جرى قبل حراك 22 فبراير بعقود... قصة "ربيع الأمازيغ" في الجزائر

الثلاثاء 30 أبريل 201905:05 م

كان لعربي وجودي طفلاً عندما كان يستمع إلى حكايات خاله الطويلة عن "الربيع الأمازيغي" الذي بدأت أحداثه يوم العاشر من مارس 1980 من جامعة تيزي وزو، بعد منع الكاتب مولود معمري من إلقاء محاضرة حول الشعر القبائلي القديم.

يتذكر لعربي أحاديث خاله ويقول لرصيف22: "خالي إنسان مُتحمس بطبيعته، يحب الحق والحرية، لم يتسنَّ له إكمال دراسته، مُغرم بالفن والموسيقى، وآنذاك كان دور الفنانين كبيراً جداً في توعية الشعب الأمازيغي وتثقيفه، فقد كانوا يبسّطون المفاهيم للبقية، ويشاركون في التجمعات والمحاضرات، ويتابعون المستجدات ويحضرون الحفلات عندما تتاح لهم الفرصة".

ويضيف أن خاله كان "مثله مثل كل الشباب الأمازيغ الذين تربّوا على النضال من أجل الهوية، ليحيوا حياة كريمة، ويعترف البقية بوجودهم".

كل تلك الأسباب جعلت مشاركة خال لعربي في الربيع الأمازيغي حتمية، "فالدفاع عن الهوية ليس خياراً إنما واجب يجب أن يؤديه كل إنسان يحلم بالحرية".

"الربيع الأمازيغي"

في اليوم التالي من منع محاضرة الكاتب مولود معمري، أي في 11 مارس 1980، نظّم سكان القبائل إضراباً شاملاً، وجابت تظاهراتهم شوارع تيزي وزو، ورفعوا شعارات بالأمازيغية منها: "لماذا مُنعت محاضرة معمري؟"، و"لا للقمع الثقافي"، إلخ.

فارس صادق كان شاهداً على تلك الأحداث. وقتذاك كان عمره حوالي 12 عاماً. طفل أمازيغي اعتاد على الخروج إلى الشارع للعب مع أصدقائه. ولكن في تلك الفترة، كان كلما خرج إلى الشارع يجد تظاهرات تضمّ أقاربه وجيرانه الذين يكبرونه سناً. شاهدهم وهم يتساءلون: "لماذا مُنعت محاضرة معمري؟" و"هل حقاً سيتم طمس الثقافة الأمازيغية وستُعرّب؟".

ظلت الاحتجاجات والمسيرات الأمازيغية مستمرة في ولاية تيزي وزو، في المصانع والمستشفيات ووصلت إلى الجامعة التي بدأ منها الاحتجاج.

كانت تلك الاحتجاجات هي الأولى بعد استقلال الجزائر، ما جعل النظام الحاكم لا يعرف طريقة للرد عليها، حتى خرج رئيس الجمهورية الشاذلي بن جديد متأخراً في 17 أبريل 1980 وألقى خطاباً قال فيه: "الجزائر عربية ديمقراطية والديمقراطية لا تعني الفوضى".

يقول فارس صادق لرصيف22: "لم تكن للتظاهرات أيّة مطالب سياسية، كانت سلمية تطالب بالحفاظ على الهوية الأمازيغية والاعتراف بلغة الأمازيغ وموروثهم الثقافي".

ويضيف: "استغل سكان المنطقة (تيزي وزو)، يوم 20 أبريل، لأنه بداية الربيع بالتوقيت الأمازيغي، للاعتراض على التعريب الصارم الذي فرضه الرئيس هواري بومدين والذي كان يكنّ كرهاً شديداً للأمازيغ".

لم تقتصر احتجاجات 20 أبريل على الطلاب فقط، وفقاً لفارس. كل سكان منازل تيزي وزو نزلوا إلى الشارع بعد اقتحام قوات الأمن للسكن الجامعي في المدينة ليلاً، وممارستهم العنف مع الطلبة، "وكانت تلك أول وأكبر تظاهرة شعبية منذ الاستقلال، كسر بها الشعب الجزائري عقدة الخوف من النظام الدكتاتوري".

يقول المحلل الأمازيغي والباحث في تاريخ شمال إفريقيا مصطفى صامت لرصيف22 إن الربيع الأمازيغي لعام 1980 كان امتداداً سياسياً لأزمة حزب الشعب التي حدثت سنة 1949 وعُرفت حينها بـ"الأزمة البربرية".

حينذاك، اندلعت أزمة بين مكونات الشعب الجزائري جرى احتواؤها على أساس مناقشة مسألة الهوية بعد الاستقلال، للحفاظ على وحدة الصف ضد الفرنسيين.

ويضيف صامت: "بعد الاستقلال، جرى تهميش قادة الثورة التحريرية المتحدرين من منطقة القبائل الأمازيغية لكونهم من ثوار الداخل الذين كانوا ضد جيش الحدود بقيادة أحمد بن بلة الذي قال مباشرة بعد استيلائه على الحكم في خطاب ‘نحن عرب’ وكررها ثلاث مرات".

ويروي أنه تم إدراج استعمال اللغة الأمازيغية في مؤسسات الدولة كجريمة يعاقِب عليها القانون، وتم تجميد عمل الإذاعة المحلية لمنطقة القبائل ومنع الإذاعة الثانية الناطقة بالأمازيغية من التزوّد بالمعدات التقنية اللازمة لتوسيع موجتها وتغطية كل التراب الوطني.

كذلك، مُنعت الفنانة والمناضلة طاووس عمروش من المشاركة في مهرجان الأغنية الإفريقية الذي نظمته الجزائر في صيف 1969، وقام الرئيس بومدين بتغيير اسم فريق "شبيبة القبائل" لكرة القدم إلى "جمعية إلكترونيك تيزي وزو" بعدما سمع جماهيره تهتف بشعارات تنتقده وتطالبه بالاعتراف بالأمازيغية، من على مدرجات "ملعب 5 جويلية" في العاصمة، عندما كان يشاهد مباراة نهائي الكأس التي جمعت بين فريق شبيبة القبائل وفريق نصر حسين داي، سنة 1977.

كذلك، مُنعت الاحتفالات الثقافية وسُجن المناضلون الأمازيغ، فاضطر الكثيرون منهم إلى الهرب نحو فرنسا والعمل هناك عبر جمعية ثقافية قاموا بتأسيسها تحت اسم (Académie Berbère d’Echanges de Recherches culturels - A.B.E.R.C)، أي "الأكاديمية البربرية للتبادل والبحث الثقافي".

ويؤكد أن فكرة الجمعية التي أسسَتها مجموعة من المثقفين الجزائريين، وأغلبهم من منطقة القبائل الأمازيغية، ركّزت على النهوض بالثقافة واللغة الأمازيغيتين ونشر الوعي الأمازيغي في شمال إفريقيا، وأصدرت منشورات ومجلات وكتب، ونظّمت تجمعات ثقافية، ساهمت في بلورة وعي الأمازيغ "وبالطبع لعبت دوراً كبيراً في أحداث 20 أبريل وتُعتبر محركها الأساسي".

حركة مقاطعة المدارس

بعد أحداث الربيع الأمازيغي بعامين، وُلد عز الدين محند، أعلى جبال جرجرة في تيزي وزو، من أب وأم ناضلا من أجل القضية الأمازيغية، فشب مُتشبعاً بثقافة المطالبة بالحفاظ على الهوية.

بعد ست سنوات من ولادته، أُطلق الرصاص على المغني الأمازيغي معطوب الوناس، وأصيب بخمس رصاصات في بطنه، وكان عز الدين وقتها طفلاً ولكنه ما زال يتذكّر الحادثة ويقول لرصيف22: "أتذكر جيداً انفعالات المجتمع الأمازيغي. كانت محطة مهمة في حياتي. بدأت أفكار النضال الوطني تغزو فكري كوني من بيئة أمازيغية نضالية وثورية".

كانت أولى خطواته في النضال مشاركته في مقاطعة أبناء محافظته للمدارس، احتجاجاً على تعميم تدريس اللغة العربية فيها، وتضحيته بعام دراسي كامل 1994/ 1995، مثله كآلاف أبناء الأمازيغ.

كانت نتيجة تلك المقاطعة استجابة السلطة للمعترضين وإدخال الأمازيغية إلى منهاج التعليم، لأول مرة في تاريخ البلاد، وتأسيس المحافظة السامية للأمازيغية، بالإضافة إلى دخول اللغة إلى نشرة الأخبار، يروي مصطفى صامت.

مَن هم الأمازيغ؟

يقول الباحث والمتخصص في الشأن الأمازيغي جغيمة عبد اللطيف إن الأمازيغ هم السكان الأصليون لشمال إفريقيا، في المنطقة الجغرافية الممتدة من واحة سيوة في محافظة مطروح المصرية شرقاً حتى جزر الكناري غرباً، ومن تيزي وزو في منطقة القبائل شمالاً إلى تخوم الصحراء عند القبائل الأمازيغية في أوزو وتيبستي في تشاد وشمال دارفور في السودان ولغاية أودالن في بوركينافاسو.

ويضيف لرصيف22: "ليست هناك أيّة إحصاءات رسمية لعدد الأمازيغ في الجزائر، ولكنهم يشكلون الأغلبية الساحقة دون شك، وهذا على أساس أن الواقع يقول إن هذه الشعوب منقسمة إلى أمازيغ محافظين على لغتهم، وأمازيغ تعرّب لسانهم لعدة أسباب تاريخية وحضارية ودينية وسياسية".

ويتابع أنه "من الخطأ تصنيف الناطقين بالعامية المغاربية في بلدان شمال إفريقيا على أنهم عرب عرقياً، فمسألة العرق والإثنية غير مطروحة في هذه البلدان، وبالخصوص في الجزائر، فحتى الناطقين بالعامية أو العربية كما ينطقها الأمازيغ يعتبرون أنفسهم أمازيغ الأصل وتعرّب لسانهم فقط".

ويحمّل المسؤولية عن تعريب الجزائريين إلى "نخبة متشبعة بالفكر القومي العربي من الجزائريين الذين درسوا في مصر أمثال الرئيس الراحل بومدين".

"الربيع الأسود"

عام 2001، بلغ "لعربي وجودي" من العمر عشر سنوات، وشهد على أحداث الربيع الأسود التي جرت في ذلك العام.

يروي لرصيف22 ما يتذكره ويقول: "الشوارع كانت مُكسرة والجو مشحون بالغضب الممتزج بالخوف. أعوان الدرك الوطني في كل مكان. الناس يتجولون في الشوارع بحذر. الساعة العاشرة صباحاً تُغلق الدكاكين، وتبدأ التظاهرات والتجمعات، فنهرول مسرعين نحن الأطفال إلى الديار. أتذكر جيداً صوت سيارات الإسعاف، وبكاء النساء، والأشهر التي بدت طويلة. أتذكر خالي المنتمي إلى حركة ‘لعروش’ الأمازيغية وشعارات الحرية والديمقراطية التي كانوا يرددونها. أتذكر جيداً صوت الرصاص، ورائحة الغاز المسيّل للدموع".

ويضيف: "أتذكر تحديداً يوم 14 يونيو، يوم ولادة أخي الأصغر. كانت أمي في المستشفى حين وصلت إلينا أخبار عن ثلاثة ملايين قبائلي ذهبوا في مسيرات حاشدة نحو العاصمة، فسقط آلاف القتلى. أتذكر أنه وصلنا خبر عن امرأة خرجت إلى الشرفة لكي تُقدم خلاً للمتظاهرين فأطلق دركي عليها الرصاص الحي، وماتت على الفور. أتذكر أهالي الضحايا في مدينتي عين الحمام".

"كنا وحدنا، نحارب وحدنا، لم يهتم أحد بنا. عندما ذهبنا إلى العاصمة، كان هناك عدو آخر ينتظرنا، ليس النظام وأدواته كالدرك والأمن الوطني، بل الشعب"... جزائريون يتذكرون أحداث "الربيع الأمازيغي" و"الربيع الأسود"
رغم مرور 39 عاماً على "الربيع الأمازيغي"، و19 عاماً على أحداث "الربيع الأسود"، ما زال أمازيغ الجزائر متحفظين حتى الآن تجاه بقية الشعب، بسبب عدم مشاركتهم له في تظاهراتهم ضد النظام

في ذاك العام، تحوّل الطفل فارس صادق من مُجرّد مشاهد للأحداث إلى مُشارك فيها. يقول لرصيف22: "بدأت الأحداث في أبريل 2001، وزارد الأمر اشتعالاً تعليق وزير الداخلية على قتل دركي للطالب قرماح ماسينيسا ووصفه بأنه ‘صعلوك يبلغ من العمر 26 عاماً، وتم استدعاءه في قضية سرقة’، ما جعل والديه يقدّمان شهادات تبيّن أن عمر ابنهما لا يزيد عن 18 عاماً".

يتابع فارس: "أثناء التظاهرات في منطقة القبائل، كان هناك قمع وإطلاق نار على المتظاهرين بشكل عشوائي. ورغم ذلك، كان الأمازيغ يهتفون ويتغنون بأغاني معطوب الوناس. ولم يتوقف الأمر عند ذلك فقط، إذ قرر الأمازيغ الذهاب مشياً من ولاية بجاية وتيزي وزو إلى العاصمة لاستكمال احتجاجهم".

لم يشارك فارس في تلك المسيرة بسبب وضع زوجته لمولود استقبلاه بدون أي فرح، تضامناً مع القتلى.

من ضمن المتظاهرين الذين ذهبوا مشياً من ولاية تيزي وزو إلى الجزائر العاصمة كان عز الدين مُحند. يقول لرصيف22: "وصلنا إلى العاصمة الساعة 11 صباحاً، خرجنا في تظاهرات سلمية لنطالب بترسيم اللغة الأمازيغية دستورياً ولكن الرد كان قمعياً من طرف الدرك الوطني. كانت صدورنا عارية أمام الرصاص الحي الذي يستخدمونه، سقط منا عدد كبير، ثم لجأنا إلى رشقهم بالحجارة دفاعاً عن أنفسنا وعن مطالبنا المشروعة، ولكن المناوشات كانت ثقيلة، وآلت إلى ما لا تُحمد عقباه. كنا نضرب أينما وجدنا الدرك الوطني لأنه يقتلنا بشراسة، وفي الليل كنا نتسلل إلى ثكناته ونستخدم المفرقعات لنستفزه. ولكن ردهم كان عنيفاً وأدى إلى سقوط 126 شهيداً خلال الأحداث".

يضيف عز الدين: "كم أحزن عندما أتذكر جنازة الشهداء الذين سقطوا، كانوا أحياء يرددون معي الشعارات، يناضلون معي، ولكن صاروا أمواتاً. صعب أن تُسعف أخاك المصاب وتصل به إلى المستشفى فلا تقبله، وتخرج الروح منه أمام عينيك. الأمر صعب ولا أريد تذكر أكثر من ذلك".

ويشير إلى أن الأصعب من كل ذلك هو "عدم انضمام بقية مناطق الجزائر للتظاهر معنا، أو دعمنا". ويقول: "كنا وحدنا، نحارب وحدنا، لم يهتم أحد بنا. عندما ذهبنا إلى العاصمة، كان هناك عدو آخر ينتظرنا، ليس النظام وأدواته كالدرك والأمن الوطني، بل الشعب الذي يسكنها، والمجرمون الذين أطلقوا سراحهم لكي يضربونا في المسيرات بالحجارة. في العاصمة، قام الشعب بخيانتنا، والدرك بقتلنا، والموت كان أهون بكثير من الخيانة".

يقول سليم يزه، مناضل أمازيغي وعضو في الحركة الثقافية البربرية، لرصيف22 إنه في شهر أبريل من سنة 2001 کانت الأمور جارية على قدم وساق تحضيراً للاحتفالات الشعبية للذکرى الواحدة والعشرين للربيع الأمازيغي، في سائر منطقة القباٸل التي تقع شرق العاصمة الجزائر، ولكن وقعت حادثة اغتيال الطالب قرماح ماسينيسا، فخرج الطلبة والشباب في تظاهرات سلمية تنديداً بعملية الاغتيال والاعتقال، فقمعهم النظام واستخدم الذخيرة الحية، ما أدى إلى سقوط العديد من الضحايا والجرحى.

ويضيف أن الحركة الثقافية البربرية في الأوراس، المنطقة التي يسكنها وتقع في شرق الجزائر وتبعد عن منطقة القباٸل حوالي 100 کيلومتر، نظّمت مسيرات خرج فها معظم قاطني المنطقة، من 10 إلى 25 مايو.

وبعد ذلك، انتقل الاحتجاج إلى خارج منطقة القبائل وخاصة إلى المنطقة الشرقية التي شهدت سقوط العديد من الضحايا. يقول يزه: "هنا تحملنا المسؤولية کمناضلين في سبيل القضية الأمازیغیة، وقمنا بتنظيم مسيرة شعبية تضامناً مع أهالي الضحايا وفك الحصار عن منطقة القباٸل والتنديد بجراٸم النظام ورفع مطالب الحرکة الثقافیة الأمازیغیة في الأوراس، وکان هذا بتاريح السابع من يونيو، في شوارع مدینة باتنة".

ويشير إلى أن 14 يونيو 2001، يوم توجه ثلاثة ملايين أمازيغي إلى العاصمة، کان تاريخياً. يتذكر تفاصيل القمع و"كذب" وسائل الإعلام الرسمي، كما يتذكر إصدار رٸیس الحکومة علي بن فلیس قانون منع المسيرات في العاصمة، "ومنذ ذلك التاريخ أصبحت المسيرات في العاصمة ممنوعة"، إلى أن كسر متظاهرو فبراير 2019 الحظر.

الأمازيغ وحراك 2019... تحفّظ وتضامن

على الرغم من مرور 39 عاماً على الربيع الأمازيغي، و19 عاماً على أحداث الربيع الأسود، ما زال الأمازيغ متحفظين حتى الآن تجاه بقية الشعب الجزائري بسبب عدم مشاركتهم في تظاهراتهم ضد النظام.

يقول فارس صادق وعز الدين محند إن عدداً كبيراً من الأمازيغ ما زالوا متحفظين، وإنْ كان التحفظ الآن قد قل قياساً بالأعوام السابقة، ولكن الأمازيغ لم ينسوا ما حدث. يقول محند: "كثيرون متحفظون ولكن لا أحد مع القطيعة. وأنا شخصياً لست مع انفصال القبائل عن الجزائر. فالاتحاد قوة".

ويؤكد صادق أنه، إبان الربيع الأسود، كان عدد من الأمازيع لا يطيقون سماع كلمة "العرب"، ويدعون إلى تأسيس حركات انفصالية، ولكن مع الوقت هدأوا. "أكيد لم ينسوا حتى الآن ما حدث، ولكن الحراك الأخير قرّب العرب منهم بسبب تشابه مطالبهم"، يقول.

من صدمة الأمازيغ من عدم مشاركة الجزائريين العرب لهم في ربيعهم الأسود، ظهرت فكرة الحكم الذاتي في منطقة القبائل والشاوية ومزاب عام 2002، وأُعلن عام 2010 تشكيل حكومة مؤقتة قبائلية في باريس، رفعت مطلب الاستقلال الكامل سنة 2012، تحت مظلة حركة الماك MAK.

تلك الحركة الاستقلالية لم تحظَ بقبول أغلبية سكان المنطقة، إلا أنها مارست الضغط على السلطة بمطالبها الراديكالية، وتفاعل النظام مع المناخات التي ولّدتها نسبياً، وقام بترسيم الأمازيغية في الدستور المعدل عام 2016، كمحاولة منه لسحب البساط من تحتها.

رئيس حركة الماك فرحات مهني، وهو مناضل قبائلي انفصالي، طالب في 28 أبريل 2019 بـ"جمهورية القبائل المستقلة عن الجزائر"، وذلك في محاضرة عبر سكايب أمام طلاب في جامعة تيزي وزو، أحدثت جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، بين مَن رأى فيها انتصاراً لحرية التعبير والديمقراطية، وبين معارض لها بدعوى حماية وصون الوحدة الترابية للجزائر.

والمحاضرة المذكورة نظّمها طلاب الجامعة من أنصار الحركة الانفصالية ولم يرخِّص لها رئيس الجامعة، ولكنّه لم يتجرأ على منعها خشية تكرار ظروف منع محاضرة مولود معمري عام 1980.

يشير المحلل الأمازيغي مصطفى صامت إلى أنه "حينما ندرس تاريخ منطقة القبائل التي تُعتبر أكبر معقل للأمازيغية الثائرة، سيتبيّن لنا أن لها خصوصية سياسية متمثلة في عدائها التاريخي للنظام الحاكم. فسكان المنطقة يعتبرون كل أمازيغي يشارك في السلطة خائناً لمنطقتهم التي حملت السلاح عام 1963 بقيادة الزعيم التاريخي حسين أيت أحمد ورفاقه ضد جيش الحدود بقيادة بن بلة وبومدين أو ما يُعرف بجماعة وجدة التي لا زال رموزها على رأس النظام في الجزائر، ولهذا فإن معارضة منطقة القبائل لنظام جماعة وجدة القائم ترسخت في الوعي الجماعي للأمازيغ".

ويضيف: "منطقة القبائل لم تكفّ عن التمرد. فعام 2017، خرجت ولاية بجاية ضد قانون المالية، وعام 2018 خرج الآلاف في ولايات المنطقة ضد النظام بعد قرار يمنع تقديم الدعم المالي للنهوض بالأمازيغية في الجزائر وتعميم تدرسها".

ويتابع: "كانت مدينة خراطة التي شهدت تظاهرات الثامن من مايو 1945 التاريخية، وهي مدينة شرق منطقة القبائل، أول مدينة ينطلق منها الحراك الشعبي الحالي، حين خرج الآلاف في 16 فبراير ضد قرار العهدة الخامسة لبوتفليقة، وتبعتها تظاهرة في الأوراس في 19 فبراير، ليتوسع إلى بقية الولايات في 22 فبراير. لهذا فإن اعتبار الحراك الحالي امتداد للربيعين الأمازيغيين واقعي".

ويؤكد صامت أن للأمازيغ مطالب خاصة وهي: "استعادة الشرعية التاريخية التي اغتصبتها جماعة وجدة بعد انقلاب العسكري على الحكومة المدنية المؤقتة عام 1962، وإقامة دولة المؤسسات والحريات والديمقراطية التي تضمن التعدد والتنوع الثقافي اللغوي والفكري والديني".

حالياً، يشارك لعربي وفارس وعز الدين في الحراك الحالي، كل بطريقته وفي ولايته، ويؤكدون أن مطالب الأمازيغ مُتشابهة مع المطلب العام وهو "الجزائر حرة ومستقلة"، وأنه إذا أصبحت كذلك فإن الأمازيع وهويتهم سيكونون بأمان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard