قادوا الجيوش ووصلوا إلى الحكم... الخصيان في التاريخ العربي الإسلامي

MAIN_ottoman-eunuch

الجمعة 26 أبريل 201906:28 م

عبر مراحل التاريخ العربي-الإسلامي المتعاقبة، كان للخصيان دور كبير في إدارة أمور الدولة، فقد قادوا الجيوش وتولوا مناصب حساسة وساهموا في إبعاد أشخاص عن سدة الحكم وإيصال آخرين إليه.

ولعب الخصيان أدواراً مهمة في كل العصور القديمة، سواء عند الفراعنة أو اليونانيين أو الرومان أو الفرس أو في التاريخ الإسلامي والأوروبي الوسيط، وكذلك في التاريخ الحديث في الشرق والغرب على حد سواء، حسبما ذكر أستاذ التاريخ الحديث الدكتور عماد هلال لرصيف22.

وكان خصي العبيد يجري لعدة أسباب، منها توكيلهم بحراسة النساء وخدمتهن مع ما يتطلبه ذلك من اختلاط بهنّ، أو لغرض ترقيق الصوت وتهيئة صاحبه للغناء مثلما كان الحال في إيطاليا في العصور الوسطى، كما كان الخصي أحياناً يُفرض كعقوبة على الزُناة وبعض المجرمين.

الأمويون... بداية استخدام الخصيان

ظهر استخدام الخصيان بشكل واضح في التاريخ الإسلامي أيام الخلافة الأموية (661-749). بحسب هلال، كان معاوية بن أبي سفيان (661-680) أوّل مَن استخدمهم لحراسة النساء داخل القصر.

غير أن أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر الدكتور حمادة ناجي يذكر لرصيف22 أن يزيد بن معاوية (679-682) هو أوّل مَن استخدم الخصيان لحراسة النساء أثناء خروج الجيوش للحرب، ثم ولاهم بعد ذلك مناصب حساسة، مثل منصب حاجب الديوان الذي تولاه خصي اسمه "فتح".

ويروي جلال الدين السيوطي في كتابه "تاريخ الخلفاء" أن مسامرة يزيد للخصيان كانت واحدة من أسباب خلع أهل المدينة المنورة له، بجانب كثرة ما ارتكبه من أعمال استنكروها عليه.

وبعد يزيد، تزايد الخصيان في قصور الخلفاء الأمويين، فكان للخليفة عمر بن عبد العزيز (717-719) خصيان عدة منهم أبو أمية الخصي، ومنصور الخصي، ومرثد الخصي، وكان لمروان بن محمد (738-749) آخر خلفاء بني أمية مولى اسمه سعد الخصي.

العباسيون... حراسة الخلفاء واغتيال المنافسين

في العصر العباسي، أنفق خلفاء بني العباس أموالاً طائلة على الخصيان، وألبسوهم أجمل الثياب وأفخرها، وزيّنوهم بأجمل الحلي والجواهر، بل وسمحوا لهم بمشاركة الخلفاء في مجالسهم والسير برفقة مواكبهم، حسبما يذكر الدكتور محمد عبد الله عبد فزع المعموري والدكتور يوسف كاظم جغيل الشمري في دراستهما "الخصيان والمترجلة في الدولة العربية الاسلامية حتى عام 656هـ/1258م".

ويروي ابن الأثير، في كتابه "الكامل في التاريخ"، أن الخليفة هارون الرشيد (786- 808) كان إذا سار موكبه خرج معه 400 خصي يحملون القسي المملوءة بالبندق ويرمونه على مَن يعترض طريق الخليفة.

وكان لبعض الخصيان دور في بناء وتأسيس المدن، مثلما حدث سنة 787، عندما عُهد إلى فرج الخصي ببناء مدينة طرسوس (في تركيا حالياً) أيام خلافة هارون الرشيد، حسبما يروي خليفة بن خياط في كتابه "تاريخ خليفة بن خياط".

لكن الخليفة الأمين (807- 813) كان له شأن مختلف مع الغلمان، إذ يروى أنه استخدمهم لإشباع رغباته الجنسية، وهذا ما ذكره الطبري في "تاريخ الأمم والملوك"، إذ قال: "لمّا ملك الأمين ابتاع الخصيان، وغالى بهم، وصيّرهم لخلوته ورفض النساء والجواري".

ونقل كتاب "الخصيان والمترجلة" عن كتاب "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي أن شريحة من الخصيان الخدم سادت أيام خلافة أبي الفضل جعفر المقتدر بالله (908-932) وتولّت مناصب مهمة في الجيش والحجابة.

أحد هؤلاء القائد التركي مؤنس الخادم الذي امتاز بحنكة سياسية أهلته للتدرج في المناصب العسكرية حتى أصبح واحداً من الزعامات والقيادات التي لا يمكن الاستغناء عنها في إدارة الشؤون العسكرية، وولاه المقتدر دمشق إلا أنه انقلب على الخليفة بعد ذلك.

الفاطميون... السيطرة على مفاصل الدولة

في الدولة الفاطمية، واصل الخصيان تمتعهم بنفوذ داخل قصور الخلفاء وفي دوائر صنع القرار. وبحسب المعموري والشمري، كان الخليفة العزيز بالله الفاطمي (975-996) يملك غلاماً أبيض خصياً اسمه أبو الفتوح برجوان، وولاه أمر قصوره، وكان يثق به ثقة كبيرة إلى درجة أنه، حين اقترب أجله، أوصاه برعاية ابنه الحاكم بأمر الله وكان صغير السن وتولى الخلافة وعمره 11 سنة، فدبّر برجوان الأمور، وأصبح الواسطة بين عامة الشعب والحاكم الجديد.

لكن برجوان تمرّد على الحاكم بأمر الله، وسيطر على مقاليد الأمور، وتعامل مع الخليفة بسخرية وعدم احترام، ويبدو أنه كان يعامل الجميع بهذه الطريقة، ما أدى إلى قتله بسكين من قبل عدد من الخدم الذين تعاونوا عليه وأردوه قتيلاً في بستانه، حسبما روى تقي الدين المقريزي في "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار".

نفس النهاية المأساوية كانت من نصيب مؤتمن الخلافة "جوهر"، وكان خصياً أسود في قصر الخليفة العاضد لدين الله، آخر الخلفاء الفاطميين في مصر (1160 – 1172). ذكرت الدكتورة آسيا بنت سليمان النقلي، في دراستها "الطواشية ودورهم في دولة سلاطين المماليك"، أن نفوذ العبيد السود ازداد في الجيش الفاطمي في تلك الفترة، وسيطروا على القصر.

ولما تولى الوزير صلاح الدين يوسف بن أيوب وزارة الدولة خلفاً لأسد الدين شيركوه، قاومه العبيد السود ودبّروا مؤامرة للقضاء عليه وإزاحته عن الوزارة، ولكن صلاح الدين علم بتلك المؤامرة فأرسل مَن اغتال مؤتمن الخلافة، الرأس المدبر لهذه المؤامرة، ثم قام بتدعيم مركزه من خلال تعيين أتباعه في مراكز القرار، ما أتاح له لاحقاً الانقلاب على الخليفة الفاطمي وإقامة الدولة الأيوبية في مصر عام 1171.

الأندلس... مؤامرات ولاية العهد وقيادة الجيوش

بسبب تمتع الكثير من الصقالبة (العبيد البيض) الخصيان بالشجاعة والفروسية والقوة الجسمانية، أصبحوا جزءاً من الحرس الخاص للأمراء الأندلسيين، كما قادوا بعض الحملات العسكرية، فتولى نصر الخصي قيادة أسطول الأندلس سنة 844 ضد غارات النورمان على السواحل الأندلسية وأبدى شجاعة فائقة، حسبما روى الدكتور خزعل ياسين مصطفى في دراسته "الصقالبة الخصيان في الأندلس/ عصري الإمارة والخلافة (183-422 هـ/ 755-1030م)".

بيد أن نصر حاول جاهداً تغيير ولاية العهد في عهد الأمير عبد الرحمن بن عبد الحكم (821 – 852) من ولده محمد إلى ولده الآخر عبد الله، وعندما فشل في مسعاه حاول تسميم الأمير لكن مؤامرته اكتُشفت وأُجبر على شرب السم الذي أحضره ومات، حسبما روى حيان بن خلف في كتابه "المقتبس في رجال الأندلس" ونقل عنه مصطفى.

كذلك، برز اسم ياسر، الفتى الصقلبي الذي لعب دوراً تآمرياً على الخليفة عبد الرحمن الناصر لدين الله سنة 949، إذ حاول استبعاد ولي العهد الحكم وتقديم أخيه عبد الله بدلاً عنه، واكتشفت مؤامرته وعُوقب القائمون عليها، ذكر حيان.

في العهد العثماني، تزايد نفوذ الخصيان بشكل لم يسبق له مثيل في العصور الإسلامية السابقة، وشهدت الدولة تنافساً شديداً على النفوذ بين الخصيان البيض ونظرائهم السود
عبر مراحل التاريخ العربي-الإسلامي المتعاقبة، كان للخصيان دور كبير في إدارة أمور الدولة، فقد قادوا الجيوش وتولوا مناصب حساسة وساهموا في إبعاد أشخاص عن سدة الحكم وإيصال آخرين إليه

ونتيجةً لتزايد نفوذهم، تولى الخصيان مناصب سياسية. أحد هؤلاء بدر، مولى الأمير أبو محمد عبد الله بن محمد (988 – 912)، سابع أمراء الدولة الأموية في الأندلس، والذي أمر بأن يخصص لبدر مكان خاص به في مجلس الأمير، وبأن يكون أحد مستشاريه، ثم ولاه الحجابة لاحقاً.

الإخشيديون... الخصيان في سدة الحكم

أعلى منصب وصل إليه خصي كان في عصر الدولة الإخشيدية، عندما انفرد كافور الإخشيدي بحكم مصر بين عامي 966 و968. يذكر ناجي أن كافور كان خصياً حبشياً، اشتراه محمد طغج الإخشيد مؤسس الدولة الإخشيدية في مصر وجعله معلماً لأولاده، وترقى حتى صار من كبار القادة في الجيش، وأتابكاً (أي وصياً على الأمير أو السلطان القاصر) لولديه أنوجور وعلي، ولما مات ابن طغج 946 سيطر كافور على مفاصل الدولة، وبعدها تقلد رسمياً الحكم.

غير أن هلال يستبعد أن يكون كافور خصياً، فلم يرد ذلك في أي مصدر تاريخي، ويذكر أن كل المؤرخين المتأخرين الذين قالوا بذلك نقلوا عن الشاعر أبي الطيب المتنبي، المعاصر له، وأغلب الظن أنه هجاه بالخصي ولم يصفه به، عندما قال "نَامَتْ نَوَاطِيرُ مِصر عن ثعالبها/ فقد بشمن وما تفنى العناقيد/ صار الخصي إمام الآبقين بها/ فالحر مستعبد والعبد معبود".

وبحسب هلال، لم يكن كافور عبداً عندما كُتبت هذه الأبيات، بل كان حراً معتوقاً، وكذلك لم يكن مخصيّاً.

الدولة الأيوبية... نيابة الدولة لخصيّ

في الدولة الأيوبية، برز اسم الخصي بهاء الدين قراقوش بن عبد الله الأسدي، والذي اعتمد عليه صلاح الدين الأيوبي عندما استقل بمصر سنة 1174، وأوكله بالإشراف على أمور القصر ونسائه، ثم ناب عنه لمدة فوض إليه خلالها أمور الدولة وتدبير أحوالها، وهو الذي بنى السور المحيط بالقاهرة وبنى قلعة الجبل، بحسب النقلي.

المماليك... كلمة نافذة ومضاهاة السلاطين

لم يختلف الوضع في العصر المملوكي، إذ تمتع الخصيان بكلمة نافذة في دوائر صنع القرار. روت النقلي أن الخصيان في أيام الصالح إسماعيل بن محمد بن قلاوون (1342 – 1345) استولوا على أحوال الدولة وعظم قدرهم بتحكم كبيرهم "عنبر السحرتي اللالا" في السلطان، فحازوا كثيراً من الأراضي وصاروا يركبون الخيول الجميلة ويلبسون الثياب الفاخرة، وكوّنوا حاشيات تشبهاً بالسلاطين.

العثمانيون... صراع نفوذ بين الخصيان البيض والسود

في العهد العثماني، تزايد نفوذ الخصيان بشكل لم يسبق له مثيل في العصور الإسلامية السابقة، وشهدت الدولة تنافساً شديداً على النفوذ بين الخصيان البيض ونظرائهم السود.

يذكر الدكتور عماد الجواهري، في دراسته "الحريم السلطاني ودوره في الحياة العامة من تاريخ الدولة العثمانية"، أن السلاطين تحوّلوا عن استخدام الخصيان البيض الذين تتحدّر غالبيتهم العظمى من بلاد القوقاز، منذ عهد السلطان مراد الثالث (1574 – 1595) الذي استعاض عنهم بالخصيان السود.

ويرجّح الجواهري أن يكون هذا التحوّل ناجماً عن شعور السلاطين بوجود تعاطف بين خصيانه البيض وسرايا حريمه اللواتي كانت غالبيتهن من بلاد القوقاز.

وهكذا، صار للخصيان السود بمرور الزمن الكلمة العليا، ونال رئيسهم منصب "آغا باب السعادة"، ومُنحت له اختصاصات منها الإشراف على أوقاف الأراضي المقدسة في الحجاز.

وكان رئيس الخصيان السود يشغل المنصب الثالث في الدولة بعد الصدر الأعظم وشيخ الإسلام، وكان بدرجة وزير، وكانت الرسائل التي توجه إليه باللغة التركية تُستهل بعبارة "صاحب الدولة والفخامة والاحترام"، أما الرسائل الموجهة إليه بالفرنسية فكانت تُسبق بعبارة "حضرة صاحب السمو"، أسوة بأمراء الأسرة العثمانية الحاكمة، حسبما روى الدكتور عبد العزيز محمد الشناوي في كتابه "الدولة العثمانية/ دولة إسلامية مفترى عليها".

وأمام تزايد نفوذ الخصيان وتدخلهم في صنع القرار، جرت محاولة لإقصائهم عام 1715 حين أمر الصدر الأعظم شهيد علي باشا بإيقاف عملية الخصاء على أمل قطع دابرهم، غير أن الأمور عادت بعد وفاته إلى أوضاعها السابقة، يروي الشناوي.

وجرت أثناء حكم السلطان مصطفى الثالث (1757 – 1774) محاولة للحد من نفوذهم على الأوقاف خارج القصور السلطانية، فألغى الصدر الأعظم راغب باشا إشراف رؤساء الخصيان على إيرادات الأوقاف، وعهد بها إلى الدفتر دار، وهو رئيس الشؤون المالية في الدولة، ما أدى إلى زيادة حصيلة الأوقاف وانكماش نفوذ الخصيان ورؤسائهم.

غير أن هذه المحاولة لم تعمّر سوى سنوات قليلة، وعاد نشاط الخصيان خارج القصور إلى وضعه السابق. أكثر من ذلك، يروي الشناوي أن القيزلر أغاسي، رئيس الخصيان السود، نجح في حمل الحكومة العثمانية على أن تعوّضه، هو وزملاءه الذين كانوا يعملون معه كمساعدين في نظارة الأوقاف، عن الخسائر التي لحقت بهم طوال الفترة التي حُرموا فيها من مداخيلهم من الأوقاف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard