المواقع المحجوبة في مصر... أرقام وقصص عن قمع حرية الصحافة

الجمعة 3 مايو 201907:45 م

بعد ست سنوات من العمل في العديد من المؤسسات الصحافية، جاء حجب موقع "البداية" لينهي أحلام الصحافي المصري الشاب أحمد عبده.

عبده الذي عمل صحافياً منذ عام 2011 في مواقع البديل، الوادي، الكرامة، ثم بوابة يناير (مواقع مصرية)، وأخيراً موقع البداية الذي حُجب في يونيو 2017، قرر البحث عن مهنة جديدة غير الصحافة بعد أن توقف الموقع المحجوب عن العمل تماماً في 31 ديسمبر من العام ذاته

وكانت السلطات المصرية قد جرّبت فكرة الحجب عام 2015، مرة واحدة (موقع العربي الجديد)، ثم أخذت تتوسّع فيها عام 2017، في إطار سعيها إلى كم الأفواه، وطال الأمر رصيف22 في السادس من سبتمبر 2018.

ومن بين مئات المواقع التي حجبتها، هناك 103 مواقع صحافية، وخمسة مواقع تابعة لقنوات تلفزيونية، عدا عشرات المواقع التقنية والخدمية التي تساعد في تجاوز الحجب.

يقول أحمد عبده: "بسبب الظروف الاقتصادية وتأثر موقع البداية بقرار الحجب، كان من الصعب الاستمرار". اضطر للبحث عن وظيفة أخرى، وبعد بحث طويل عن "مصدر دخل ثابت بعض الشيء" وجد عملاً في مكتب محاماة.

في عمله الجديد، يكتب الصحافي الشاب مذكرات القضايا، ويرفض حالياً العمل مجدداً في الصحافة لأنها "عُرضة للحجب والمصادرة". ويقول: "لدي أشقاء في مراحل تعليمية مختلفة، وفقدت أمي وأبي في أقل من عام. الضغوط كبيرة وزادت بعد الحجب والمصادرة، وكان من اللازم إيجاد بديل".

بين عامي 2015 و2019، حجبت السلطات المصرية 513 موقعاً إلكترونياً، ضمت مواقع بروكسي لكسر الحجب (235)، ومواقع VPN لكسر الحجب (95)، ومواقع صحافية أو تابعة لقنوات تلفزيونية (108)، ومواقع حقوقية (12)، ومجلات فكرية (2)، ومواقع حركات سياسية (6) ومدونات (9)...

من أصل المواقع الإعلامية المحجوبة الـ108، توزع 102 موقعاً على 10 دول، فيما هناك 6 مواقع مجهولة جنسيتها، و5 مواقع جنسيتها مشتركة اثنان بين مصر وقطر واثنان بين مصر وفلسطين وواحد بين مصر وتركيا.

الأقصر عمراً في الفضاء الإلكتروني

من بين المواقع الصحافية المحجوبة مواقع لم تكمل شهراً واحداً في الفضاء الإلكتروني، بل أحدها لم يكمل يوماً، وهو موقع "كاتب" الذي تم حجبه بعد 9 ساعات فقط من إطلاقه.

خلال تجربتها الصحافية التي امتدت على 15 عاماً، عملت إيمان عوف في العديد من المواقع والصحف المصرية والعربية، آخرها موقع "كاتب" الذي تعرّض للحجب في 24 يونيو 2018، وتوقف عن العمل بعد ذلك بحوالي أربعة أشهر فقط، في الخامس من نوفمبر.

"لدي طفلان في مراحل دراسية مختلفة، وأبحث عن مستقبل أفضل لهما، وحياة اقتصادية واجتماعية هادئة ومستقرة، ولكن قرار الحجب جاء لينسف كل هذه المحاولات".

"لديّ طفلان، وأبحث عن مستقبل أفضل لهما، وحياة اقتصادية واجتماعية هادئة ومستقرة، ولكن قرار الحجب جاء لينسف كل هذه المحاولات"... وراء قرارات حجب المواقع الصحافية في مصر قصص إنسانية كثيرة
بدأت السلطات المصرية بتطبيق فكرة حجب المواقع الإلكترونية عام 2015، عندما حجبت موقعاً واحداً، ولكن عام 2017 أخذت تتوسّع في سياسة كم الأفواه، وطال الأمر رصيف22 في السادس من سبتمبر 2018

كان العمل في موقع "كاتب" يوفّر مصدر دخل عوف الوحيد، بعد استقالتها من جريدة "المال" الاقتصادية المصرية. "ما زلت في عملية البحث عن عمل جيّد يوفّر لي حداً أدنى من مستوى معيشي يناسب أطفالي ويناسبني. أحياناً أتجه نحو العمل غير المنتظم بالقطعة (فريلانسر) ولكن في النهاية لن يكون هذا كافياً"، تقول عوف.

بعد "كاتب"، تأتي المواقع التالية على قائمة أقصر المواقع عمراً في فضاء المصريين الإلكتروني:

الصحافية منى سليم، رئيسة التحرير التنفيذية لموقع "مدد" الذي حُجب بعد 31 يوماً من إطلاقه، تقول إن الموقع تفاعل مع قضية "تنازل" الحكومة المصرية عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وتعرّض للحجب في 17 يونيو 2017، الذي كان تاريخاً دعت بعض القوى السياسية للتظاهر فيه دفاعاً عن "مصرية الجزيرتين".

توقف موقع "مدد" عن العمل تماماً في 16 مايو 2018، وتقول سليم لرصيف22: "اكتفينا كفريق عمل بالتراكم المحدود الذي استطعنا تحقيقه خلال سنة في ظل ضيق الإمكانات من ناحية وظروف الحجب الخانقة من ناحية أخرى".

وتضيف الصحافية التي كانت تطمح إلى تقديم صحافة مختلفة وحرة: "العمل تحت الحجب خانق على كل المستويات المهنية والتقنية، ويقتل الحماس وينهي أيّ فرص حقيقية للتطوير ولتحقيق المشروع الإعلامي نجاحاً مادياً يساعده على الاستمرار".

بعض المواقع المحجوبة كانت متاحة للمصريين لوقت طويل، وهذه أكبرها عمراً في الفضاء الإلكتروني المصري:

كم عاماً من العمل الصحافي محجوبة عن المصريين؟

يزيد مجموع السنوات التي نُشرت خلالها مواد صحافية في مختلف المواقع الإلكترونية الصحافية والتابعة لقنوات تلفزيونية محجوبة في مصر عن 500 سنة من العمل الصحافي، ويصل إلى نحو 200 ألف يوم.

ومن أصل 108 مواقع صحافية حُجبت في مصر، لا يزال 80 منها يعمل، فيما توقف عن العمل 28 موقعاً، بينها ثمانية مواقع انتهت صلاحية الدومين الخاص بها، ومنها ما تم بيعه لشركات أخرى كموقع جريدة الجسر الذي أصبح رابطه ملكاً لشركة تبيع الملابس والأحذية.

وفي 7 مواقع فقط (25%) من أصل 28 موقعاً توقف عن العمل، كان يعمل 240 شخصاً، موزعين على النحو التالي: البداية (14)، كاتب (10)، مدد (10)، مصريات (11)، بوابة يناير (25)، كورابيا (100)، والبديل (70).

تخصص وارتباط

يتبع موقع "كاتب" لمنظمة حقوقية هي الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، وتوقف عن العمل بعد حجبه.

وهناك موقعان من المواقع الصحافية المحجوبة يتبعان لأحزاب سياسية مصرية الأول هو موقع "الشعب" التابع لحزب الاستقلال (الشعب سابقاً)، والثاني "الحرية والعدالة" التابع لحزب الحرية والعدالة المنحل، الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، التي تتبعها بشكل غير رسمي مواقع أخرى صحافية لعل أبرزها المواقع التي تحمل اسم المحافظات كالغربية أون لاين، والشرقية أون لاين، فضلاً عن أمل الأمة (صوت إخوان الإسكندرية)، ونافذة مصر.

حجب صادر عن جهة غير معلومة

الجهات التي لها الحق في الحجب في مصر هي جهات التحقيق في القضايا (بموجب قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات والإنترنت)، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (بموجب قانون تنظيم الصحافة والإعلام)، والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات (بعد طلب من النائب العام)، ولجنة حصر أموال الإخوان (بعد مخاطبة وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بوجود قرار أو حكم محكمة).

لا تعرف المواقع المحجوبة مَن هي الجهة التي قامت بحجبها ولا يوجد طريق واضح للاعتراض على قرارات الحجب.

وحتى ما يخرج من معلومات منقولة عن مصادر مجهّلة لا يوضح بدقة أسباب الحجب، ويبقى الجميع أمام تهم مطاطة مثل دعم الإرهاب ونشر أخبار كاذبة.

وصدر في مارس الماضي قرار من المجلس الأعلى للإعلام حجب موقع صحيفة "المشهد" لمدة ستة أشهر، وتغريمها 50 ألف جنيه، وهو الموقع الوحيد الصادر حجبه المجلس المذكور.

ثلاثة مواقع فقط رُفع عنها الحجب هي: القاهرة 24، في الفن، صوت الأمة، ومن غير المعروف كيف عادت هذه المواقع من جديد، باستثناء الموقع الأخير الذي انتقلت ملكيته إلى شركة "إعلام المصريين" الموالية للنظام.

وكان موقع "في الفن" قد تعرّض للحجب بعد أن نشر خبراً في 19 مارس 2018 عن اعتداء تركي آل شيخ، رئيس هيئة الترفيه في المملكة العربية السعودية، على الفنانة المصرية آمال ماهر، وحذف الموقع الخبر، وعاد إلى العمل بعد يومين.

المصادر:

اعتمد هذا التقرير على المعطيات التي رصدتها مؤسسة حرية الفكر والتعبير، ولكن أُجري تحليل خاص للمعلومات أفضى إلى استخراج الأرقام كما وردت فيه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard