النساء لا يملكن أجسادهن.. غالباً يملكها ذكور العائلة ودائماً الدولة

الجمعة 26 أبريل 201912:53 م

هل شاهدت النساء يرقصن في اللجان الانتخابيّة في الاستفتاء على التعديلات الدستوريّة أبريل 2019؟ لربما الصفة المشتركة الوحيدة بينهن أنهن فقيرات.

لم تكن المرّة الأولى التي أشاهد فيها رقص النساء، فهن كرّرن تلك الرقصات مراراً منذ ما حدث في 30 يونيو، يرقصن على الأغاني الوطنيّة الحماسيّة، وأصبحت عملية إنتاج الأغاني نفسها تستلزم أن تكون الأغنية قابلة للرقص، تنجح الأغنية إذا مكّنت النساء من الرقص وتُنسى إذا لم تؤدِّ ذلك الغرض، فكانت أغنية "بشرة خير" للمغنّي الإماراتي حسين الجسمي هي الراعي الرسمي للانتخابات الرئاسيّة سنة 2014، ومن قبلها أغنية "تسلم الأيادي" والتي تمّ إنتاجها في سنة 2013 بعد أن تولّى الجيش المصري الحكم.

النساء والفضاء العامّ

شهدت ثورة 25 يناير المشاركة الأكبر للنساء في الأحداث السياسيّة، نزلنا جميعاً إلى المظاهرات نطالب بالحرية والعدالة الاجتماعيّة، ولكن الدولة بمؤسّساتها لم تُرحّب بوجود النساء في الفضاء العام ولا بمشاركتهن السياسيّة، فعلى سبيل المثال، كانت قضية كشوف العذريّة التي تعرّضت لها المتظاهرات في مارس 2011 بمثابة ردِّ فعلٍ صريحٍ وعنيف على مشاركة النساء في المظاهرات، حيث قامت قوّات الجيش بالكشف قسراً على عذريّة سبع عشرة متظاهرة ومدافعة عن حقوق الإنسان، بعد القبض عليهن في ميدان التحرير واحتجازهن وضربهن. وتعرّضت سبع نساء منهن للتفتيش الذاتي مع تجريدهن من ملابسهن وتهديدهن بتوجيه تهمِ دعارةٍ لهن. وقد نفت المؤسّسة العسكريّة حدوث ذلك الفعل ولكن بعدها أصدر السيسي بياناً عسكريّاً يؤكّد فيه أنه تمّ إجراء اختبارات عذرية لحماية الجيش من اتهامات محتملة بالاغتصاب.

كانت قضية كشوف العذريّة التي تعرّضت لها المتظاهرات في مارس 2011 بمثابة ردِّ فعلٍ صريحٍ وعنيف على مشاركة النساء في المظاهرات

استخدمت الدولة سلطتها في التحكّم في أجساد النساء لقهرهن، خيّرتهن بين الاستمرار في المظاهرات أو توجيه تهم الدعارة لهن.

ولم تكن تلك الواقعة بالفريدة من نوعها، فكانت الوتيرة المصاحبة لنزول النساء في الشارع هي التشكيك في أخلاقهن ووصمهن بالعهر، لأنهن قررن المشاركة في الحدث السياسي، وكان ردّ فعل الدولة دائمًا عنيفاً وقاسياً لتحذير هؤلاء النساء من الاستمرار في المشاركة.

من يملك هذا الجسد؟

تعتبر الدولة الملكيّة الشخصيّة ملكيّةً عامّةً لها، تستخدم سلطتها في التحكّم في كلّ ما هو شخصي وتطويعه لخدمة أغراضها السياسيّة، ينطبق ذلك بالأساس على أجساد النساء، فالثورة ضدّ رغبة الدولة، وبالتالي تستخدم الدولة أسلحتها ومنها نعت النساء بالعهر، بينما نفس الدولة تستخدم نفس الجسد في أغراض أخرى إذا احتاجت لذلك، فتؤجّر مؤسّسات الدولة النساءَ لكي يرقصن في الانتخابات والاستفتاءات وغيرها من الأحداث السياسيّة التي تباركها الدولة.

نفس الدولة التي نعتت النساء بالعهر بسبب مشاركتهن في ثورة 25 يناير هي نفسها التي باركت مشاركة النساء في مظاهرات 30 يونيو، وكذلك رقص النساء أمام اللجان، لأن فعل الرقص يخدم مصلحتها السياسيّة وكذلك المشاركة في المظاهرات التي تخدم أغراضها.

النساء لا يملكن أجسادهن أبداً، فأحياناً يمتلكها الذكور من العائلة وأحياناً زوجها، ودائماً الدولة.

شهدت ثورة 25 يناير المشاركة الأكبر للنساء في الأحداث السياسيّة، نزلنا جميعاً إلى المظاهرات نطالب بالحرية والعدالة الاجتماعيّة، ولكن الدولة بمؤسّساتها لم تُرحّب بوجود النساء في الفضاء العام ولا بمشاركتهن السياسيّة.

كانت الوتيرة المصاحبة لنزول النساء في الشارع هي التشكيك في أخلاقهن ووصمهن بالعهر، لأنهن قررن المشاركة في الحدث السياسي، وكان ردّ فعل الدولة دائمًا عنيفاً وقاسياً تجاه النساء في الفضاء العامّ.

تعتبر الدولة الملكيّة الشخصيّة ملكيّةً عامّةً لها، تستخدم سلطتها في التحكّم في كلّ ما هو شخصي وتطويعه لخدمة أغراضها السياسيّة، ينطبق ذلك بالأساس على أجساد النساء.

من هن الراقصات؟

تتسم النساء اللواتي يرقصن في الأحداث السياسيّة بالفقر كسمةٍ مشتركةٍ بينهن، يُدفع لهن على اليوم ليرقصن عدداً من الساعات، في مقابل أن يدلين بأصواتهن الانتخابيّة، طبعاً بالموافقة على رغبة الدولة.

هؤلاء النساء من الطبقة الفقيرة، أغلبهن يتقاضين ثمن تلك الرقصة، ومسموح لهن فقط الرقص في تلك المناسبات، ولا يشاركن في الإنتاج الرأسمالي إلا لو نظرنا إلى العمل المنزلي كإنتاج، لكن بحسب سياسة الدولة فهي لا تضع العمل المنزلي على أجندة إنتاجها المحلي.

لا يسمح لنفس النساء بالرقص في الشوارع، لأن أبوية الدولة وأيديولوجيتها المحافظة تمنعها من تشجيع ذلك النوع من الرقص في الشوارع، هي فقط تشجّعه لأنها يخدم أغراضها ويساعدها في الحصول على ما تريد.

هؤلاء النساء اللواتي أُمرن أن يرقصن لا يملكن سلطة هذا الجسد، لا يملكن الرفض حتى، بسبب أمّيتهن وفقرهن، يرقصن من أجل دولةٍ لا يعنيها شأن طبقتهن الاجتماعيّة ولا تعير لمطالبهن أدنى اهتمام.

تاريخ الرقص في الأحداث السياسيّة

ظهرت فيديوهات الرقص في الانتخابات مع انتشار استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصّة بعد ثورة يناير 2011، ولكن الفيديوهات بشكلها الحالي مرتبطة بحكم الجيش منذ 2013، حيث غابت تلك الصور في الانتخابات الرئاسيّة في 2012 والتي تعتبر أوج الانتخابات من حيث المشاركة السياسيّة.

ارتبطت فيديوهات الرقص بالحالة الديمقراطيّة في مصر، فانتشار النساء الراقصات أمام اللجان تعكس أنهم تقاضين من أجل تلك الفقرات.

لا يُسمح لنفس النساء بالرقص في الشوارع، لأن أبوية الدولة وأيديولوجيتها المحافظة تمنعها من ذلك 

ناهيك عن تاريخيّة الرقص في الأحداث السياسيّة تعود إلى العهد الملكي ووثّق هذه الظاهرة، أسامة أنور عكاشة، في مسلسلي "ليالي الحلميّة" و"زيزينيا"، إلا أن العهد الملكي كان قائماً على التزوير وغياب الديمقراطيّة الحقيقيّة.

فالديمقراطيّة الراقصة دائماً مزيّفة، تهلّل من أجل التستّر على ديكتاتوريّة الدولة ولا تعير اهتماماً لمصالح أولئك الراقصات.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard