"إنها لغتنا المقدّسة": الآراميّة في معلولا السوريّة

الاثنين 29 أبريل 201901:14 م

تدقّ أجراس الكنائس بصوتٍ مدوٍّ يملأ الأرجاء، ومن البعيد تُسمع أصوات أطفال وهم يتدرّبون على بعض التراتيل الدينيّة. إنها السادسة مساء، موعد صلاة الجمعة العظيمة، وهي الجمعة التي تسبق أحد الفصح المقدّس، أو أحد القيامة، لدى المسيحيين.

يهرع المئات من سكّان بلدة معلولا بريف العاصمة السوريّة دمشق نحو الكنيستين اللتين تُقيمان الصلاة، ويتبادلون مع من يصادفون في طريقهم، التحيّات والتمنّيات بأعيادٍ مباركة، بلهجتهم العامية المميّزة، وأيضاً ببضع كلماتٍ من اللغة الآراميّة، وهي واحدةٌ من أقدم لغات العالم، والتي لا تزال محكيّةً في عددٍ محدودٍ من المناطق السوريّة حتى يومنا هذا.

في بلدة معلولا السورية،  تتردّد عبارات آراميّة في الأرجاء ومنها "ينعات عليخن" وتعني "ينعاد عليكم"، و"عقبولشا لوخ ليشنا" وتعني "العقبى لكل سنة"، و"مشيحا آكام، منجات آكام"، وتعني "المسيح قام، حقاً قام"، وتغفو البلدة على أمنياتٍ بالسلام والطمأنينة وبأيامٍ قادمةٍ أفضل.

"هي لغتنا ولغة آبائنا وأجدادنا، لكنها لم تعد محكيّةً"، يقول أبو جورج وهو رجل ستّيني من معلولا السورية في لقاءٍ مع رصيف22، عن اللغة الآراميّة التي يصرّ سكان بلدته وبعض البلدات المجاورة على الاستمرار بالحديث بها

في كنيسة "مار تقلا" والتي تقع داخل جوفٍ صخري على طرف معلولا، يجتمع عدد قليل من الأهالي ومعظمهم من كبار السن، ويلتفّون حول بعض المنشدين والراهبات، أما في كنيسة "مار الياس" الواقعة وسط البلدة الجبليّة، يزداد عدد المصلّين القادمين من كل الأرجاء، رجالاً ونساءً، كباراً وصغاراً. تتداخل صلوات وتسبيحات الأهالي مع أصوات منشدي الجوقات الذين يغنّون في هذا اليوم، كغيره من أيام الأعياد المسيحيّة، باللغة العربيّة على الأغلب، وفي بعض الأحيان بالآراميّة، اللغة التي يصرّ سكان معلولا وبعض البلدات المجاورة على الاستمرار بالحديث بها.

لآراميّة هي لغة ساميّة من لغات بلاد الشام القديمة، سادت كلغةٍ رسميّةٍ في منطقة الشرق الأوسط منذ الألف الأوّل قبل الميلاد وحتى ما بعد العام 700 ميلادي، حين أخذت بالتداخل مع لغات أخرى دخلت المنطقة وعلى رأسها العربّية. تضاءل عدد من يتقنون الحديث بها،  وصولاً لحوالي عشرين ألف شخص فقط حالياً، وفق تقديرات منظمة اليونسكو والتي تصنّف الآراميّة بأنها لغة "مهدّدة بالانقراض".

والآراميّة هي لغة ساميّة من لغات بلاد الشام القديمة، سادت كلغةٍ رسميّةٍ في منطقة الشرق الأوسط منذ الألف الأوّل قبل الميلاد وحتى ما بعد العام 700 ميلادي، حين أخذت بالتداخل مع لغات أخرى دخلت المنطقة وعلى رأسها العربّية، ليتضاءل عدد من يتقنون الحديث بها قرناً بعد آخر، وصولاً لحوالي عشرين ألف شخص فقط حالياً، وفق تقديرات منظمة اليونسكو والتي تصنّف الآراميّة بأنها لغة "مهدّدة بالانقراض".

"هي لغتنا ولغة آبائنا وأجدادنا، لكنها مع الأسف لم تعد محكيّةً كما في السابق"، يقول أبو جورج وهو رجل ستّيني من معلولا في لقاءٍ مع رصيف22، ويضيف: "في جيلي وجيل أبي ومن قبله والده، كنا نذهب إلى المدرسة دون أن نعرف سوى القليل من العربيّة، أما اليوم فما يحصل هو العكس، يذهب الأطفال للمدارس وهم يتقنون القليل فقط من الآراميّة".

يسير الرجل من أمام منزله مروراً بمحلّه الصغير ومتجهاً نحو الكنيسة للّحاق بالصلاة قبل أن يفوته موعدها، يشير بيديه إلى جدار بيته المحترق، وإحدى النوافذ المكسورة، ومن ثم إلى سيّدةٍ عجوزٍ تمرّ قربه، ويُكمل حديثه بالقول: "أجزاء كبيرة من معلولا تدمّرت بسبب الحرب التي مرّت من هنا منذ حوالي ستة أعوام، عندما اندلعت اشتباكات عنيفة داخل البلدة وعلى أطرافها، وأكثر من نصف السكّان غادروها دون رجعة، خاصّة من هم في سنّ الشباب. لا يبدو الحفاظ على لغتنا سهلاً اليوم في ظلّ كلّ ما نعيشه".

من أقدم اللغات المحكيّة باستمرار حتى اليوم

منذ ظهورها وحتى اليوم، مرّت اللغة الآراميّة بعدّة مراحل، حيث تطوّرت من لغةٍ محكيّةٍ إلى فصحى، وتعدّدت أقسامها ومنها الآراميّة الغربيّة، والآراميّة الامبراطوريّة، والآراميّة الشرقيّة والتي تتضمّن السريانيّة والسريانيّة الكلدانيّة، والآراميّة التلموديّة، وكذلك السوريّة الفلسطينيّة التي كانت سائدةً عند اليهود خلال فترة حياة السيد المسيح كلغةٍ للتداول، مع استخدام العبريّة للصلاة والترانيم.

وفي العام 600 قبل الميلاد أصبح للآراميّة أبجديّة خاصّة بها بعد أن كانت تستعير من أبجديات أخرى للكتابة، وساهم ذلك في تألّقها والحفاظ عليها، واستخدمتها العديد من الممالك وأنظمة الحكم المختلفة كلغةٍ رسميّةٍ وإداريّةٍ وتجاريّة ولغةٍ للتخاطب أيضاً.

ومع دخول العربيّة للمنطقة تقلّص استخدام الآراميّة نتيجة تبنّي الناطقين بها للعربيّة بشكلٍ تدريجي، ثم تحوّلت إلى لغةٍ منطوقةٍ فقط مع تناقص أعداد من يتقنون كتابتها، وانحسرت ليقتصر انتشارها على بعض البقاع الجغرافيّة المتناثرة في عدّة دول، على رأسها سوريا وفلسطين والعراق، وهذه البقاع هي على الأغلب من المناطق التي ساهم موقعها الجغرافي المعزول إلى حدٍّ ما، بقدرة السكان على استمرار التحدّث بهذه اللغة وعدم ضياعها مع استخدام اللغة العربيّة.

إضافةً لذلك، تداخلت العامية العربيّة في سوريا مثلاً مع كلمات مستعارة من الآراميّة والتي لا جذور لها في العربيّة الفصحى، ومنها "شوب" والتي تعني "حرّ" وهي في الآراميّة "شوبا"، و"بس" وهي ذاتها بالآراميّة وتعني "ولكن".

وفي سوريا اليوم لا يزال سكان منطقة الجزيرة شمال شرق البلاد يتحدّثون السريانيّة وهي الآراميّة الشرقيّة، في حين يتحّدث سكان بلدات معلولا وجبعدين وبخعة في منطقة القلمون بريف دمشق، الآراميّة الغربيّة والتي تُعرف بالآراميّة. كان يعيش في تلك البلدات الثلاث حوالي ثلاثين ألف شخص من مسيحيين ومسلمين قبل اندلاع الحرب في سوريا، وتقلّص اليوم عددهم إلى حوالي النصف، بعد أن عاشت المنطقة فصولاً عنيفةً من الحرب لعدّة أعوامٍ متتالية.

"منذ صغرنا ونحن نتحدّث الآراميّة في المنزل مع أبي وأمي، وكانت ولا تزال هي اللغة المحكية التي أستخدمها مع أهلي وأقربائي في معلولا"، تتحدّث ماري حداد إلى رصيف22 فخورةً بمحافظتها على جزءٍ هام من تراثها كما تصفه.

السيدة الثلاثينيّة التي اضطرّت للنزوح عن البلدة عام 2013 بسبب حدّة المعارك الدائرة فيها، تعيش اليوم في دمشق وتزور معلولا بشكلٍ منتظم، وتصرّ رغم الصعوبات على تعليم ابنها الآراميّة. "في دمشق نتحدّث العربيّة لكننا بين بعضنا نتحوّل فوراً للآراميّة، ونعتبر بأن ذلك جزءاً من واجبنا تجاه لغتنا". وكمعظم سكّان معلولا، لا تعرف ماري سوى الحديث بالآراميّة دون إتقان كتابتها، لكن حبها للغة دفعها لاتباع بعض دورات الكتابة في معهد اللغة الآراميّة، الذي افتتح ببلدتها قبل حوالي عشر سنوات.

"لا يبدو الحفاظ على اللغة اليوم سهلاً، خاصّة بعد نزوح الأهالي وإغلاق معهد البلدة أبوابه بعد الحرب، لكن ارتباطها بكافة تفاصيل حياتنا يجعلني أعرف بأنها لغة لن تموت بكل تأكيد، نحن نتجرّعها منذ الصغر، ونغنّيها في الطقوس الاحتفاليّة والأعياد، وعند قدوم الربيع، وعند صعودنا الجبال لإقامة الشعائر الدينيّة، فكيف لنا أن نتخلّى عنها؟"، تقول الفتاة مبتسمة.

لا مناص من الحفاظ على اللغة

في أحد المنازل ببلدة معلولا يعيش جورج زعرور، وهو من الخبراء القلائل في سوريا بمجال اللغة الآراميّة، بين كتبه ومخطوطاته. يقضي يومه وهو يقرأ ويترجم نصوصاً قديمة ويكتب أشعاراً بالآراميّة، ويُعدّ دراسات مقارنة بين آراميّة معلولا والعراق وتدمر وغيرها من النسخ المختلفة من هذه اللغة التي يصفها بأنها "مقدّسة".

في أحد المنازل ببلدة معلولا يعيش جورج زعرور، وهو من الخبراء القلائل في سوريا بمجال اللغة الآراميّة، بين كتبه ومخطوطاته. يقضي يومه وهو يقرأ ويترجم نصوصاً قديمة ويكتب أشعاراً بالآراميّة، ويُعدّ دراسات مقارنة بين آراميّة معلولا والعراق وتدمر وغيرها من النسخ المختلفة من هذه اللغة التي يصفها بأنها "مقدّسة".

"تخرّجت من كلية الاقتصاد وعملت قليلاً بالمجال الإداري، لكن إدراكي لأهمية اللغة الآراميّة دفعني للتفرّغ للبحث بها ودراسة أبجديتها ونقوشها، بكافة مراحل تطوّرها منذ حوالي ثلاثين عاماً وحتى اليوم، وأيضاً تعليمها للمهتمّين وطلبة الجامعات بشكلٍ أكاديمي، وبالتعاون مع جامعة دمشق"، يقول الرجل الستيني في حديث مع رصيف22.

ويرى زعرور بأن الآراميّة ترتبط بالأرض وتنتقل بالتواتر من الآباء والأجداد للأجيال الجديدة، بذلك، "فإن من يعيش هنا ويعمل بالأرض والزراعة هو الوحيد القادر على الحفاظ على مفردات اللغة، أو لأقل هو المعين الحاضن للآراميّة الصحيحة من حيث المفردات واللفظ، وأعداد هؤلاء الأشخاص في تناقصٍ نتيجة النزوح داخل سوريا أو خارجها، والتوقّف التدريجي عن استخدام اللغة".

ويعتقد الرجل بأنه يتعيّن دقّ ناقوس الخطر لإنقاذ الآراميّة من اندثارٍ محتملٍ قد تتعرّض له، "فاليوم نصف من يتقنون التحدّث بالآراميّة هم ممن تجاوزوا الستين من العمر. لا يجب الاكتفاء بتعليم الآراميّة لأجيالٍ جديدةٍ رغم أهمية ذلك، وإنما يتعيّن توثيق المخزون الموجود حالياً، والسعي للحفاظ على اللغة وتطويرها وغربلتها من المفردات العربيّة الدخيلة عليها، وأيضاً توعية الناطقين بها بشأن أهمية الاستمرار بإحيائها وتعليمها للأولاد".

تنتهي الصلوات ويعود الأهالي لمنازلهم. تتردّد عبارات آراميّة في الأرجاء ومنها "ينعات عليخن" وتعني "ينعاد عليكم"، و"عقبولشا لوخ ليشنا" وتعني "العقبى لكل سنة"، و"مشيحا آكام، منجات آكام"، وتعني "المسيح قام، حقاً قام"، وتغفو البلدة على أمنياتٍ بالسلام والطمأنينة وبأيامٍ قادمةٍ أفضل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard