"صيّاد حكايات": أسعد طه يتغلغل داخل المناطق الساخنة لاقتناص اللقطات الإنسانيّة

الثلاثاء 30 أبريل 201902:34 م

يقدّم رصيف22 هذه المادة من زملاء وزميلات "You22"، وهم/هن مجموعة مميزة من طالبات/طلاب جامعات في لبنان وتونس والأردن، تمّ اختيارهم/نّ للمشاركة في برنامج زمالة رصيف22 الذي ترعاه D-Jil، بالاعتماد على منحةٍ مشتركةٍ بتمويلٍ من الـEU، تشرف على تنفيذها CFI.

"أسافر إلى المناطق الرماديّة في التاريخ والجغرافيا ثم أعود فأحكيها حكايات"، هذه الكلمات جاءت على لسان الصحفي المصري وأحد أبرز صانعي الأفلام الوثائقيّة "أسعد طه"، والذي يتمسّك بأهمية أن يترك المرء في هذه الدنيا إرثاً قيّماً وأعمالاً خالدة: "نموت، يُدفن الجسد، تصعد الروح إلى بارئها، أما حروفنا فقد تلحق بنا، وقد تظل حيّةً لا تموت".

أنصت هذا "الرحّالة" إلى صوت الشغف الذي يعصف بقلبه، فحمل كاميرته وحاسوبه وسافر إلى أصقاع العالم، غير آبهٍ بالعوائق السياسيّة والحواجز الجغرافيّة، بل واضعاً نصب عينيه مهمّة "اصطياد" أجمل الحكايات وأكثرها تأثيراً في أذهان المشاهدين.

وفي حين أن البعض يختار الانخراط في الأزمة، فإن "طه" ارتأى أن يسلّط الضوء على الأزمات والقضايا الحيويّة، وعليه، أطلق في السنوات الأخيرة عدداً من المخيّمات التدريبيّة تحت عنوان: "كيف تحكي الحكاية" بهدف اكتشاف المواهب الفذّة وتدريب الأشخاص على كيفيّة إعداد الأفلام الوثائقيّة، بحرفيّةٍ عاليةٍ وإنسانيّةٍ لا متناهية.

من تركيا، مروراً برواندا وسريلانكا وصولاً إلى ملاوي، ما هي فلسفة مخيّم "كيف تحكي الحكاية"؟ وما هي الأسرار الكامنة وراء صناعة الأفلام، وما هي الأسرار الوثائقيّة؟


التغلغل داخل المناطق الملتهبة

مجبولٌ بالحكايات ويرفض الوقوع في "خطيئة السكون"، هكذا يمكن اختصار حال "أسعد طه"، الباحث دوماً عن الحكايات وعن المشاهد التي تروي غليله وتدخل قلبه دون استئذان.



لقد أراد صانع الأفلام الوثائقيّة خوض غمار المغامرة، فزار أكثر من سبعين بلداً، حيث تعرّف على عقائدَ كثيرةٍ وجنسيّاتٍ مختلفة، وكلّ ذلك في سعيه الدائم للبحث عن حكاياتٍ إنسانيّةٍ مؤثّرة، تكون مصدر إلهامه لإعداد الفيلم الوثائقي، والذي، وفق رأيه، "لا بدّ من أن يكون مرتبطاً بالواقع، فلا تتمّ صناعته في ستوديوهات أو غرفٍ مغلقةٍ، وإنما على أرض الواقع".

أسافر إلى المناطق الرماديّة في التاريخ والجغرافيا ثم أعود فأحكيها حكايات

من هنا اعتبر "طه" أنه من المُستحسن أن يتمَّ التدريب على صناعة الأفلام الوثائقيّة على أرض الواقع، وليس في بنايات المؤسّسات وقاعات الفنادق: "الأفكار موجودة على قارعة الطريق، فهي لا تأتي وحياً ونحن نجلس مرفّهين في مكاتبنا أو غرف نومنا، ولكن تأتي من الواقع"، مشيراً إلى أنه ثمّة أفكار بسيطة جداً في الشكل عميقة جداً في المعنى، والمرء يتدرّب على التقاط الفكرة الجيّدة وحسن عرضها.

وعليه، وجّه الدعوة لأول مخيّم في تركيا في منطقةٍ منعزلةٍ، ونظراً لكون التجربة كانت مثمرةً جداً، قرر أن يمضي أبعد في هذه المغامرة، فزاد عدد أيام التدريب لتصبح أسبوعين، واختار مناطق صعبةً أو ذات تاريخٍ ملتهبٍ، فجاء المخيّم الثاني في رواندا بمذابحها المروّعة التي شهدتها في العام 1994 وراح ضحيتها حوالي مليون شخص، ثمّ سريلانكا بأطيافها ومشاكلها المختلفة، تلاها مخيّم مالاوي التي تُعدّ ثالث أفقر دولةٍ في العالم، والملقبّة بـ"قلب إفريقيا الدافئ".



وردّاً على تساؤلات البعض عن سبب اختيار ملاوي بالتحديد، خاصةً وأنها من بين أقلّ البلدان نموّاً في العالم، كتب "طه" في تغريدةٍ له على تويتر: "هناك من يسألون لماذا مالاوي؟ كمن سألوا من قبل لماذا رواندا؟ ثم رأوا أهمية رواندا وقيمتها كبلدٍ خرج من تجربةٍ مريرةٍ "كالخروج من جهنّم واضطرّ الناس لقبول مبدأ التعايش المشترك"، مضيفاً في تغريدةٍ أخرى:"المعادلة العجيبة أن مالاوي من أكثر الدول فقراً ومن أكثر الشعوب سعادةً".

الأفكار موجودة على قارعة الطريق، فهي لا تأتي وحياً ونحن نجلس مرفّهين في مكاتبنا أو غرف نومنا، ولكن تأتي من الواقع

بالرغم من أسفاره الكثيرة وتنقّله بين العديد من البلدان، إلا أن قلب "أسعد طه" لم يدقّ إلا للبوسنة والهرسك ولعاصمتها "سراييفو" بالتحديد، والتي اعتبرها حبّه الأوّل بين المدن، قائلاً: "عندما زرتها لأوّلِ مرةٍ في العام 1990 دقّ قلبي كما يدقّ قلب أي عاشقٍ، وقد عاصرت حربها 1992 - 1995 وكانت أوّل تجربة حربٍ لي، طفت بعدها الدنيا، ثمّ مؤخّراً قرّرت أن أستقرَّ بها، مولع بحيّها القديم وأحب إسلامها السلس الصادق البسيط".

أما المشهد الإنساني الذي لا يفارق ذهنه فكان في رواندا، إبّان حربها الأهلية العنيفة بين الهوتو والتوتسي: "لقد احتجزت إحدى القبيلتين أعداداً ضخمةً من أبناء القبيلة الأخرى كأسرى في الغابة، لا يطعمونهم ولا يطلقون سراحهم، سمحوا لنا بالدخول إليهم، ولم يسمحوا لنا بمدّهم بأي نوعٍ من الطعام حتى لو كان "بسكويت"، كان الرجل ممدّداً على الأرض يتضوّر جوعاً ويحتضر، وكنّا مجموعة من الصحفيين من أنحاءٍ متفرقةٍ من العالم، نلتفُّ حوله، نقوم بتصويره وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، نظرات عينيه لنا كانت مرعبة، لا يمكن أن أنساها أبداً".

تجربة حياتيّة

إنّ أساس البناء لكلِّ شيءٍ فنّي يقوم على أجزاءٍ من الروح والإبداع، يعني أن تجمع من أجزائك وتبنيه شيئاً فشيئاً، وهكذا يُصبح الإنتاج حيّاً ومتصالحاً مع مبدأ الإستمراريّة...

إن ما يميّز المخيّم التدريبي لصناعة الفيلم الوثائقي "كيف نحكي الحكاية" عن غيره هو تجاوز المفهوم الضيّق للدورة التدريبيّة، وتحوّله إلى تجربةٍ حياتيةٍ شاملةٍ ومركّزةٍ جداً: "يتعرّف فيها شبابنا على الآخر، ونكتشف جميعا أننا متشابهون، إذا احتفظنا بإنسانيّتنا"، على حدّ قول المدرّب.

وبهدف إعداد مخيّمٍ تدريبيٍّ بهذا الحجم، هناك بعض الخطوات التي يحرص "طه" على تنفيذها والإشراف عليها بنفسه، بدءاً من البحث الذي يقوم به عن هذا البلد أو ذاك، ودراسة أفضل خط سير طيران...أمّا التعرّف عن قرب على ثقافاتٍ مختلفةٍ وعقائدَ مغايرةٍ يبقى الهدف الأساسي من المخيّم: "نختار البلاد التي نقيم فيها المخيّم بعنايةٍ، نسعى لمناطق صعبةٍ لكن ليست خطيرة، لا يمكن تخيّل الفوائد التي تعود على المتدرّبين من التدريب في هذه المناطق الصعبة".

نكتشف جميعا أننا متشابهون، إذا احتفظنا بإنسانيّتنا

وعن هذه الأماكن والخبرات، يقول "طه":"في مالاوي كنا نقاوم البعوض وانقطاع إمدادات الكهرباء أحياناً والمياه أحياناً أخرى، ورغم كل هذا الإرهاق إلا أنه لم يتذمّر أحدٌ من هذا الوضع"، كاشفاً عن تجربةٍ فريدةٍ من نوعها اختبرها مع المتدرّبين أثناء المخيّم: "كانت لنا تجربةٌ لطيفةٌ في التعامل مع أطفال القرية التي أُقيم بها مخيمنا، لقد اكتشفنا عدم وجود جهاز تلفازٍ واحدٍ في كلّ القرية، ولذا قرّرنا تخصيص ليلةٍ لعرض فيلمٍ لهؤلاء الأطفال، فأتوا جميعاً وعشنا معهم وقتاً ممتعاً، وأعتقد أن هذه التجربة كانت غنية جداً للمتدرّبين".



التعايش

يمتدّ المخيّم التدريبي على مدى أسبوعين كاملين من الدراسات النظريّة والتطبيقات العمليّة، أما النشاط والمثابرة فهما على رأس قائمة الأوّليات بالنسبة إلى "أسعد طه" والذي يحذّر دوماً من الوقوع في فخِّ الخمول والكسل: "إيّاك أن تكبر، إيّاك أن تشيخ أو أن تهرم...لا تدع الولد الشقي الذي بداخلك ينام أو يسكن".

وبالنسبة إلى "روح التعايش" التي تحصل بين أكثر من عشر جنسيّاتٍ عربيّةٍ فهي تجربة قائمة بحدّ ذاتها، وتكسب المتدرّب غنى ثقافيّاً لا مثيل له، بحيث يتمّ تبادل الخبرات والتجارب الإنسانيّة والتعرّف على عادات وتقاليد الشعوب المختلفة.

إيّاك أن تكبر، إيّاك أن تشيخ أو أن تهرم...لا تدع الولد الشقي الذي بداخلك ينام أو يسكن

وللإناث "حصّة" كبيرة من المخيّم، إذ أن نصف عدد المتدرّبين يكون من البنات، رغم أن طلبات التقديم تأتي أكثر من الشباب، ولكن انطلاقاً من قناعاته الشخصيّة ومن إيمانه بهنّ وبقدراتهنّ، يخصّص المدرّب نصف المقاعد الشاغرة للشابات، معرباً عن سعادته بانخراط الفتيات في مثل هذا المخيم: "لم يمرّ بنا من تشتكي مثلاً من صعوبة الحياة في المخيم، بل هنّ دائماً في المقدّمة".

يشدّد "طه" أن المخيّم مخصّص للمبتدئين، وعليه يدرك تماماً أن قيمة الاشتراك تكون مرتفعة بالنسبة إلى هؤلاء الأشخاص (ألفان وخمسمائة دولار تشمل الدروس والإقامة والتنقّلات والوجبات والمعدّات والمترجمين) ولكن يعرب عن أسفه لعدم التمكّن حتى الآن، من تحصيل أي دعمٍ مادي يقلّل من قيمة التكاليف.

هذا ويؤكّد "طه" أنه في مرحلة البحث عن دعمٍ لمشروعه بغية التحضير لمخيّماتٍ أخرى: "ربما نعود إلى رواندا التي استقبلتنا المرّة السابقة بحفاوةٍ، وربما نذهب إلى النيبال"، أما عن سبب عدم إقامة المخيّم التدريبي في البلدان العربيّة، يعزي السبب لصعوبة الحصول على التأشيرات وخصوصاً لبعض الجنسيّات العربيّة من جهة، ولصعوبة الموافقات الأمنيّة من جهةٍ أخرى.

أحلام "أسعد" لا تُعدّ ولا تُحصى، ولعلّ أهمها تأسيس "مدرسة" تجمع كافة المتدرّبين، وتعمل على تنظيم التعاون بينهم.

باختصار، جال المدرّب أصقاع البلاد، ولا نبالغ إن قلنا إن نصف الكرة الأرضيّة في قلب هذا الرجل، وهو النصف الذي يكشف حقيقة ما يجري وما يجعل منها مادةً قابلةً لأن تُحكى وتُنقل وتنسج حولها الحكايات. 

لقد ابتكر "أسعد طه" عالماً فريداً من نوعه، ومن خلال صوته العذب بات قادراً على اجتياح القلوب المتعطّشة للمعرفة، وإحداث الانتفاضات والثورات الجميلة في الصدور، وصولاً إلى تقديم محتوى ثريّ يجعل المرء ينجذب نحو الحكايات الإنسانيّة ويخوض غمارها، وهنا تبرز بصمة هذا المدرّب في تاريخ صناعة الأفلام الوثائقيّة في العالم العربيّ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard