الفنان المصريّ منير مراد… هل "دفع ثمن" ولادته يهوديًا؟

الخميس 25 أبريل 201902:24 م

لا أحد يعرف تحديدًا متى وُلد.. قيل في عام 1922، وقيل في عام 1928، سنة ميلاد عبد الحليم حافظ، لكن الترجيح يذهب للعام 1922، أما عن يوم وشهر مجيئه إلى الدنيا، فقالت بعض المصادر إنه وُلد في 12 يناير، وأخرى قالت: ولد في 13 يناير، والترجيح ليوم 13 يناير..

لا أحد أيضا يعرف أين وُلد، فمصادر تقول بالإسكندرية، وبقية المصادر، وهي المرجحة، تقول إنه وُلد في القاهرة.. والمصادر التي تقول إنه وًلد بالإسكندرية ربما استندت لكونه درس الموسيقى في معهد "ماريو زينو" الإيطالي بالإسكندرية على يد الموزع التاريخي أندريا رايدر، لكن أصحاب الرأي القائل بأنه وُلد بالقاهرة استندوا إلى أنه لا توجد لمنير ذكريات بهذه المدينة، أو ربما التبس الأمر على مروّجي ميلاده بالإسكندرية بينه وبين أبيه، المطرب الكبير في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، زكي مراد، الذي ولد وعاش مطلع شبابه بالإسكندرية.

كأننا نفتش عن إبرة في كوْمة قش!

نستكمل الغوص في بئر المعلوماتية العميقة عن منير مراد..

فهل فشل التوثيق إلى هذا الحد في الوصول لمعلومات صحيحة وحاسمة عن شخص مات في عام 1981 وكان ملحنًا لأهم مطربي مصر؟

بعض المصادر تقول إنه كان طالبًا فاشلًا في مدارس الخرنفش والليسيه الفرنسية ولم يجد في نفسه ميلًا للتعليم، فترك المدرسة وعمل في تجارة الجبن وأمواس الحلاقة والصابون، فيما تقول مصادر أخرى إنه أظهر تفوقًا في إتمام دراسته بالفرير الفرنسية وعمره لم يتجاوز 15 سنة، أما منير نفسه فيقول إنه حصل على البكالوريا، (شهادة الثانوية العامة)، من الكلية الفرنسية، وبعد إتمامه دراسة فيها، وهو ابن 17 سنة، انضم إلى استوديو مصر موظفًا، وتحديدًا في قسم الحسابات.



كأننا في رحلة بحث عن رجل عاش في القرون الوسطى، لا عن ملحن شهير وثّقته السينما المصرية وعالم الأغنية في النصف الثاني من القرن العشرين..

فهل فشل التوثيق إلى هذا الحد في الوصول لمعلومات صحيحة وحاسمة عن شخص مات في عام 1981 وكان ملحنًا لأهم مطربي مصر؟

شيء مثير للجنون بكل تأكيد..

المعلومات المتوفّرة عن منير متضاربة، كما أن أرشيفه في أي سجل للصحف التاريخية الكبرى وفي أي مكان للوثائق المصرية مقطوعة منه صفحات عمدًا، كأنه كانت هناك خطة لمحو أثر هذا الفتى النحيل الموهوب، بل المتعدد المواهب، الاستعراضي خفيف الظل صاحب الموسيقى المتطورة كمحمد عبد الوهاب وسيد درويش، وصاحب الصوت العذب، المؤدي الماهر لفن الاستعراض والتشخيص بشكل مذهل، والتي عاشت ألحانه، التي تجاوزت 3 آلاف، حتى يومنا هذا، بل هو الذي ينبئك بالموسيقى القادمة من القرن الحادي والعشرين قبل أن يسمعها، كأنه سمع ما نسمع الآن من مهرجانات وأغانٍ تشبه الزار بإيقاع صاخب يطارد الزمن بسرعة مُربكة..

منير من نوعية محمد فوزي، بل ربما يفوقه بتعدد مجالات مواهبه.. فهل دفع ثمن ولادته يهوديًا مثلما دفع الموسيقي الفلتة، "فوزي"، ثمن ولادته خارج حدود ثورة يوليو 1952؟

المعلومات المتوفّرة عن منير متضاربة، كما أن أرشيفه في أي سجل للصحف التاريخية الكبرى وفي أي مكان للوثائق المصرية مقطوعة منه صفحات عمدًا، كأنه كانت هناك خطة لمحو أثره.

لدينا في مصر قانون يسمى "قانون المجاملة"، فإن لم تصدر أوامر من السلطات العليا بحجب الأضواء عن فلان الفلاني، يقوم أحد المجاملين في المواقع التنفيذية الصغرى بطمس هذا الفلان ومحوه بإجراءات تطوعية منه لم يؤمر بها أبدًا.

فبعد قيام ثورة يوليو ببضع سنوات اعتزلت ليلى مراد، الشقيقة الكبرى لمنير، بعد بركان هجوم عليها لا أحد يعلم مصدره بأنها "تساند الصهيونية"، وبالتأكيد طالت منير شرر هذه الحمم، فتبرع أحدهم، وهم كثر، لتجنب الرجل.

لدينا في مصر قانون يسمى "قانون المجاملة"، فإن لم تصدر أوامر من السلطات العليا بحجب الأضواء عن فلان الفلاني، يقوم أحد المجاملين في المواقع التنفيذية الصغرى بطمس هذا الفلان ومحوه بإجراءات تطوعية منه لم يؤمر بها أبدًا.. "ملكيون أكثر من الملك ذاته".. ولا أبالغ إن تخيلتُ أن هذا حدث مع منير مراد.. فبعد قيام ثورة يوليو ببضع سنوات اعتزلت ليلى مراد، الشقيقة الكبرى لمنير، بعد بركان هجوم عليها لا أحد يعلم مصدره بأنها "تساند الصهيونية"، وبالتأكيد طالت منير شرر هذه الحمم، فتبرع أحدهم، وهم كثر، لتجنب الرجل.. فلا يظهر كضيف في التليفزيون كثيرًا.. يلحن نعم، لكن لا أحد يتتبع ألحانه.. لا يدخل في دائرة النجومية التي يستحقها بكل تأكيد.. لا تشمله دراسة فنية، هذه جريمة قتل مكتملة لواحد من الموهوبين المصريين، كتلك التي عاشها محمد فوزي بتحكم النظام السياسي ومزاجه في مسار الفن وأهله من منطلق تأميم الفنون وإخضاعها إلى قالب فارغ يردد نفس النغمة، ومن يخرج عن إطارها يطرد من رحمة الملك.

بلا جنسية عاش منير مراد.. حيث عاش بالقاهرة حاملًا تذكرة مرور دولية تجدد سنويًا، بعد تنازله عن الجنسية المغربية التي منحه إياها الملك الحسن الثاني في أثناء زيارة مع عبد الحليم حافظ، وتقضي تذكرة المرور هذه بضرورة سفر حاملها للخارج قبل انتهائها، وتم تداول المعلومة في إطار مصطلحات الهوية ومنحه جنسية، للإشارة من الباطن إلى أنه لم يكن مصريا..

بلا جنسية عاش منير مراد

ليكن.. ليس مصريًا.. ولعل هذه المعلومة قد رسمتها الأقدار ليتحول منير بالفعل إلى إنسان للكرة الأرضية، لا يخص مصر فقط ولا يخص أي هوية أو جنسية، فإن هؤلاء المغضوب عليهم، دون ذنب، يموتون وحيدين، دون صخب يخرجون من الدنيا التي ملؤوها سحرًا وحياة.. فبعد أيام قليلة من رحيل الرئيس السادات، يغادر منير مراد الدنيا بأزمة قلبية، وتنشغل مصر باغتيال السادات، ويخرج خبر رحيل منير عن الدنيا مقتضبًا لتكتمل أسطورة الغموض والمحو.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard