معاناة إسراء جعابيص تفضح ازدواجية المعايير في التعامل مع الأسيرات الفلسطينيات

الأربعاء 24 أبريل 201903:58 م

أعربت هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية، الاثنين 22 أبريل، عن قلقها الشديد إزاء الوضع الصحي الجسدي والنفسي للأسيرة الفلسطينية الجريحة إسراء جعابيص (34 عاماً) لكن ما كشفته أسرة إسراء ونشطاء حقوقيون لرصيف22 يستدعي قلقاً أكبر تجاه وضع إسراء وأوضاع سائر الأسيرات الفلسطينيات.

ووفق تقرير الهيئة، الذي نشرته وكالة الأنباء الفلسطينية “ وفا" الاثنين، فإن الأسيرة إسراء الموجودة في سجن "الدامون”، ساءت حالتها جراء الإهمال الطبي والألم المستمر نتيجة الحروق التي أصيبت بها في حريق شب بسيارتها قرب حاجز عسكري إسرائيلي في القدس المحتلة في أكتوبر 2015. وحمّل التقرير سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياتها.

ألم جسدي وآخر نفسي

تؤكد منى جعابيص، شقيقة إسراء، لرصيف22، أن معاناة إسراء مضاعفة مقارنةً بأي أسيرة أخرى تقبع في سجون الاحتلال، وأنها بحاجة عاجلة لثماني عمليات جراحية على الأقل، لتصبح قادرةً على ممارسة حياتها الطبيعية.

لا تستطيع منى تحديد أي الألمين أشد على شقيقتها، الجسدي أم النفسي، لكنها تكتفي بما ذكرته إسراء في المحكمة في وقت سابق بأن "ألمها مرئي". وتعتقد منى أن إسراء نفسها ربما يتعذر عليها تحديد أيهما أكثر وجعاً "حرمانها من طفلها الوحيد ومن حريتها وبُعدها عن أهلها، أو ألم الحرق حيةً وما ترتب عليه من تشوه جسدي أعجزها حتى عن قضاء حاجاتها البسيطة ورؤيتها تبدد سنوات شبابها في أسوأ وضع ومكان".

أما عن نجل إسراء، معتصم (9 سنوات)، فتوضح خالته أنه كان هادئاً جداً عندما اعتقلت والدته ولم يكن يتحدث عن مشاعره أو اشتياقه لأمه، غير أن المحنة غيرته وبات واعياً مدركاً لكل ما يحدث ويجيد التعبير كما لو كان كهلاً.

وتشرح منى أن معتصم رأى أمه لأول مرة بعد سنة وأربعة شهور من السجن. وانتظم في زيارتها قبل أن تمنعه سلطات الاحتلال من الدخول مرة أخرى، لتعود وتسمح له بالحضور ثم تمنعه مرةً ثالثة، حتى طلبت إسراء من الأسرة عدم تعريضه لمعاناة السفر ثلاث ساعات ذهاباً في الصباح الباكر ومثلها إياباً في المساء هذا دوناً عن مشقة الانتظار والإهانة عند التفتيش لأجل زيارة لا تتجاوز مدتها نصف ساعة يرى فيها أمه من خلف زجاج ويتحدث معها بالهاتف فقط.

من جهتها، توضح المحامية الفلسطينية عبير بكر، وهي ناشطة في مجال الدفاع عن الأسرى والأسيرات الفلسطينيات، لرصيف22 أن المحكمة الإسرائيلية رفضت منذ البداية استخدام "حق الرأفة" مع إسراء نظراً إلى حالتها الصحية الحرجة، رغم أنه عنصر مهم يجب أخذه في الاعتبار إذ زعمت المحكمة أن إسراء، "هي من فعلت بنفسها هذا وعليها التحمل"، وأن إدارة السجن لا تتعامل معها كحالة خاصة.

تعترف بكر بوجود إهمال طبي متعمد لجميع الأسرى والأسيرات بسجون الاحتلال، فالجراحة التي تتطلب شهوراً لإجرائها تؤجل سنوات طويلة. لكنها ترى أن حاجة الأسيرات الطبية لا تتوقف عند الرعاية الصحية بمفهومها التقليدي المتمثل في "علاج البدن"، مشيرةً إلى أن إسراء على سبيل المثال تتطلب علاجاً تجميلياً، وآخر نفسياً لإخراجها من "الاكتئاب" وهو ما لا تعترف به مصلحة السجون ولا توفره رغم خطورة الألم النفسي الذي قد يؤدي إلى انتحار.

وكان جنود الاحتلال أطلقوا النار على سيارة جعابيص بتاريخ 11 أكتوبر/تشرين الأول عام 2015، بالقرب من حاجز "الزعيّم العسكري"، ما أدى إلى انفجار أسطوانة غاز داخلها. اشتعلت النيران والتهمت أجزاء من جسد إسراء فأصيبت بحروق خطيرة أتت على 60% من جسدها، وفقدت 8 من أصابع يديها، وتشوه وجهها وظهرها. الأنكى أن الاحتلال اتهمها بأنها كانت تنوي تفجير الأنبوب في جنوده وحكم عليها بالسجن 11عاماً ورفض علاجها.

تنكيل بالأسيرات المقدسيات

تلفت بكر إلى أن إدارة السجن لا تتعامل مع إسراء على أنها مواطنة رغم أنها مقدسية ولها حقوق الرعاية الصحية كاملة، مبينةً أن هناك تشدداً يصل إلى حد التنكيل بالمقدسيات على وجه التحديد لدى ارتكابهن أي أعمال هجومية ضد إسرائيل. وسبق أن أعلن وزير الداخلية الإسرائيلي نيته سحب هوية جميع المقدسيين الذين قاموا بأعمال ضد إسرائيل أو إسرائيليين بعد تعديل قانون المواطنة. ورغم أن ذلك لم يحدث حتى الآن، يتوقع أن يدرج اسم إسراء بين من ستلغى هوياتهم.

وتؤكد شقيقة إسراء على ما قالته بكر، مضيفةً "صحيح أن إصابة إسراء هي الأشد لكن هناك أيضاً أسيرات مقدسيات أخريات يعذبن في سجون الاحتلال مثل نورهان عواد التي لا تزال لديها رصاصة مستقرة بالكبد ويرفض الاحتلال علاجها، ومرح بكير التي أطلق عليها 12 رصاصة في اليد اليمنى وتعاني إعاقةً بها، وملك سلمان وغيرهن".

وتتابع بكر: "هناك تمييز صارخ ضد الأسيرات الفلسطينيات من إدارة السجون التي تتجاهل أمومتهن بحرمانهن من لمس أطفالهن واحتضانهم والانفراد بهم في لقاءات مفتوحة وغرف مهيئة للعب، مثلما يتاح للسجينات الإسرائيليات حتى القاتلات منهن". وتشير بكر إلى أن بعض الأسيرات يشعرن بالذنب لعدم قدرتهن على لمس أبنائهن ويتملكهن شعور بأنهن، بما فعلن، سبب في هذا الحرمان وإن كن فعلنه باقتناع تام.

تدهورت حالة الأسيرة الفلسطينية إسراء جعابيص الجسدية والنفسية، لكن ما قالته أسرة إسراء ونشطاء حقوقيون وقانونيون لرصيف22 يستدعي قلقاً أكبر حيال وضع إسراء وسائر الأسيرات الفلسطينيات.
تؤكد المحامية الفلسطينية والمعنية بقضايا الأسرى والأسيرات الفلسطينيات عبير بكر، لرصيف22، أن الأسيرات "يعانين من تقاعس السلطات الفلسطينية وإهمال الأهل وتنكيل سلطات الاحتلال بهن".

تقاعس فلسطيني

لا تلقي المحامية الفلسطينية المسؤولية كاملةً على سلطات الاحتلال، بل تتهم كذلك المؤسسات والمنظمات الفلسطينية بالتقصير والتقاعس عن المطالبة بحقوق الأسيرات، وتقول: " هذه المؤسسات لا تقوم بعملها على أكمل وجه. تكتفي بتوكيل محامين يزورون الأسيرات ويقدمون تقارير تستنكر وتدين. لماذا لا يقدم هؤلاء المحامون دعاوى تطالب بحقوق الأسيرات في الرعاية الطبية والنفسية والتجميلية؟ وإن رفضت الدعاوى فستكشف على الأقل التعنت الإسرائيلي ضدهن وتؤلب الرأي العام العالمي على الاحتلال".

تضيف: "لا تزال الرعاية القانونية التي توفرها السلطات الفلسطينية والمنظمات المعنية بالأسرى قاصرة في التعاطي مع حقوق الأسيرات. أنا محامية وأعمل بالمجال وأعرف ما أقول".

ورداً على سؤال رصيف22 حول دور السلطات والمؤسسات الفلسطينية في تقديم الدعم أو المساعدة لإسراء أو أسرتها، قالت منى جعابيص: "لا تعليق".

ظلم مجتمعي وازدواجية المعايير

وعن دور الأسرة في دعم إسراء، تقول شقيقتها: "بالطبع تسعد باهتمامنا كثيراً. نجيد التمثيل، كلانا. نحن ندعي القوة حتى تستمدها منا، وهي على الجانب الآخر تكون بقمة الألم وتريد البكاء، وعوضاً عن ذلك تدعي القوة لنتقوى بقوتها. وقد تبادلنا الاعتراف بذلك ذات مرة". وتلفت إلى أنهم يزورونها، بحسب المسموح من إدارة السجون، مرة كل أسبوعين. تطلق منى تنهيدة عميقة وتقول: "كم أود لو أحطمه لأحتضنها ولو لبضع دقائق". كما تؤكد أن إسراء، برغم كل ما تعيشه، تشعر ببعض التعويض عندما نخبرها بحجم التعاطف معها وتقدير الأشخاص لما مرت به.

في المقابل، تجزم المحامية بكر، من خلال مشاهداتها وعملها على قضايا تخص العديد من الأسيرات، أن هناك ظلماً أسرياً ومجتمعياً يقع على الأسيرات الفلسطينيات، مبينةً أنه بعيداً عن "التعامل الإعلامي الذي يصور الأسيرات على أنهن مناضلات فإن المجتمع الفلسطيني لا يستقبل الأسيرات بشكل جيد، إذ لا يوفر لهن رعايةً أو اهتماماً. بل يخرجن من السجن إلى بيت مهدم ولا يجدن عملاً أو مورد رزق ولا يحصلن على مساعدة لاستعادة علاقتهن بأبنائهن".

وتضيف: "يحظى الأسرى الفلسطينيون باهتمام أكبر على الصعيد المجتمعي ومعاملة أفضل من إدارات سجون الاحتلال لأن أعدادهم أكبر وقوتهم وثقلهم السياسي خارج السجون أكبر، لذا يخافونهم والجميع يعمل لهم ألف حساب. لكنه يستخف بالأسيرات باعتبارهن ضعيفات.

يتضح ذلك جلياً، والحديث لا يزال لبكر، من خلال عدم تحرك أحد عندما تحرم العديد من الأسيرات من رؤية أطفالهن بالسجون، بينما يحارب أهالي بعض الأسرى للمطالبة بخلوة للأسير بزوجته، مضيفةً: "هناك أيضاً فرق كبير جداً بين زيارات أي زوج فلسطيني لزوجته الأسيرة، والتي قلما تحدث، مقارنة بالزوجة التي لا تفوت فرصةً لزيارة زوجها الأسير"، معتبرةً إهمال الأهل والأسرة زيارة بناتهن الأسيرات ظلماً مجتمعياً يضاعف جراحهن.

إهمال أسري

وتؤكد ميسم جلجولي، الناشطة الحقوقية ورئيسة منظمة نعمات المعنية بحقوق النساء داخل إسرائيل، لرصيف22، أن السلطات ووسائل الإعلام الإسرائيلية تستغل إهمال العائلات الفلسطينية بناتهن الأسيرات أسوأ استغلال، إذ تشيع أن جميع الأسيرات يقدمن على أعمالهن الفدائية هرباً من ظلم ذويهن لا حباً بالوطن، لتشويه صورة المناضلات من جهة، وثني الفلسطينيات الأخريات عن القيام بأعمال مماثلة من جهة أخرى.

لكن المحامية عبير بكر تختلف قليلاً مع جلجولي مؤكدةً أنها تعاملت مع بعض الأسيرات اللواتي اعترفن بأنهن معنفات أو تشوهت سمعتهن بسبب علاقات خاصة ورغبن في إصلاح سمعتهن، بتنفيذ أعمال فدائية مثل طعن الجنود الإسرائيليين عند نقاط التفتيش. وتردف: "يجب أن نعترف أن المرأة الفلسطينية مظلومة داخل المجتمع الذكوري الذي يدفعها أحياناً لليأس وتنفيذ أشياء رغماً عنها. هذا لا يعيبها أكثر ما يعيب مجتمعها الظالم والمتحيز ضدها".

وتضيف: "إسرائيل محتلة وتعمق معاناة الأسيرات، لا ننكر هذا. لكن لا بد أن نعترف بأن معاناة المرأة الفلسطينية شديدة وينبغي أن تتغير النظرة الفلسطينية للأسيرات قبل أن نتحدث عن تعنت الاحتلال ضدها".

أما عن دور سلطات الاحتلال في تعميق معاناة إسراء، فتقول شقيقتها منى "الاحتلال حقير ووحشي، كما يقول المثل المصري يقتل القتيل ويمشي في جنازته. حرقوها وتركوها بلا علاج وينكلون بها أيضاً".

وتشدد وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا" على أن الأسيرات الفلسطينيات يعانين، منذ لحظة اعتقالهن، الضرب والإهانة والسب والشتم، ثم التضييق عليهن في مراكز التحقيق بالضرب والحرمان من النوم ساعات طويلة والترهيب والترويع، مشيرةً إلى أن معاناتهن بالسجون تكون أبشع بـ"اقتحام غرفهن ليلاً، وتقديم وجبات طعام سيئة من حيث الكم والنوع، وحرمانهن من الحقوق الأساسية كالعلاج ونقص الفرش والأغطية، وعدم توفير إنارة جيدة وكافية".

وأفاد آخر إحصاء صادر عن مركز أسرى فلسطين للدراسات، نهاية 2018، بأن عدد الأسيرات الفلسطينيات بالسجون الإسرائيلية بلغ 56 موزعات بين سجنى هشارون والدامون، بينهن 9 مصابات بالرصاص وأوضاعهن الصحية سيئة. في حين تؤكد بكر أن العدد الحالي هو 58.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard