من الغربة إلى ساحات التظاهر... سودانيون عادوا ليشاركوا في الثورة

السبت 4 مايو 201904:53 م

استعاد السودانيون عبر ثورتهم التي انطلقت في 19 ديسمبر الماضي وطنهم من يد عمر البشير الذي حكمهم طيلة 30 عاماً، واستعادوا عزمهم على مجابهة العسكر والطغاة، وآمالهم في بناء وطنٍ يقوم على الحرية التي كثيراً ما تاقوا إليها.

في أشهر الثورة الخمسة، نزل إلى الساحات شباب قضوا عمرهم وهم لا يعرفون إلا البشير في الحكم، واكتووا بسياسات النظام السابق الذي تفنن في ترويعهم بالانتهاكات والقوانين التمييزية.

استعاد السودانيون بلدهم من البشير ونظامه الذي حملهم على مغادرة أوطانهم. وفي هذه الأجواء التي تعجّ بالحماسة وبالأمل، قرر سودانيون كثيرون العودة إلى وطنهم والمشاركة في حلم التغيير، مخاطرين بحياتهم.

الطبيبة الثائرة

خلعت الناشطة النسوية غسق أبو زيد رداءها الأبيض الذي ترتديه في أحد مستشفيات السعودية، وقررت التوجه إلى اعتصام القيادة العامة لتداوي جراحات بلدها، ولعلاج المصابين والمرضى المعتصمين بعشرات الآلاف منذ السادس من أبريل الماضي لتحقيق تغيير ينشدونه، وللدفاع عن ثورتهم وحمايتها من مطامع العسكر وفلول النظام.

تروي أبو زيد، 34 عاماً، لرصيف22 أنها قررت النزول إلى السودان، بعد أربعة أيام على بدء الاعتصام في ساحة القيادة العامة، وقبل يومٍ واحد من الإطاحة بالبشير، وتقول إنها كانت مقتنعة بأن الرئيس المخلوع المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية لا يتوانى عن إضافة شهداء جدد على الشهداء الـ53 الذين سقطوا في الثورة، للحفاظ على كرسيه.

ما دفع أبو زيد للمشاركة في الاعتصام هو رغبتها في المشاركة في لحظة مفصلية من عمر بلدها، ولتكون ضمن ملايين السودانيين الذين تقاطروا على محيط مقرّ قيادة الجيش لإجبار البشير على التنحي، وتقول إنها أرادت أن تكون "ولو مجرد قطرة في بحر المشاركين".

تروي الطبيبة الشابة أنها وصلت إلى السودان وفي داخلها مزيج من المشاعر المختلطة: "فرحٌ وخوف، أملٌ وتوجس، حبٌ للثوار وكراهية للبشير الذي يريد البقاء في الحكم مهما كان الثمن".

وفور وصولها، توجهت إلى الميدان مباشرة، وظلت تعمل في عيادات الاعتصام طوال أسبوعين، قبل أن تعود إلى السعودية بعدما اطمأنت على أن أبواب المستقبل انفتحت أمام بلدها.

مشاركة واثقة

يبدأ الناشط السياسي والقيادي الشاب في التجمع الاتحادي المعارض (أحد الفصائل الرئيسة في قوى الثورة)، الواثق طه، حديثه لرصيف22 بالتأكيد على دور المغتربين السودانيين في صناعة التغيير.

يقول إنهم دعموا الثورة بالمال وبالتبرع لعلاج الجرحى والمصابين، وبالمسيرات والمواكب التي سيّروها في الخارج، وبرفع المذكرات للجهات الدولية "لتعرية نظام البشير الذي يقتل المتظاهرين بدمٍ بارد ويعتقل آلاف الشباب والشابات في أماكن سيئة السمعة".

بعد يومين من وصول المعتصمين إلى محيط القيادة العامة، حسم مهندس الكهرباء البالغ من العمر 35 عاماً أمر مشاركته في الحراك وأخذ إجازة من عمله في دولة الإمارات ليزور بلده بعد أن فشل في ذلك طيلة أسابيع، وليلحق بـ"شرف التغيير"، كما يقول.

من مطار الخرطوم، توجّه مباشرةً حاملاً حقيبته إلى مقر الاعتصام، وبقي هناك ليشهد "فرحة الإطاحة بالبشير وبخلفه عوض بن عوف".

يروي الواثق أنه عجز عن ممارسة الحياة باعتيادية وهو يعلم أن النظام يبطش بأبناء وطنه الذين يجابهون كل هذا الصلف بسلمية نادرة وصدورٍ عارية.

وشأن كثيرين، شجعه الاعتصام على الإصرار على أخذ عطلة قصيرة للمشاركة في ما أسماه "المعركة الأخيرة ضد النظام، والتي تحتاج إلى تضافر جهود الجميع".

خلال فترة وجوده في مقر الاعتصام، شارك الواثق في كل الفعاليات تقريباً. شارك في مهمات التنظيم وفي صك الشعارات... وكان ضمن الحاضرين للحيلولة دون محاولات تفريق مليشيات البشير لجموع المعتصمين بشتى السبل بما فيها أعمال القنص.

يصف شعور المشاركة التي استمرت ثمانية أيام بأنه "فوق الوصف بالكلمات"، لا سيما أنه رأى بنفسه عزيمة الشباب على إحداث التغيير.

احتقب واثق امتعته وكله ثقة في أن الشباب السودانيين قادرون على إكمال حلقات النصر بتكوين حكومة مدنية تمتلك القدرة على إدارة البلاد ووضعها على سلم الدول الناهضة.

أكثر من مشاركة

دور اختصاصية التغذية العاملة في أحد مكاتب الاستشارات الصحية في السعودية، إسلام ميرغني، كان أكثر فاعليةً. كانت ضمن أولى المجموعات التي دخلت إلى محيط القيادة العامة في السادس من أبريل، رغم القمع الشديد.

كانت هذه المجموعات معرّضة لأن تُباد بحال وصلت تعليمات إلى رجال الأمن المتشنجين وقتذاك بإبعاد المتظاهرين عن محيط القيادة مهما كلف الثمن، ولكن تأخر وصول القرار، واتضح لاحقاً وجود خلاف حول طريقة التعاطي الأمني مع موكب القيادة العامة، فتزايدت أعداد المعتصمين إلى أن وصلت إلى مئات الآلاف، ما وفّر حماية للثوار.

استعاد السودانيون بلدهم من النظام الذي حملهم على مغادرة أوطانهم. وفي هذه الأجواء التي تعجّ بالأمل، قرر كثيرون العودة إلى وطنهم والمشاركة في حلم التغيير، مخاطرين بحياتهم
عادت إسلام ميرغني من السعودية إلى السودان، لتكون ضمن أولى المجموعات التي دخلت إلى محيط القيادة العامة في السادس من أبريل، ولا تزال إلى اليوم في الميدان، وتقول: "لو كان في مقدوري لأتيت بكل الطيور المهاجرة"

تقول إسلام لرصيف22 إن إحساسها بالواجب الوطني دفعها لتقرر الحضور والمشاركة في موكب السادس من أبريل المنادي برحيل البشير، بالتزامن مع ذكرى الإطاحة بالجنرال جعفر النميري في انتفاضة شعبية خلال عام 1985.

وشاركت إسلام في الموكب المتجه إلى مقر قيادة الجيش في مدينة الأبيض، غربي السودان، بعد أيام من "ملحمة القيادة العامة" في الخرطوم.

تقول إنها بهذه المشاركات أرضت ضميرها بالمساهمة في لحظة تمخّض الثورة، معربةً عن أملها في "أن تشب الثورة وتأخذ السودانيين إلى مكانٍ عليّ بين الأمم".

الآن، تقود "قوى إعلان الحرية والتغيير" معركة مفاوضات قاسية مع المجلس العسكري لترتيب المرحلة الانتقالية، وتقاوم إصرار المجلس المذكور على أن تكون الغلبة لعناصره في مجلس السيادة، مطالبةً بأن تكون الأغلبية من المكوّن المدني.

لا تزال إسلام إلى اليوم في الميدان، ولا يزال إحساس السعادة ملازماً لها وهي توزّع الهتافات وقوارير المياه على جموع المعتصمين، وتقول: "لو كان في مقدوري لأتت بكل الطيور المهاجرة إلى أمام بوابة القوات الجوية في القيادة العامة".

عودة مغايرة

عودة الناشط السياسي وعضو حزب المؤتمر السوداني نبيل شكور إلى أرض الوطن كانت مغايرة، فهو ممَّن غادروا البلاد قبل خمس سنوات هرباً من المطاردات الأمنية الرامية إلى وقف نشاطه السياسي، وبالتالي فإن اسمه موجود على قوائم مطار الخرطوم السوداء الخاصة بالمطلوبين السياسيين.

لهذه الأسباب، انتظر شكور حتى تنحية البشير وتنحي ابن عوف. وصل إلى الخرطوم وخرج من مطارها مباشرة إلى ساحة القيادة العامة "لأرى بأم عيني الحلم الذي ناضل لأجله السودانيون يتحقق"، كما قال لرصيف22.

في الميدان، قضى نبيل يومين التقى خلالهما بكثيرين من رفاق ورفيقات النضال، وبعدها توجه إلى مسقط رأسه مدينة كسلا شرقيّ البلاد، حيث شارك في عدة فعاليات داعمة للثورة.

كما زار مدينة "خشم القربة" لأداء واجب العزاء بالمعلم أحمد الخير الذي قضى نتيجة التعذيب في معتقلات الأمن، بعدما كان قد نشر خبر وفاته على صفحته على فيسبوك، في سبق صحافي.

وبالرغم من أنه عاد إلى دولة الإمارات، فيما رفاقه ما يزالون في الميدان، يشعر نبيل بالتفاؤل حول مستقبل بلده.

لمَن الأمر؟

تبدو إسلام ميرغني متفائلة بمستقبل بلدها وتقول إنه لا يوجد أي خوف "طالما بقي الشباب العظيم حاضراً في المشهد". ومثلها، تقول غسق أبو زيد إن "مستقبل السودان يكمن في القوة الشبابية المحركة للاعتصام".

بدوره، يرى نبيل شكور أن "مستقبل السودان رهين بالقوى التي تعتمد الديمقراطية منهاجاً والقادرة على استيعاب الشباب وأطروحاتهم"، فيما يقول الواثق طه إن "المستقبل سيكون للكيان المنظم للتظاهرات والذي أبدى قادته تجرداً وزهداً عظيماً"، في إشارة إلى "تجمع المهنيين السودانيين".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard