لقد ظهر أبو بكر البغدادي… ماذا بعد؟

الثلاثاء 30 أبريل 201903:15 م

للمرة الأولى منذ خمس سنوات، يظهر أبو بكر البغدادي في شريط مصوّر نشرته "مؤسسة الفرقان الإعلاميّة" التابعة لما يُعرف بتنظيم الدولة الإسلاميّة "داعش". هو الظهور الثاني له بعدما وقف على منبر مسجد النوري في الموصل ليُعلن عام 2014 قيام الخلافة في العراق وسوريا.

زعيم التنظيم، واسمه الأصلي إبراهيم عواد إبراهيم البدري، هو اليوم الرجل المطلوب رقم واحد عالمياً، بعدما ارتفعت المكافأة التي كانت عرضتها الولايات المتحدة مقابل القبض عليه عام 2011 من 10 ملايين دولار لتصل إلى 25 مليون دولار. هو نفسه يظهر في تسجيل مصوّر مدته 18 دقيقة، قيل إنه يعود لمطلع الشهر الحالي.

لم يتسنّ بعد التأكد من صحة التسجيل، حسب ما أعلن متحدث باسم الخارجيّة الأمريكية قال إن عناصر الاستخبارات سيقومون بذلك، لكن تحليل خلفيات هذا الظهور النادر لم يتوقف منذ اللحظة الأولى، بينما تبدو الشكوك شبه منعدمة بشأن عدم صحته.

بلحيته الطويلة نصف البيضاء ونصف المُحنّاة على عكس تلك المخضبة بالأسود في الموصل، أشار البعض إلى علامات تقدّمه في السنّ، إلا أن التسجيل ناقض، في الظاهر، كل الأخبار التي انتشرت في الفترة الماضية حول مقتل البغدادي أو تدهور صحته.

أما حديثه إلى أولئك الثلاثة الذين شاركوه الجلسة كمستمعين فقط - اثنان منهما على هيئة مقاتلين بوجهين ملثمين والثالث يرتدي عقالاً على هيئة أفراد العشائر جرى تمويه وجوههم بالمونتاج - فكان محمّلاً برسائل جمّة، في شكل الظهور ومضمون ما قاله البغدادي وحول مستقبل التنظيم.

من زخارف الخلافة إلى كهوف القتال

بعد سقوط الموصل والرقة، معقلي التنظيم في العراق وسوريا، عام 2017، كان قد تجرّد البغدادي من زخارف الخليفة التي تزيّن بها في مسجد النوري، ثم أتى سقوط الباغوز - آخر مناطق السيطرة الفعليّة - قبل أقل من شهر لينقل البغدادي في الشكل من "خليفة المسلمين" إلى هيئة "المقاتل الميليشياوي".

ترك البغدادي العمامة والجبّة لصالح "جيليه" عسكرية وغطاء رأس أسود وبندقية خفيفة بجانبه تجعله أقرب للمقاتلين من أبناء العشائر، في استدعاء لهذا البُعد على ما يبدو.

في الشكل كذلك، لا يمكن لمن تابع الفيديو إلا أن تحضر إلى ذهنه صورة زعيم تنظيم "القاعدة" السابق أسامة بن لادن مفترشاً الأرض، مطلقاً الرسائل للخصوم والأنصار على السواء، بلغة حازمة وهادئة في آن.

ثمة فارق في الكاريزما بين الاثنين، وهو ما أشارت إليه وكالة "فرانس برس" مستحضرة كلام ضباط غربيين كبار ومسؤولين عراقيين قالوا: "اسألوا أياً كان في الشارع في أوروبا أو في الولايات المتحدة من هو البغدادي؟، لن تحصلوا على أي رد فعل، في حين أنه مع بن لادن، كان الرعب مخيّماً"، مضيفة "حتى التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية كان يؤكد أن هدفه الأول هو سقوط (الخلافة) وليس القبض على البغدادي أو قتله".

مع ذلك لفت محللون، ومنهم عبد الوهاب بدرخان، إلى "دخول البغدادي في مرحلة بن لادن من خلال ظهوره بنفس الطريقة التي كان بن لادن يظهر بها عبر تسجيلات فيديو، بدل ما كان يوجه خطابات مكتوبة أو رسائل صوتية".

وحسب هذه التحليلات، فإن الظهور الأخير هو مرحلة جديدة وطويلة يأمل البغدادي أن يمارس خلالها قيادة عالميّة لأفراد التنظيم، بمثل ما كان بن لادن يفعل، بعدما فقد "داعش" كل الأراضي والمواقع التي سيطر عليها في السابق.

وهذه المرحلة، التي يحاول البغدادي محاكاتها، هي تلك التي تنقّل خلالها بن لادن بين أفغانستان وباكستان قبل مقتله عام 2011، ساعياً للاختباء والهرب والتنقل الدائم، وإصدار خطابات بين حين وآخر لتحريض أتباعه على ارتكاب أعمال إرهابية.

في الشكل أيضاً، خرجت تحليلات تلفت إلى وزن البغدادي الزائد في إشارة إلى عدم التنقل كثيراً، وإلى الإصابة في يده اليمنى، لكن ما يهم كان سلسلة الأحداث التي ذكرها في معرض كلامه خلال حوالي 12 دقيقة، والتي تُشير إلى أن التسجيل صُوّر بعد انتهاء معركة الباغوز التي أشار إليها في كلامه، فضلاً عن التطورات في السودان والجزائر، وإن كان أُضيف إلى التسجيل رسائل خاصة باعتداءات سريلنكا في عيد الفصح على شكل مكتوب.

الترويج لقيادة العالم

في بداية التسجيل المصوّر، أثنى البغدادي على المقاتلين الذين لاقوا حتفهم في الباغوز، قائلاً "لله الحمد والمنة إخوانكم المجاهدين في دولة الإسلام بدءاً من معركة بيجي والموصل وسرت إلى الباغوز لم يعطوا الدنية في دينهم ولم يسلموا أرضاً للكافرين إلا على جثتهم وأشلائهم...".

وأضاف أن من بين هؤلاء مقاتلون من العراق والسعودية وبلجيكا وفرنسا وأستراليا والشيشان ومصر، في تأكيد على الطبيعة العالميّة للمعركة اليوم.

الظهور الأخير هو مرحلة جديدة وطويلة يأمل البغدادي أن يمارس خلالها قيادة عالميّة لأفراد التنظيم، بمثل ما كان بن لادن يفعل، بعدما فقد "داعش" كل الأراضي والمواقع التي سيطر عليها في السابق

 بحسب محللين، يبدو البغدادي مشغولاً بالتفاصيل اليومية لإدارة التنظيم لكنه يفتقر إلى رؤية أكثر شمولية واستراتيجية لكيفية التكيّف مع المشهد المتغيّر، على عكس بن لادن في فترات اختبائه

وعلى عكس ربط المسؤولين في سريلنكا بين اعتداءات عيد الفصح لديهم وهجوم نيوزيلندا على المصلين، قال البغدادي إن تفجيرات عيد القيامة، التي خلفت حوالي 250 قتيلاً، كانت "ثأراً لإخوانكم في الباغوز".

وأضاف أن التنظيم نفذ 92 عملية في ثماني دول رداً على الخسائر التي تكبدها، دون أن يعطي إطاراً زمنياً للهجمات.

ويقول كولن كلارك في "فورين بوليسي" إنه في أعقاب الهجمات في سريلانكا، شكّك كثيرون في وسائل الإعلام وأماكن أخرى بقدرة الجماعة المسلحة على إقامة شراكة مع جماعات محلية في العالم.

وكان تقرير نشرته "ذا آتلانتيك" إثر الهجمات، حلّل أن دعاية التنظيم مؤخراً كانت تقوم على أن "دولته المؤقتة كانت بهدف بناء منصة دولية يضمن مستقبله بحشد عشرات الآلاف من المؤيدين وتشريبهم وأقاربهم لفكره ورسالته".

وبحديث البغدادي عن تلك الهجمات بهذا الشكل، فهو يؤكد جلوسه اليوم على قمة القيادة والسيطرة على ما تبقى من الجماعة، ليس فقط في العراق وسوريا ولكن على نطاق أوسع في العالم.

وهكذا دعا المتشددين النشطين في غرب أفريقيا إلى تكثيف الهجمات ضد "فرنسا الصليبية وأحلافها"، في وقت هنأ المتشددين في ليبيا على الهجوم المميت الذي وقع في وقت سابق من هذا الشهر على مدينة الفقهاء الصحراوية،  جنوبي البلاد، موصياً إياهم بـ"استنزاف الأعداء في جميع مقدراتهم البشرية والمادية واللوجستية".

أثنى كذلك على سقوط "طاغوتي الجزائر والسودان"، لكنه اعترض على الحوار مع الموجودين حالياً باعتبارهم "طاغوتاً آخر"، داعياً إلى "اتخاذ سبيل الجهاد ضد الطواغيت"، كما أعلن مسؤوليته عن هجوم الزلفي وسط السعودية، والتي استهدفت مقراً أمنياً الأسبوع الماضي.

كما توجه البغدادي إلى من يسميهم أنصاره في غرب أفريقيا، إذ هنأ المتشددين في بوركينا فاسو ومالي ونيجيريا. من هنا، عبّر مراقبون عن خشيتهم أن يسعى البغدادي إلى تعويض خسائره من خلال دعواته المتكررة لأتباعه بالتوجه إلى الصحراء.

الرؤية المستقبليّة أو ماذا بعد؟

في نهاية التسجيل المصور، يقوم أحد المساعدين بتقديم ملفات الولايات إلى البغدادي التي تحمل أسماء بعض البلدان أو المناطق التي ينشط فيها التنظيم، بما في ذلك الصومال وشبه جزيرة سيناء المصرية وغرب أفريقيا واليمن وليبيا.

وكان لافتاً كذلك ظهور ملف باسم "ولاية تركيا" للمرة الأولى، وهو ما استدعى الأمن التركي إلى استنفار سريع، إذ ذكرت صحيفة "حرييت" أن قوات الأمن في أنقرة ألقت القبض على 17 عراقياً وخمسة سوريين، بتهمة الانتماء إلى التنظيم والعمل على تجنيد عناصر جدد.

وبينما يأتي التسجيل قبل وقت قصير من بدء شهر رمضان، الشهر الذي يشهد عادة هجمات، يمكن من وجهة نظر تكتيكية أن تكون هذه الرسالة وسيلة لحشد المؤيدين وتشجيعهم، لا سيما الخلايا النائمة، على شن هجمات.

ببساطة، من خلال الظهور في شريط فيديو لأول مرة منذ خمس سنوات، ربما حقّق البغدادي كل ما أراده منه: جذب انتباه العالم وتقديم رسالة قوة وأمل إلى أتباعه

من جهته، يسأل غرايم وود في "ذا أتلانتيك" عن الصورة التي أراد البغدادي إظهارها، ليقول أن يكون زعيماً إرهابياً، متمرداً، وحاضراً في وجه التمرّد.

برأيه "قال أعداؤه إن الخليفة الغائب ليس خليفة (مستذكراً الملا عمر الذي سخر داعش من أتباعه بسبب ولائهم الشبيه بالزومبي له بعد موته). و"بهذا الفيديو نعلم أن (الخليفة) ما زال يعيش، يحكم، ويطلب اليمين من أتباعه"، يقول وود. 

ولكن في المقابل، وفي حين أن هناك تركيزاً على الأحداث الجارية بما في ذلك إعادة انتخاب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في إسرائيل، فإن الخطاب، حسب "فورين بوليسي"، يفتقر إلى حدّ كبير إلى توضيح الاتجاه المستقبلي للمنظمة.

بحسب كولن كلارك، من الواضح أن البغدادي يرى القيمة في توسيع نطاق "داعش" الإقليمي والجغرافي، لكنه يذكر القليل حول كيف يمكن لفروع التنظيم في جنوب آسيا أن تتجنب مصيراً مشابهاً لمصيره في العراق وسوريا.

وهنا قد يكون البغدادي أقرب إلى الرؤساء التنفيذيين الآخرين، مشغول بالتفاصيل اليومية لإدارة التنظيم ولكن يفتقر إلى رؤية أكثر شمولية واستراتيجية لكيفية التكيّف مع المشهد المتغير، في ما اعتبره كلارك تناقضاً حاداً مع بن لادن، الذي كان رغم اختبائه يجد وقتاً للتركيز على التخطيط لمستقبل "القاعدة". 

في النهاية، قد لا يهم المستقبل. ببساطة من خلال الظهور في شريط فيديو لأول مرة منذ خمس سنوات، ربما حقق البغدادي كل ما أراده منه: جذب انتباه العالم وتقديم رسالة قوة وأمل إلى أتباعه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard