"مليونية الشريعة"... هل يجهض المجلس العسكري الثورة السودانية بالسلفيين؟

السبت 27 أبريل 201907:29 م

لا يزال الخلاف بين قوى "إعلان الحرية والتغيير" التي تقود الثورة السودانية والمجلس العسكري مستمراً بسبب مطالبة القوى الثورية بتسليم السلطة لحكومة مدنية.

وفي هذه الظروف، أطلق دعاة وأئمة ومواقع محسوبة على التيار السلفي في السودان حزمة تهديدات وتحذيرات من وصول الحركات والأحزاب الليبرالية والعلمانية إلى الحكم، ملوّحين بالاحتشاد في الميادين للدفاع عن الشريعة، في تحرّك يخشى البعض من أن يستثمر المجلس العسكري الانتقالي فيه بحال لم يتفق مع قوى إعلان الحرية والتغيير على رسم ملامح المرحلة الانتقالية.

مليونية سلفية للدفاع عن الشريعة

في 26 أبريل، دعا رجال دين سودانيون، أبرزهم الداعية السلفي عبد الحي يوسف، إلى مسيرة مليونية أمام القصر الرئاسي، في 29 أبريل، باسم "تيار نصرة الشريعة ودولة القانون". وبعد خطبة الجمعية التي أقامها يوسف في أحد المساجد، عم التكبير والتهليل، كما أظهر مقطع فيديو متداول.

وتناهض المسيرة مطالبة قوى إعلان الحرية والتغيير بعلمانية الدولة السودانية، وتعارض اعتبار قوى الحرية والتغيير التيار الأوحد الذي يعبّر عن السودانيين.

الحراك الإسلامي المضاد ليس جديداً. كانت وسائل إعلام سودانية قد ذكرت أن أكثر من 50 مسجداً في الخرطوم خصصت خطبة الجمعة، في 19 أبريل، للهجوم على دعاة العلمانية وفصل الدين عن الدولة، والتشديد على التمسك بالدين والشريعة الإسلامية.

وظهر أحد الأئمة في مقطع فيديو أثار جدلاً عارماً على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو يهاجم الثوار والشيوعيين ويصفهم بالكفار، بل بصق عليهم من على المنبر، خلال خطبة الجمعة، ما أثار استياء الكثيرين.

وانتشر خطاب التعصب وشحن الناس على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي المحسوبة على أئمة محسوبين على التيار السلفي ضد "تجمع المهنيين" الذي قاد الثورة، بسبب منشور عن إقامة قداس للمسيحيين في مقر الاعتصام.

وهاجم موقع "الراية السلفي" الذي يُعَدّ منصة لعدد كبير من الدعاة جمعية أنصار السنّة (تيار الإصلاح) بسبب وضعها جملة "كافة مكونات المجتمع" في خطاب لها إلى المجلس العسكري، مطالبين بإقصاء الشيوعيين والعلمانيين لأن وصولهم إلى الحكم سيحملهم على الدعوة إلى الضلال والانحراف.

تتلاقى هذه الدعوات مع طروحات "الحركة الإسلامية"، المكوّن الإسلامي لحزب البشير الحاكم، والتي أصدرت في 24 أبريل بياناً اعتبرت فيه أن "أولى واجبات الحاكم الحفاظ على بيضة الدين وإعلاء أمر الشرع وتعظيم شعائر الله"، داعيةً "جميع القوى الإسلامية ذات الحضور الفاعل في ساحات الدعوة والعمل العام" إلى إعلاء أصواتها للمناداة "بالاعتصام بأمر الشرع وصون الدين وقيم المجتمع".

الخريطة السياسية للسلفيين

تمثل جمعية أنصار السنّة المحمدية التي تأسست في أربعينيات القرن الماضي، أكبر تكتل للسلفيين في السودان. وبرغم أن نظام الجمعية الأساسي ينص على عدم ممارسة العمل السياسي، فإن رئيسها الشيخ عبد الله الغبشاوي كان ينشط في حزب الأمة، كما نشط زعيمها التاريخي الشيخ محمد هاشم الهدية في الحزب الاتحادي الديمقراطي، لكن هؤلاء عادوا والتزموا بقانون الجمعية الأساسي بعد اتفاق مع حكومة جعفر النميري على ترك العمل السياسي.

عام 2004، حدث شرخ كبير وانقسامات حادة داخل الجمعية عندما قرر الشيخ الهدية فصل نائبه الشيخ البارز أبو زيد محمد حمزة بسبب رفض الأخير وقطاع كبير من السلفيين المشاركة في العمل السياسي والحكومي.

اعتبر حمزة أن المشاركة في السلطة ليست مهمة الدعاة السلفيين وأن العمل السياسي يشغلهم عن مهمتهم الأساسية وهي الدعوة إلى الله، لذا قرر الانشقاق تحت اسم "جماعة أنصار السنة-الإصلاح" بينما اتجه أعضاء الجمعية الأم "أنصار السنة-المركز العام" إلى المشاركة في الحكومة وعدم الفصل بين الدعوة والسياسة.

وهناك تيار سلفي آخر تمثله جمعية الكتاب والسنّة الخيرية، التي نشأت إثر خلاف مع قيادة جماعة أنصار السنّة المحمدية عام 1992، ويرأسها الشيخ عثمان عبد الله محمد حبوب، وتركز على العمل الدعوي والتطوعي.

يقول الباحث والمحلل السياسي السوداني وائل علي إن إجمالي عدد السلفيين يتجاوز مليونيْ عضو في السودان، مشيراً إلى أنهم بدأوا بالمشاركة في العمل السياسي منذ عام 2005، وليسوا فصيلاً جديداً على الحياة السياسية.

ويضيف علي لرصيف22 أنه سُمح للسلفيين بالمشاركة في الحكومة والبرلمان بعد توقيع اتفاق السلام مع الجنوب، مشيراً إلى أنهم شكلوا أحزاباً سياسية مثل حزب الوسط.

وأسس حزب الوسط السياسي المعروف الداعية يوسف الكودة عام 2006 لدعم الحكومة ثم انلقب عليها وطالب بإسقاط النظام، ما عرّضه للاعتقال أكثر من مرة، واللجوء إلى دول أجنبية في السنوات الماضية.

وأوضح الباحث السوداني أن جماعة أنصار السنّة المحمدية تمثل نصف السلفيين في السودان، وهناك جمعية الكتاب والسنّة الخيرية وهي تمثل قطاعاً آخر من السلفيين، كما أن هناك جمعيات أخرى في الخرطوم والولايات.

وأشار علي إلى أن السلفيين لم يكونوا منظمين في عمل سياسي خلال السنوات الماضية ولا في أيّة انتخابات، كما أنهم لم يشاركوا في الحشود الثورية والتظاهرات التي أدت إلى عزل الرئيس السابق عمر البشير، والتزموا الحياد في الثورة.

وذكر أن طلاب السلفيين شكلوا كتلة تصويتية حاسمة في انتخابات الجامعات وخصوصاً في الخرطوم، ولذلك يتوقع أنهم سيكونون رقماً صعباً في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلتين، وقد يغيّرون الخريطة السياسية.

وكشف علي أن شباب التيار السلفي أسسوا بالفعل في 20 أبريل الجاري "ائتلاف الإصلاح والتنمية"، وهو برأيه أقرب الى تيار حازمون السلفي في مصر الذي أسسه الدكتور حازم أبو إسماعيل.

وأعلن مؤسسو الائتلاف في حملة توقيعات شعبية سعيهم إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وقالوا: "نعلن وقوفنا صفاً واحداً مع جماهير شعبنا وهو يستكمل ثورته بوعي مشهود، ويحقق رغباته وتطلعاته في العيش الطيب الكريم، الذي لن يكتمل إلا بالمطالبة والسعي عبر الوسائل المشروعة المتفق عليها لتحكيم شريعة الله العليم الخبير الحقة العادلة".

من جانبه، ذكر الأمين العام المكلف لائتلاف الإصلاح والتنمية الدكتور جمال العاقب أنهم يسعون إلى الحفاظ على هوية الدولة وهوية الشعب مع احترام كامل للحريات وفقاً للقانون.

وقال العاقب لرصيف22 إن السودان دولة مسلمة وشعبها مسلم وعاداتها تقوم على الدين الإسلامي، وهذه هي الأسس التي يتطلعون إلى قيام الدولة عليها، مشيراً إلى أنهم لا يعارضون أي طرح يحقق حياة كريمة للشعب ويحافظ على هوية الدولة الإسلامية في ذات الوقت.

وعقد الائتلاف مؤتمراً صحافياً في 25 أبريل أكد فيه رفضه للوثيقة الدستورية المقترحة لثلاثة أسباب أهمها أنها تُبعد الشريعة الإسلامية عن الدستور، كما أصدر بياناً فجر 26 أبريل على صفحته على فيسبوك دعا فيه الأئمة والعلماء إلى هبة للدفاع عن هويتهم الإسلامية.

والوثيقة الدستورية المذكورة صاغتها قوى إعلان الحرية والتغيير وتقترح قيام دولة مدنية ديمقراطية ترتكز على قيم الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، قوامها المواطنة المتساوية وفصل السلطات وسيادة حكم القانون.

كيف يرى الليبراليون تصريحات السلفيين؟

يؤكد الكاتب السوداني والحقوقي الدكتور عمر القراي أن لا وجود للسلفيين في السودان، مشيراً إلى أن هذه ليست دعوات سلفية بل هؤلاء هم الإخوان المسلمون وهم يستغلون الدعوات السلفية كواجهة لإرهاب أعضاء المجلس العسكري من غير الإسلاميين.

وأضاف القراي لرصيف22: "إنهم يضللون البسطاء بغرض استغلالهم، وهناك خطورة من عملهم ولكن الشعب واعٍ ويكتشفهم كل يوم".

واعتبر القراي أن الفريق عمر زين العابدين الذي شغل منصب المسؤول السياسي في المجلس العسكري، قبل أن يقدّم استقالته، هو أحد الإخوان المسلمين وهو الذي قام بهذه الدعوات، و"الإخوان يجمعون السلفيين ويستغلونهم ويرفعون شعار الدين ومحاربة العلمانيين ليكسبوا البسطاء ولكنهم لن يفلحوا".

وأكد القراي أنهم يريدون دولة ديمقراطية مدنية تحكمها كفاءات مهنية في المرحلة الانتقالية، مضيفاً أن "السلفيين هم جماعات متنافرة لن يقدروا على لعب دور وحدهم إلا كأتباع للإخوان، ولذلك لن يواجهوا الثورة إلا إذا وجدوا دعماً من الإخوان داخل المجلس العسكري"، وبرأيه: "هذا ما يحدث الآن".

السلفيون يدعون إلى مليونية تطبيق الشريعة في السودان، وخصومهم يرون أن "لا أحد سوف يلتفت إليهم بعد التجربة الطويلة مع الإسلاميين الملطخين بدماء الأبرياء ونهب أموال المساكين وضلوعهم في كل أنواع الفساد وإرهاب الناس وإذلالهم"
السلفيون يحشدون أنفسهم ضد قوى الثورة في السودان ويهاجمون الشيوعيين ويصفونهم بالكفار... فهل سينجحون في تغيير البوصلة؟

وفي 22 أبريل، دعا المجلس العسكري مئات الأئمة والدعاة إلى عقد اجتماع في الخرطوم مع الفريق أول ركن طيار صلاح الدين عبد الخالق، رئيس اللجنة الفئوية الاجتماعية في المجلس العسكري.

وكان أبرز الحاضرين الداعية السلفي المثير للجدل عبد الحي يوسف الذي هدد خلال الاجتماع بتسيير ﺣﺸﺪ إلى مقر اعتصام المتظاهرين أمام مقر الجيش، ضد مَن يريد إقصاء الدين، وﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ.

من جانبه، يؤكد المتحدث باسم تجمع المهنيين محمد الأسباط أن الهجوم السلفي الأخير على تجمع المهنيين والحزب الشيوعي والقوى الليبرالية غير مبرر وغير مقبول، مضيفاً أن "السلفيين جزء من النظام السابق وأكلوا على موائده وشاركوا في الحكم معه".

وأوضح الأسباط لرصيف22 أن تجمع المهنيين لم يطالب بتغيير أيّة نصوص تتعلق بالشريعة أو بفصل الدين عن الدولة "كما اتهمونا" ولم يدلِ بتصريحات حول الهوية الإسلامية للدولة ولم يتطرق إلى ما حذّر منه السلفيون.

وأكد أن وضع الشريعة الإسلامية وفصل الدين عن الدولة أمر سيحدده الدستور الذي سيتم وضعه في المستقبل، ويصوت عليه السودانيون في استفتاء حر وديمقراطي.

واعتبر الأسباط أن الوقت ما زال مبكراً أمام الحديث عن تدخل سعودي أو إماراتي أو تدخّل أي طرف خارجي لدعم المجلس العسكري أو السلفيين برغم إعلان الرياض وأبوظبي تقديم ثلاثة مليارات دولار كمساعدات اقتصادية للسودان.

وفي هذا السياق أكد مسؤول العلاقات الخارجية وعضو المكتب السياسي في الحزب الشيوعي السوداني علي سعيد إبراهيم أن تهديد عبد الحي يوسف بأنه سيحشد الجماهير ضد قوى التغيير لن يلتفت إليه أحد.

وأضاف إبراهيم لرصيف22: "هذا القيادي السلفي الذي هاجمنا لا يعلم أن لا أحد سوف يلتفت إليه بعد التجربة الطويلة مع الإسلاميين الملطخين بدماء الأبرياء ونهب أموال المساكين وضلوعهم في كل أنواع الفساد وإرهاب الناس وإذلالهم، ولهذه الأسباب هبّ الملايين من كافة أبناء وأنحاء السودان ضدهم فى ثورة سلمية".

وحذّر إبراهيم من أنه على الرغم من أن الشعب لن يلتفت إليهم وإلى دعوتهم، فإن هؤلاء ليس لديهم أيّ مانع من اللجوء إلى كل أساليب العنف والإرهاب المعروفة.

"تطرّف ليبرالي" وراء تهديدات السلفيين؟

في سياق آخر، يؤكد المتحدث السابق باسم الرئاسة السودانية أبي عز الدين عوض أن بداية تعقيد المشهد نحو التطرف كانت من التيارات الليبرالية وكذلك اليسارية، فقد كانت لغتها وشعاراتها وهتافاتها إقصائية بامتياز، و"قامت بشحن المجتمع وتأليب الناس ضد بعضهم البعض".

وأضاف لرصيف22: "عموماً، التيار السلفي في الأساس قوي وواسع الانتشار، ولكنه لم يستيقظ بهذه الصورة إلا بعد رفع شعارات عنيفة جداً من التيار اليساري الذي يريد استغلال مشاعر الشارع العام، وشحنها لمصلحة أجندته الإيديولوجية الإقصائية".

وأكد عز الدين أن العنف الذي يمارسه البعض في الشارع الآن وفي الإعلام مستغلاً اسم الثوار ولافتاتهم سيؤدي إلى مزيد من الاستقطاب الحاد، وسيساهم في صحوة "مَن لديهم غيرة على شريعتهم"، ومَن لديهم أسلوباً مغايراً له في النظر إلى العلاقة بين الدين والدولة.

واعتبر عز الدين أنه "من المثير لدهشة وسخرية المواطنين أن الأحزاب التي تحرك ما يسمى بتجمع المهنيين صارت تصرّح في الإعلام بأنها ستمحو أي أثر للمظاهر الإسلامية في الدولة، في نفس الوقت الذي تغش الناس برفع لافتات وشعارات حرية الرأي والتعبير، والعدالة".

وأكد أن "المشهد الآن يتم إعادة تشكيله على يد قلة من الأحزاب المتطرفة التي تستخدم المناورات التكتيكية وتشكّل ما يسمى بقوى الحرية والتغيير، ولكنها تقوم بإعادة تشكيل المشهد بصورة عقائدية".

على هذا الكلام، يردّ محمد الأسباط بقوله إن قوى إعلان الحرية والتغيير لا تمارس إقصاءً ضد أي طرف أو أي حزب سياسي لم يشارك في حكومات النظام السابق ولم يدعمه في أي وقت، مضيفاً "أن المسيرة التي دعا إليها عبد الحي يوسف ضد الإقصاء أو لحماية الشرعية لا قيمة لها والشعب يعلم حقيقة السلفيين وقربهم من النظام البائد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard