معضلة الطلاق الغيابي في مصر بين الشرع والقانون

الخميس 25 أبريل 201902:25 م

تقع حالة طلاق كل دقيقتين ونصف في مصر، بحسب أحدث إحصاء لمركز معلومات رئاسة الوزراء المصري، لكن بعض حالات الطلاق الغيابي يتم فيها تطليق الزوجة دون علمها ويواصل الزوج العيش معها ومعاشرتها جنسياً لا توثق، وتمثل معضلة قانونية ودينية آثارها عميقة على نفسية المرأة.

رصيف22 حقق في حالات طلاق غيابي في مصر، واستقى رأي الدين بهذه المسألة. قد تكون أكثر حالات الطلاق الغيابي غرابة قصة المصرية نهلة أحمد التي طلقها زوجها من دون أن يعلمها وظل يشاركها في فراشها طوال خمسة أشهر. اكتشفنا أن بعض أبناء مؤسسة الأزهر عارضوا توثيق الطلاق مثلما أكدت لنا آمنة نصير، أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر مصرحة لنا بأنها سبق أن "تشددت في الدعوة لتوثيق الطلاق كما يوثق عقد الزواج” لكنها دُهشت حينذاك من وقوف بعض أبناء مؤسسة الأزهر ضد دعوتها.

تزوجت نهلة، وهو اسم مستعار بناءً على رغبة المصدر، من "حب عمرها" على حد وصفها بعد 6 سنوات من الارتباط العاطفي. سافر الزوج بعد أشهر قليلة من الزواج وكانت تحدث خلافات "عادية" بينهما كالتي تحدث بين أي زوجين حديثين بحسب قولها. قررت نهلة بعد حملها السفر حيث زوجها، لترضيته، وتم ذلك بمساعدة أهلها.

غدر و اغتصاب

بعد ثلاثة أشهر في الغربة، عاد الزوجان وقد رزقا أول طفل. وبعد أيام وسط أهل الزوج، شبت الخلافات بينهما من جديد، فطردها.

عندما ذهبت نهلة (35 عاماً) للشرطة لإثبات أحقيتها في مسكن الزوجية، صدمت بوجود وثيقة طلاق غيابي مسجلة في تاريخ يسبق موعد سفرها إلى زوجها.

تقول نهلة لرصيف22: "أصبت بانهيار عصبي. وحالما أفقت من الصدمة ذهبت للتأكد أني لست حاملاً بطفل غير شرعي. بعد ذلك شعرت باكتئاب وذل لا أستطيع وصفهما".

وتردف شارحةً: "كنت أغتصب طوال أشهر، وأنا أظن نفسي زوجةً شرعيةً ترعى حقوق الله في زوجها وتحافظ على بيتها. كثيراً ما كان يبتسم من كان زوجي، بعد الفراغ من العلاقة الزوجية ابتسامة خبث ونصر، كنت أظنها نشوة الرجل عندما يشعر بفحولته مع زوجته. الآن أدرك معناها. كان يمعن في إذلالي واستغلال جسدي بكامل إرادتي ويتشفى مني ومن جهلي بحقارة ما فعله ويفعله بي".

بعد أيامٍ، شعرت نهلة، وهي حاصلة على ماجستير في القانون، بالرغبة العارمة في إثبات حقيقة ما تعرضت له، للثأر لكرامتها أولاً ولإثبات براءتها أمام نفسها وأهلها ثانياً، بعد أن زعم طليقها أنها كانت تعلم بتطليقه لها واستمرت في معاشرته.

وتضيف نهلة: "لم يصدقه أهلي. يعرفون أخلاقي الحسنة وشاهدوا بأنفسهم صدمتي عندما علمت. لكن في داخلي شعرت بإهانة وبأني قيد الاتهام، ولم يكن ممكناً أن أتركه ينجو بجريمته. حولني من زوجة لمغتَصبة"، رددت نهلة هذه الجملة الأخيرة كثيراً أثناء حديثها معنا.

رفعت نهلة دعوى قضائية تتهم طليقها بالاغتصاب. حاول التهرب بناءً على نصيحة محاميه، زاعماً أنها لا تزال زوجته، لكن الوقت كان قد فات وسبق أن قدم بنفسه دليل إدانته.

بعد عامٍ ونصف العام في أروقة المحاكم، صدر حكم لمصلحتها، ينشر رصيف22 صورةً عنه، ومفاده أنها مطلقة شرعاً وقانوناً وأن الطليق دلس وعاشرها وهي مطلقة منه ومحرمة عليه شرعاً من دون علمها. كما قضت المحكمة بسجنه عاماً واحداً وألزمته دفع غرامة قيمتها 10 آلاف جنيه مصري (570 دولاراً تقريباً).



استعمل القاضي "حكم الرأفة" مع المتهم كونه والد طفل المجني عليها، في حين يقضي الحكم المشدد بسجنه عامين. تقول نهلة "قد يرى البعض هذا الحكم هزيلاً، وهو كذلك، لكنه أعادني للحياة. أثبت أني كنت ضحيةً. نسمع عن جرائم الاغتصاب، ونشعر بالتقزز منها، أما أن تكوني أنت بطلتها وبإرادتك فليس هناك ما هو أبشع من ذلك".

نساء معلقات

قصة نهلة، التي تصلح فيلماً سينمائياً ربما لا نصدقه لو عرض على الشاشات، قد تكون من أسوأ ما قد يحدث في حالة الطلاق الغيابي، لكنها ليست الوحيدة.

تقول هيام الجنانيني، المحامية المصرية المختصة بقضايا الأسرة والمرأة لرصيف22: "الكثير من الرجال يقدمون على تطليق زوجاتهم غيابياً، ويخفون الأمر. يحتالون على المأذون الشرعي الملزم بإبلاغ الزوجة بكتابة عنوان مزور أو غير مكتمل أو حتى بالتواطؤ مع المحضر المتوجب عليه إيصال بلاغ إلى الزوجة".

وتبرر الجنايني ما سبق قائلةً "لدى كل زوج أسبابه. إما رغبةً في الانتقام بترك الزوجة معلقة، تجهل هل هي متزوجة أم لا أو من أجل دفعها للركض سنوات في أروقة المحاكم وسط إجراءات معقدة سعياً للحصول على حقوقها أو على الطلاق نفسه لتصدم في النهاية بأنها مطلقة بالفعل".

وتردف: "قبل يومين، جاءني موكل (رجل)، قال إنه ليس متزوجاً وعندما بحثت عثرت على زوجتين له من دون أي دليل على تطليقه لهما. فسر لي ذلك بأنه قدم طلباً للسفر لإحدى الدول الغربية ولم يسجل الطلاق، رغم مرور سنوات، ليكون دليلاً لدى السفارة الأجنبية على نيته العودة لمصر. الزوجتان معلقتان ولا تستطيعان الزواج ثانيةً، وبنفس الوقت لا تحصلان على حقوقهما الزوجية الشرعية أو المادية، ربما هما لا تعرفان بالأساس. وإن عرفتا فكيف عساهما أن يثبتا ذلك؟".

منة هشام (39 عاماً) كانت إحدى ضحايا الطلاق الغيابي أيضاً. طلقها زوجها قبل 3 سنوات، وكتب عنواناً مزوراً لها في قسيمة الطلاق حتى لا تصلها. وخلال نزاع قضائي بينهما على مسكن الزوجية باعتبارها حاضنة لثلاثة أطفال ونفقة زوجية ونفقة أطفال، فوجئت به يقدم وثيقة تطليقها.

تقول هشام لرصيف22: "عام ونصف العام وأنا أظن أنني على ذمته بينما أنا مطلقة. كنت أتقاضى نفقةً زوجية وتركني أفعل عمداً حتى يعود ويطالب بها باعتبارها غير مستحقة، وهو ما حدث. بدلاً من أن أجني نفقةً إضافية وجدتني مطالبة بفارق النفقة".

تتابع: "اضطررت كذلك لبدء دعاوى جديدة بصفتي مطلقة وليس زوجة"، مردفةً "لم أستطع الوصول إلى المأذون لأن اسمه وحده كان مكتوباً على الوثيقة، فلم أعرف هل ردني خلال فترة العدة أم لا".

أما غادة الرميلي، استشارية العلاقات الأسرية والنفسية ووكيل لجنة المرأة في حزب المحافظين المصري، فتؤكد لرصيف22 أنها تعاملت مع كثيرات عانين مادياً واجتماعياً وقانونياً جراء الطلاق الغيابي والتلاعب في تطبيقه.

وتوضح "عندما يحدث خلاف بين الزوجين كثيراً ما يطرد الرجل زوجته وأطفالها من مسكن الزوجية، وقلما يهجره هو، ويتركها معلقة لا تعلم هل هي مطلقة فيمكنها الزواج واستكمال حياتها فإن فعلت ولم تكن مطلقة اتهمت بتعدد الأزواج، أو على ذمته فتطالب بحقوقها التي تعاني من أجلها سنوات وربما لا تحصل عليها في النهاية لكثرة الحيل القانونية التي يستغلها الأزواج".

طلاق القادرات

رغم كل شيء، تصف بعض النساء الطلاق الغيابي بأنه "طلاق القادرات". توضح الرميلي أن ذلك يرجع إلى أن المرأة تحصل على حقوقها رغم اضطرارها للانتظار سنوات في المحاكم، في حين تجبر الكثير من النساء على التنازل عن بعض الحقوق أو عن الكثير من حقوقهن للحصول على الطلاق أو على الإبراء (تخلي الزوج عن المسؤولية) أو على الخلع وغيرها.

لهذا السبب، تقترح الرميلي أن توضع ضوابط للطلاق الغيابي لوقف التلاعب، منها "إقرار نص قانوني ملزم للزوج بكتابة عنوان الزوجة كاملاً. وكتابة عنوان ورقم هاتف المأذون حتى تتواصل المطلقة معه للتثبت من عدم ردها خلال فترة العدة الشرعية. واشتراط إبلاغ الزوجة بالطلاق الغيبي عبر أكثر من وسيلة مثل رسالة بريد بعلم الوصول ومحضر ورسالة هاتفية، مع تطبيق جزاءات مشددة على المخالفين".

تقع حالة طلاق كل دقيقتين ونصف في مصر، لكن حالات الطلاق الغيابي التي يتم فيها تطليق الزوجة دون علمها ومواصلة الزوج العيش معها ومعاشرتها جنسياً لا توثق وتمثل معضلة قانونية ودينية. تحقيق رصيف22.
كشفت آمنة نصير، أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر أنها سبق أن "تشددت في الدعوة لتوثيق الطلاق كما يوثق عقد الزواج"، لكنها دُهشت حينذاك من وقوف بعض أبناء الأزهر ضد دعوتها. 
تستنكر آمنة نصير، أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر "رأفة بعض رجال الدين في منح فتاوى تناصر الرجل على حساب حدود الله، ورفق بعض القضاة في الأحكام التي يدان فيها رجال أمثالهم”.

ظلم شديد للمرأة

من جهتها، تعتبر المحامية المصرية الناشطة في حقوق المرأة ورئيسة المركز المصري لحقوق المرأة، نهاد أبو القمصان، في حديثها لرصيف22، أن "الطلاق الغيابي أحط أنواع الطلاق وأكثرها ظلماً للمرأة"، داعيةً إلى إلغائه.

وتوضح أن دعوتها "ليست انتصاراً للمرأة بل للأسرة المصرية والأبناء الذين يتركون معلقين، كما والدتهم، ولا يجدون معيلاً". تضيف "لن نستطيع أن نوقف التلاعب في حالات الطلاق الغيابي. لذا لا بد من إلغائه كما تفعل دول العالم المتحضر وبعض الدول العربية مثل تونس التي لا تعترف بالطلاق الشفهي".

وتقترح أبو القمصان "تخصيص محكمة كلية، تعنى بكل قضايا الأسرة من زواج وطلاق وحضانة الأبناء والنفقة الزوجية ونفقة الصغار وغيرها، على ألا تتخطى الإجراءات مدة الشهر الواحد حتى لا تترك الزوجات سنوات بين أروقة المحاكم باحثات عن حقوقهن وحقوق أطفالهن، بينما يستمتع المطلق بحياته ويتزوج ثانية وثالثة ويرسل الواحدة تلو الأخرى للمحاكم من دون رادع".

وتشير الحقوقية المصرية إلى أنه في حالة إنشاء مثل هذه المحكمة ينبغي أن تعقد جلسات صلح للتوفيق بين الزوجين قبل توقيع الطلاق. وفي حالة الانتهاء إلى التطليق ينبغي أن يدفع الرجل لزوجته وأطفاله حقوقهم كاملةً لا أن يهرب ويتركهم يصارعون المجهول ويجوعون كما يحدث الآن.

وتطالب الجنايني أيضاً بإنهاء الطلاق الغيبي متفقةً مع أبو القمصان في صعوبة وقف التلاعب في ثغرات تطبيقه، لا سيما في حالة سفر الأزواج، مشيرةً إلى أن أخطر ما فيه إمكانية رد الرجال طليقاتهم إلى عصمتهم خلال فترة العدة الشرعية من دون علمهن أو إعلامهن.

ما رأي الدين؟

تواصل رصيف22 مع المركز الإعلامي لدار الإفتاء المصرية، لمعرفة الحكم الشرعي لمن يخفي تطليق زوجته أو يعاشرها دون وجه حق، ولمعرفة رأي الدار في دعوات إلغاء الطلاق الغيابي ومدى إمكانيته. أحالنا المركز للشيخ خالد عمران الموكلة إليه مهمة الحديث مع وسائل الإعلام، لكن الشيخ اشترط معرفة اسم الموقع قبل منحنا التصريح، ثم عاد معتذراً عن عدم التجاوب معنا. أدركنا أن حجب موقعنا في مصر هو السبب وحاولنا إقناع الشيخ بأن دوره في توضيح صحيح الدين لا ينبغي أن يتأثر بموقف القيادة السياسية منا، لكنه امتنع عن الرد.

اتجهنا للدكتورة آمنة نصير، أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، فقالت لرصيف22: "من علق امرأة بدون وجه حق حرمت عليه الجنة لأنه يجعلها عرضةً للانحراف، ومن عاشر امرأةً بعد طلاقها وانتهاء عدتها فهو زانٍ وعليه ما على الزاني من عقاب".

ورداً على دعوات إلغاء الطلاق الغيابي، أكدت نصير أنها سبق أن "تشددت في الدعوة لتوثيق الطلاق كما يوثق عقد الزواج"، لافتةً إلى أنها دُهشت حينذاك من وقوف بعض أبناء مؤسسة الأزهر ضد دعوتها.

وتستنكر نصير "رأفة بعض رجال الدين في منح فتاوى تناصر الرجل على حساب حدود الله، ورفق بعض القضاة في الأحكام التي يدان فيها رجال أمثالهم"، مؤكدةً أن هذه الرأفة "تغوي وتغري الرجال وتجعلهم يستسهلون التعدي على الميثاق الغليظ الذي جعله الله بينهم وبين زوجاتهم".

وترى أن الله لم يحلل شرعاً يؤدي إلى فوضى، معتبرةً أنه طالما "فسدت الذمم وانفلتت ألسنة الرجال مهددةً بالطلاق في كل كبيرة وصغيرة، وباتوا يستغلون حدود الله ويتحايلون عليها امتهاناً لكرامة النساء وإمعاناً في إذلالهن والانتقام منهن، والاستيلاء دون وجه على حقوق الزوجات والأبناء" فلا بد أن يتدخل القانون ليوقف ذلك، فارضاً وقوع الطلاق في المحكمة.

جدير بالذكر أن محكمة الاستئناف الكويتية قضت غيابياً، نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، بسجن النائب الإسلامي وليد الطبطبائي سبع سنوات مع الشغل والنفاذ، بعد إدانته "بمواقعة" طليقته عاماً كاملاً دون إعلامها بوقوع الطلاق، وهذا ما يثبت أن حالات التلاعب تحدث، وربما منتشرة، ومسكوت عنها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard