوابة كبيرة للدخول إلى هذا البلد ومحاولة اكتشاف أسراره.

* * *

يمكن القول إن مدينة باكو مدينة حيوية جدّاً ومتنوعة في تراثها الحضاري والتاريخي والجغرافي، لكنها توحي بأنها مدينة تخبئ في داخلها مدينة أخرى؛ من الخارج تتمتّع بمزيج من نمط الحياة العصرية الغربية، وفي القلب ثمة أصالة ماضٍ تاريخيّ عريق، إلى جانب التجاور مع الريف الذي يتّضح حضوره في الطبيعة الخلابة المحيطة بالعاصمة، والتي تصبح أكثر حضوراً كلّما ابتعدتَ عن باكو. 

تتجاور آذربيجان مع روسيا وتركيا وإيران، وفي هذا البلد يمكنك أن ترى النفط متدفّقاً على سطح الأرض في أحد الحقول على أطراف العاصمة، إنها البلد الذي قال عنه لينين: "لا غنى لنا عن نفط باكو!".

لا يمكن زيارة باكو من دون التوقف طويلاً عند "متحف حيدر عليف" الذي نالت المعمارية العراقية الراحلة زها حديد جائزة متحف لندن على تصميمها له.

يعتبر الآذريون أن حدود بلدهم مع ثلاث قوى عظمى يجعله معرّضاً دوماً للخطر، مع الملاحظة أن الاتجاه الثقافي والسياسي يتّجه نحو روسيا، بينما الاتجاه الاجتماعيّ يميل لتركيا أكثر.

معبد النار ومسجد بيبي هيبات

انتقلت عبادة النار إلى آذربيجان -كما أوضحت الدليلة السياحية- عبر بلاد فارس، حيث وصلت الديانة الزرادشتية إليها، ثم الهندوسية، لذا داخل المعبد نجد مجسّماً ذهبياً صغيراً للإله كريشنا.

المعبد مبنيّ من حجر قديم على شكل حرف (U)، وفي وسطه هناك نار مشتعلة في مكان يشبه البئر يمثّل الطقوس القديمة، حيث يتمّ إطعام النار بالفاكهة والثمار استرضاء لها. داخل بعض غرف المعبد توجد مجسمات بشرية عليها أزياء تقترب من الزيّ الهندي، جميعها تُقدّم رموزاً لتلك الديانة، فالنار وفق المعتقدات القديمة تحمل في داخلها كلا الوجهين: النور، والاحتراق.



بعد العودة من "معبد النار" توقّفنا عند مسجد "بيبي هيبات"، وهو أحد أبرز مساجد مدينة باكو؛ شُيِّد البناء الأصليّ خلال القرن الثالث عشر على يدِ شيروان شاه فَرُّخ زاده الثاني، أمَّا المبنى الحالي فقد أُنشئَ خلال عقد التسعينيَّات من القرن العشرين، بعد أن قام الروس بهدم البناء الأصلي في سنة 1936م.

يُعرف هذا المسجد محلّيّاً باسم "مسجد فاطمة"، ويُشاع أنَّ إحدى بنات الإمام موسى الكاظم مدفونة فيه، وبناءً على هذا يُشكّلُ المسجد مزارًا للكثير من المسلمين الشيعة وبعض السنَّة في أذربيجان، الذين يقصدون القبر للتبرّك والدعاء.

ويضمّ المسجد ثلاث قباب ومئذنتيْن، وقد تشابهتْ ساحته الخارجية مع ساحة المسجد الأقصى حيث الساحات الواسعة والأحجار الرائعة والأسوار المنقوشة بالخطّ العربي. وقامت المئذنتان على قواعد مُتداخلة مع البناء، ورغم انتمائهما للطّراز الفارسيّ إلا أنهما خاليتانِ من الزخارف التي ميَّزت المآذن الفارسية، وبسبب مكانة هذا المسجد يأتي العديد من الأزواج في مدينة باكو لعقد قرانهم فيه.

ويعتبر الشاي على أنواعه المشروب الأكثر شعبية في آذَربيجان، فلا يوجد إقبال كبير على احتساء القهوة، كما لا يُلاحظ وجود المقاهي بكثرة، وبدلاً منها هناك مطاعم صغيرة.

وعلى شاطئ بحر قزوين في الجزء الحديث من المدينة، يمتدّ متنزه "البوليفار" الذي يتضمّن متنزهات وحدائق، مقاهيَ، مطاعم، أماكن شاسعة للمشي أو لركوب الدراجة، وفي مقابل "البوليفار"، توجد فنادق فخمة تغلب عليها طراز العمارة الروسية، إلى جانب بعض المباني القليلة من الطراز الأوروبيّ الباريسي تحديداً.


بعد نهاية الكورنيش يقع قصر "شيروان شاه"، أي قصر الحاكم شيروان، وهو عبارة عن مبنى أثريّ ضخم يُعتبر جزءاً من "باكو" القديمة. هناك يعرض الباعة بضائعهم من المشغولات اليدوية والسجّاد، والأواني الخزفية، وغيرها من مجسّمات المنحوتات الآذرية التي تجذب السيّاح.

متحف حيدر عليف

لا يمكن زيارة باكو من دون التوقف طويلاً عند "متحف حيدر عليف" الذي نالت المعمارية العراقية الراحلة زها حديد في عام 2014، جائزة متحف لندن على تصميمها له. ويُعتبر من ضمن أهمّ المراكز الثقافية والمعالم السياحية في مدينة باكو. بناء معماري مذهل يشبه تدرّج موج البحر مع قمّة سامقة تلتقي بالأرض، بناء بلا جدران بل بأشكال هندسية شبه بيضاوية تتداخل فيما بينها، لتعطيه فرادة لا تتوفّر في بناء آخر.


يُعتبر المتحف صرحاً ثقافياً ممتدّاً على مساحة شاسعة ومتدرّجة تصل إلى 100 ألف متر مربع، وسط تلالٍ تحتوي على متنزهات للناس، كما يوجد على جدرانه الخارجية شلالٌ صناعيّ متدفق يعطي نوعاً من السكينة للزائرين.

افتتح هذا المتحف عام 2012، وقد أدخلت زها حديد في تصميمها الخارجي للمتحف توقيع رئيس آذربيجان السابق الذي حمل اسمه.

النموذج الآذَري الديني

بعد استقلالها عن الاتحاد السوفيتي عام 1991، ورغم اعتبارها دولة إسلامية، إلا أنه يمكن اعتبار النموذج الآذريّ الديني، يستحق التوقف كثيراً للتأمل في تجربة التعايش المشترك، حيث يعيش في آذربيجان المسلمون من شيعة وسنة -هم الأغلبية من السكان- مع غيرهم من اليهود والأرمن من أتباع الكنيسة الرسولية، والأرثوذكسية، بالإضافة لوجود أديان أخرى، مثل الزرادشتية التي وصلت إلى هذا البلد عن طريق إيران. الدستور الرسمي يقول إن البلد علمانيّ، ولعل هذا التصنيف يُعتبر أقرب للواقع مع ملاحظة التنوع المبهج في الثقافات الذي يتّضح في حرية اجتماعية ملموسة يمكن ملاحظتها في أزياء النساء وتحرّرهن الفعليّ الخالي من الافتعال.

المائدة الآذرية

يتشابه الطعام الآذَري كثيراً مع الطعام التركي، حيث الكباب والمشويات والدولمة على أنواعها تحتلّ مكانة رئيسية في المائدة الآذرية؛ بالإضافة إلى حساء العدس الأصفر والخضار المطبوخة مع مرق اللّحم بجانب الأرز ذي الحبة الطويلة، حيث تقدّم منه وجبة تدعى "أرز الملوك"، وهي عبارة عن رقائق عجينة الكلاج التي يتمّ حشوها بالأرز واللحم والمكسرات وتقديمها على شكل قالب مرتفع يشبه الطربوش.



ويعتبر الشاي على أنواعه المشروب الأكثر شعبية في آذَربيجان، فلا يوجد إقبال كبير على احتساء القهوة، كما لا يُلاحظ وجود المقاهي بكثرة، وبدلاً منها هناك مطاعم صغيرة تقدّم الدونر (الشاورما)، وأنواعاً أخرى من السندويشات مثل شيش طاووق، والكباب، والبطاطس. الملاحظ أيضاً تنوع وجبة الفطور الصباحية بعدّة أنواع من الجبنة والقشطة والعسل والمربيات على أنواعها.



البحث عن مكتبات

بدأت رحلة البحث عن مكتبة للحصول على مؤلّفات للكُتّاب الآذريين من شارع "28 مايو" بعد نصيحة مسيو ميخائيل، صاحب المطعم الذي كنّا نرتاده بشكلٍ شبه يوميّ، حيث نشتري السمك من "يشال بازار"، ونتّجه إلى مطعم السيد ميخائيل، "كباب إيليت"، حيث يشوي لنا ميخائيل السمكَ ويقدّمه مع السلطة الخضراء والخضار المشوية، كما نصحَني بالسّير حتى محطة مترو "28 مايو" والسؤال هناك عن "شيتاب خان"، أي متجر الكتب، وهذا ما كان.

الدستور الرسمي يقول إن البلد علمانيّ، ولعل هذا التصنيف يُعتبر أقرب للواقع مع ملاحظة التنوع المبهج في الثقافات الذي يتّضح في حرية اجتماعية ملموسة.

لكن محاولة العثور على مؤلفات للكتّاب الآذريين باللغة الإنكليزية، لم يكن يسيراً أبداً، فكلُّ بائعِ كتبٍ كان يزوّدني برواية "علي ونينو" التي تمّت ترجمتها إلى اللغة العربية، وقرأتُها منذ عدّة أعوام، وبعد شروحات طويلة تتمّ الإشارة إلى مؤلفات خالد حسيني وإليف شفق.

لم يسفر البحث سوى عن العثور على كتاب مختاراتٍ للكاتبة الآذرية "سارة أوجاز نازيروفا"، وتضمّن ثلاث روايات، ومجموعةً من القصص والمسرحيات، وسيناريو فيلم. ولم أجد أيَّ كتب أدبية أخرى مترجمة من الآذرية إلى الإنكليزية لمؤلّفين آخرين، ممّا كشف لي أن حركة الترجمة من الآذرية إلى الأنكليزية ضعيفة جدّاً.

ومن خلال شبكة الإنترنت، تواصلتُ مع كاميلا رازيفا التي قرأتُ لها عدّة تقارير بالإنكليزية في موقع "رؤى آذَربيجان"، وقد أخبرتني أنها مهتمّة بالتعريف بالأدب الآذريّ الحديث، وبالكتّاب الشباب، وأحالتْني إلى عدّة وصلات لمقالات أخرى.

تناولتْ كاميلا عدّة أعمال أدبية لكاتبات آذريّات هن: نيجار غوليفا، سيالي بهار، ونارمينا ماميد زاده. التقارير التي أعدّتها كاميلا تدمج بين تقنيّتيْ الحوار والنقد الأدبي، بحيث تقدّم عرضاً دقيقاً للرواية ومؤلفتها. ومن خلال المراسلات مع كاميلا، عرفتُ أنّ هؤلاء الكاتبات لم تترجَم أعمالهنّ إلى الإنكليزية، بل إن رواية نيجار غوليفا، "في عناق الكذبة"، تُرجمت إلى الروسية.

أما نارمينا ماميد زاده وهي كاتبة وشاعرة، وعضو في اتّحاد كتّاب آذربيجان، فقد صدر لها أربع روايات من ضمنهن روايتها الأخيرة، "اللعبة السابعة"، التي حقّقت لها تواجداً أدبياً ملحوظاً. أما سيالي بهار، فتمتاز كتابتُها بحضور تيار الوعي، ونقدها لقضايا اجتماعية حسّاسة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard