"المجنون" و"أبو الذبّان" و"الدم الأسود"... ألقاب تحقيرية أطلقها العرب على حكّامهم

الأحد 19 مايو 201904:33 م
Read in English

عبر عصور التاريخ الإسلامي، أطلق العامة ألقاباً تحقيرية على بعض الخلفاء والسلاطين والولاة ورجال السياسة، منطلقين من دوافع سياسية، نكايةً فيهم ولكسر هيبتهم، ليكون ذلك أسلوباً شعبياً في الانتقام من حاكم لا يستطيعون مواجهة منظومته القمعية.

الأمويون... حضور للصفات الشخصية وسِيَر الأمهات

يأتي مؤسس دولة بني أمية وأول خلفائها في الشام معاوية بن أبي سفيان (603 – 680) في مقدمة السياسيين الأمويين الذين نالوا ألقاباً مذمومة.

ومن ألقابه "ابن آكلة الأكباد"، نسبة إلى أمه هند بنت عتبة بن ربيعة التي انتزعت كبد حمزة بن عبد المطلب في معركة أُحُد وقضمته، حسبما يذكر الدكتور فؤاد صالح السيّد في كتابه "معجم ألقاب السياسيين في التاريخ العربي والإسلامي".

وأُلصقت برابع خلفاء الدولة الأموية مروان بن الحكم بن أبي العاص (623 – 686) عدة ألقاب. وكان مَن يريد ذمّه يقول له "يا ابن الزرقاء"، و"الزرقاء" جدّته، وكانت من ذوات الرايات التي يُستدلّ بها على بيوت البغايا في الجاهلية، بحسب بعض الروايات.

كما لُقّب أيضاً بـ"ابن الطريد"... وبحسب السيد، الطريد أو طريد النبي، هو لقب والده الحكم بن أبي العاص، لأن الرسول طرده من المدينة إلى الطائف.

وعلى نفس الدرب، نال خامس الخلفاء الأمويين عبد الملك بن مروان بن الحكم (646 – 705) لقبين. فبسبب بخله عُرف بـ"رشح الحجر" (يُضرب به المثل على البخيل)، يروي السيد.

ويذكر أبو القاسم عبد الملك الحضرمي، في كتابه "كمامة الزهر وصدفة الدرر"، أن هذا الخليفة عُرف بـ"أبي الذّبان"، وذلك "لشدة بخره (أي الرائحة الكريهة المنبعثة من فمه)، وقيل إن لثته كانت تدمى فيقع عليها الذباب".

ولم يكن عاشر خلفاء الدولة الأموية هشام بن عبد الملك بن الحكم (691 – 743) أحسن نصيباً، فلُقّب بـ"السرّاق" لأنه قطع عطاء أهل المدينة المنورة لمدة سنتين، ثم أعطاهم قبل موته عطاءً واحداً فسمّوه بـ"المتفلت"، بحسب ما يروي صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي في كتابه "الوافي بالوفيات".

أما حادي عشر خلفاء الدولة الأموية الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان فعُرف بـ"الخليع". ذكر أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي في كتابه "مروج الذهب" أن "الوليد بن يزيد كان صاحب شراب ولهو وطرب وسماع غناء... وأظهر الشراب والملاهي والعزف... وكان متهتكاً، ماجناً، خليعاً".

وطالت الألقاب صُنّاع القرار في الدولة الأموية، مثل زياد بن أبيه (622- 673) الذي ولاه علي بن أبي طالب أمر فارس، ولما قُتل علي، خاف معاوية منه فاستلحقه بنسبه سنة 665، واستعان به في ضبط شؤون العراق.

وعُرف ابن أبيه بـ"ابن سمية"، إذ كان يُذَمّ بأمه المتهمة بالبغاء. وبحسب المسعودي، "كانت سمية من ذوات الرايات بالطائف تؤدي الضريبة إلى الحارث بن كلدة، وكانت تنزل بالموضع الذي تنزل فيه البغايا بالطائف خارجاً عن الحضر في محلة يقال لها: حارة البغايا".

ونال ولاة أمويون كثر نصيباً من الألقاب التحقيرية، مثل عُبيد الله بن زياد بن أبي سفيان الذي تولى إمارة العراق في عهد الأمويين وولّاه معاوية خراسان (674 – 676)، ثم نقله إلى البصرة سنة 676، فقاتل الخوارج أشد قتال، وأقرّه يزيد بن معاوية على إمارته سنة 681.

وبحسب بدر الدين العيني، في كتابه "عمدة القاري/ شرح صحيح البخاري"، عُرف ابن زياد بـ"ابن مرجانة" وهي أمه التي سمّاها خصومه "مرجانة" وعيّروه بها لأنها كانت مجوسية وسبيّة من أصفهان.

وروى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، في "تاريخ الرسل والملوك"، أن سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص الذي وُلّي ولاية خراسان سنة 721، لُقب بـ"خُذينة"، وأرجع ذلك إلى أن ابن الحارث "كان رجلاً ليناً سهلاً، متنغماً، فلما قدم والياً على خراسان، وقد علق السكين في وسطه، دخل عليه ملك أبغر، وسعيد متفضل في ثياب مصبّغة، وحوله مرافق (تشبه الحلي) مصبّغة، فلما خرج من عنده قالوا له: ‘كيف رأيت الأمير؟’. قال:’خُذينية، لُمته سُكينية’. فلُقب خُذينة. وخُذينة هي ربة البيت".

بيد أن السيّد يرجّح أن هذا اللقب سببه أنه كان في شخصية ابن الحارث تأنيث وتنعّم شديد، فلقبه أهل سمرقند "خُذينة". وخُذين عندهم: "الحرة الجليلة"، فألحقوا بخُذين هاء التأنيث أو هاء المبالغة، فقالوا "خُذينة".

ولقّب خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد البجلي، الذي تولى إمارة العراقيين في الكوفة والبصرة (724 – 739) في عهد هشام بن عبد الملك بن مروان قبل عزله، بـ"الخِرّيت" لأنه كان في حداثته يتخنث، ويتتبع المغنّين ويمشي مع الشاعر عمر بن أبي ربيعة وينقل رسائله إلى النساء، يروي السيّد.

العباسيون... ألقاب بلون الدماء

ارتبط الحكام العباسيون بألقاب بلون الدماء، بداية من مؤسس الدولة العباسية وأول خلفائها في العراق عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله العباسي (723 – 754) الذي نال لقب "السفّاح" لكثرة ما سفح من دماء الأمويين، إذ تتبع مَن بقي حياً منهم بالقتل والصلب والإحراق، حتى لم يبقَ منهم غير الأطفال والهاربين إلى الأندلس، بحسب السيّد.

وعُرف "أبو العباس السفاح" كذلك بـ"أبي الدوانق العباسي"، لشدة بخله وشُحه، إذ كان يحاسب عمّال البلاد فضلاً عن الفعلة والأُجراء والصُناع على "الدوانيق"، ومفردها "الدانق"، وهي كلمة فارسية تعني سُدس الدرهم.

وعلى نفس النهج، سمّى أهل الموصل يحيى بن محمد بن علي بن العباس أثناء ولايته عليهم سنة 751 بـ"الحتف" لكثرة ما سفك من دمائهم. وروى أحمد بن يحيى البلاذري في كتابه "أنساب الأشراف" أن ابن علي "كان عجولاً قليل الروية في ما يصنع... وكان أهل الموصل ثلاثة أصناف، خوارج ولصوصاً وتجاراً، فنادى منادي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فأمر بقتلهم جميعاً وفيهم تجار".

وحسبما يذكر السيد، أسرف والي اليمن خلال فترة 816-827، إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر بن محمد، في القتل حتى لُقّب بـ"الجزار".

غير أن ألقاباً أخرى أُلصقت استناداً إلى صفات شخصية، مثل الحال مع رابع خلفاء الدولة العباسية موسى بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور (761-786) الذي عُرف بـ"أطبق". روى عبد الملك بن حسين الشافعي المكي في كتابه "سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي"، أن فم موسى منذ صغره كان يبقى مفتوحاً، فوكّل به والده محمد المهدي خادماً خاصاً يلزمه ليلاً ونهاراً ويقول له في كل ساعة: "موسى أطبق"، فلُقب بذلك قبل توليه الخلافة.

أما عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام (729 – 800)، الذي ولي اليمامة في أيام المهدي ثم الهادي العباسي، فقد روى أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي في كتابه "عمدة الحُفاظ في تفسير أشرف الألفاظ " أن أعداءه لقّبوه بـ"عائد الكلب" وعُرف ولده بـ"بني عائد الكلب" لقوله: مالي مرضت فلم يعدني عائد/ منكم ويمرض كلبكم فأعود.

المماليك... طيش الحكام وجهلهم

اختلف الأمر في العصر المملوكي، فاقترنت الألقاب التحقيرية برعونة السياسيين وطيش الحكام وجهلهم، فكان لقب "المجنون" من نصيب الأمير علاء الدين الطبرس المنصوري، والي باب القلعة وأحد مماليك المنصور قلاوون (1222- 1290).

وذكرت الدكتورة سماح السلاوي في دراستها "التدوينات الشعبية مصدراً للثورة والاحتجاج في مصر المملوكية"، نقلاً كتاب "السلوك لمعرفة دول الملوك" لتقي الدين المقريزي، أنه كانت لهذا الأمير "أحكام قراقوش، من حيث تسلطه على النساء ومنعهن من الخروج إلى الأسواق، وكان يخرج في أيام المواسم إلى القرافة وينكل بهن فامتنعن عن الخروج إلا للضرورة".

أطلق العامة ألقاباً تحقيرية على بعض الخلفاء والسلاطين والولاة ورجال السياسة، لكسر هيبتهم، ليكون ذلك أسلوباً شعبياً في الانتقام من حاكم لا يستطيعون مواجهة منظومته القمعية
يُروى أن خامس الخلفاء الأمويين عبد الملك بن مروان بن الحكم لُقّب بـ"أبي الذّبان"، بسبب الرائحة الكريهة المنبعثة من فمه... تعرّف على أبرز الألقاب التحقيرية لرجال السياسة في التاريخ العربي-الإسلامي

ونال اللقب نفسه الأمير سودون المحمدي الذي كان من أعيان خاصكية (الذين يلازمون السلطان في خلواته وفراغه) مماليك الظاهر سيف الدين برقوق (1339 – 1399)، لأنه كان "شاباً شجاعاً مفرطاً في الجهل"، حسبما ذكر شمس الدين السخاوي في كتابه "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع"، ونقلت عنه السلاوي.

كما أطلق العامة لقب "المجنون" على بعض سلاطين المماليك الضعاف، مثل السلطان يلباي المؤيدي الذي تولى الحكم عام 1467. وبحسب زين العابدين محمد بن أحمد المعروف بابن إياس في "بدائع الزهور في وقائع الدهور"، "كان يقضي وقته في غلاسة هو ومماليكه، وكان ملبسه غلس، وشكله سمج، وتدبيره سيئ، فجمع بين قبح الفعل والشكل وسوء الطباع ومقت اللسان وكان عنده شح زائد وبخل كثير وسيئ التدبير في سائر أفعاله".

وكان المؤيدي منقاداً وراء الأمير خير بك الدوادار، ولا يتصرف في شيء من أمور المملكة إلا برأيه، فإذا سُئل عن شيء يقول: "إيش كنت أنا... قل له"، يعني قل لخير بك حتى سمته العامة بـ"قل له"، روى ابن إياس.

وبعد التخلص من "يلباي المجنون" سنة 1468، تولى السلطة الظاهر تمربغا ولكنه لم يستطع إرضاء خير بك، فقام بعزله بعد شهرين وصعد إلى عرش السلطنة أثناء الليل ولقّب نفسه بالظاهر. ولكن الأتابك الأشرف قايتباي اقتحم القلعة وقبض عليه فأطلقت العامة على خير بك لقب "سلطان الليلة"، لأنه لم يمكث على كرسي الحكم سوى ليلة واحدة، واستهزأ منه العامة بقولهم: "كلام الليل يمحوه النار"، ذكر ابن إياس.

وكان لقب "الدم الأسود" من نصيب الأمير سيف الدين ملكتمر الجمالي الناصري (ت. 1314)، لأنه أسرف في ظلمه، فكان يأخذ الخراج من إقطاعه في دمشق خمس مرات في السنة، ما جعل خلفاءه يفعلون ذلك من بعده فتسبب في ضرر بالغ للناس، حسبما ذكر جمال الدين أبو المحاسن ابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة".

وأُطلق لقب "فأر السقوف" على المحتسب ناصر الدين، متولي حسبة مصر أثناء سلطنة الناصر أحمد بن الناصر محمد بن قلاوون، وكان وقتها ضامن المعاملات بمعنى أنه المسؤول عن جمع الضرائب مقابل دفع مبلغ للحكومة، وكثيراً ما كان يجمع لحسابه الخاص أكثر مما هو مقرر، ما أدى إلى احتجاج العامة عليه عام 1336، يذكر موسى بن محمد بن يحيى اليوسفي في "نزهة الناظر في سيرة الملك الناصر". و"فأر السقوف" هو وصف يُقال للشخص الذي يتسبيح كل شيء، فيُشبَّه بالفأر الذي يأكل الحبوب في الأرياف.

وعام 1418، أطلقت العامة لقب "الشيطان" على الأمير علم الدين أقبغا بن عبدالله، والذي جمع بين ولاية القاهرة وحسبتها وشاد (مسؤول) الدواوين معاً، وقيل عنه: "كان عنده نباهة ومعرفة مع ظلم وعسف إلا أنه كان عفيفاً عن المنكرات"، بحسب بردي.

العثمانيون... ألقاب دموية

في العصر العثماني، نال كثيرون من الساسة ألقاباً أهمها كان من نصيب السلطان الرابع والثلاثين عبد الحميد الثاني (1842 – 1918) الذي لُقب بـ"السلطان الأحمر" لكثرة ما سفكه من الدماء، بحسب السيّد.

غير أن محمد حرب يرى في كتابه "السلطان عبد الحميد الثاني/ آخر السلاطين العثمانيين الكبار" أن الغرب أطلق هذا اللقب على السلطان لأنه اتخذ مواقف حازمة تجاه تمردات الأرمن التي كانت تدعمها روسيا.

وقبل ذلك، نال أحمد باشا العكاوي (1730 – 1804) لقب "الجزار". روى السيّد أن العكاوي تولى ولاية صيدا والشام وكان أمير الحج، ولُقّب بهذا للقب بعد المجزرة التي أوقعها بالبدو في مصر، عندما أعد لهم كميناً، ضمن الغارات التي كان يشنها عليهم، فذهب ضحيتها نحو سبعين ألف شخص، كما يُقال، منهم شيوخ وقادة.

كما نال أحمد جمال باشا الذي عيّنته الدولة العثمانية في ديسمبر 1914 قائداً للجيش الرابع المتمركز في الشام وحاكماً عاماً على سوريا، لقب "السفاح".

يذكر أحمد صدقي علي شقيرات في كتابه "تاريخ الإدارة العثمانية في شرق الأردن 1864- 1918" أن جمال باشا مارس سياسة البطش والتنكيل بحق العرب وزعمائهم في بلاد الشام بتهمة الخيانة، وذلك بسبب مطالبتهم بالحكم اللامركزي، كما عامل الأقلية الأرمنية بمنتهي الشدة وعمل على تهجير مئات الأسر إلى الأناضول.

ولم يكتفِ "السفاح" بذلك، بل حكم على عدد من الزعماء العرب بالإعدام، ونفّذ الحكم في 11 شخصاً في بيروت، في أغسطس 1915، ثم بكثيرين من المثقفين في المدن السورية، ونفّذ آخر إعداماته في مايو 1916.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard