اليمنيّات في أقوى رسالةٍ مفتوحةٍ: لا تبيعوا السلاح للسعوديّة ثم تحاسبوننا على إنجاب الأطفال

الأربعاء 24 أبريل 201905:12 م

بعد مرور 4 سنوات تقريباً على واحدةٍ من أسوأ الأزمات الإنسانيّة التي حصلت في تاريخ البشريّة، تتحدّث امرأتان يمنيتان لصحيفة الغارديان البريطانيّة عن مسألة الإنجاب، وهاجس تأمين لقمة العيش لهنّ ولأطفالهنّ، أما السؤال الذي تطرحانه بحسرةٍ كبيرةٍ: ما هو المطلوب بالضبط فعله من الأشخاص الذين يعيشون في مناطق الصراع؟

وقد أثار تعليقٌ جارحٌ يدعو إلى ضرورة التوقّف عن الإنجاب في اليمن، في ظلّ عدم قدرة الأمهات على تغذية أطفالهنّ، حفيظةَ العديد من النساء اليمنيّات اللواتي قررن الردّ على هذه الانتقادات برسالةٍ مفتوحةٍ لعلّ أبرز ما جاء فيها أن الأطفال هم الأمل، وعوضاً عن توجيه أصابع الإتهام للأمّهات، فإن الأجدر فعله هو التوقّف عن تغذية وقود الحرب وبيع الأسلحة للمملكة العربيّة السعوديّة.


أسوأ أزمةٍ من صنع الإنسان

كشف تقريرٌ إخباري صدر في ديسمبر 2018 عن عمق الأزمة التي تجتاح اليمن.

يُظهر التقرير الذي عرض لأوّل مرةٍ في البرنامج التلفزيوني الأميركي PBS NewsHour الأمّهات وهنّ يراقبن الأطباء أثناء قياس أذرع أطفالهنّ، فيما يشرح المراسل التلفزيوني ما يحصل بالضبط: "عندما يتحوّل لون الشريط إلى اللون الأحمر، فهذا يعني أن الأطفال يعانون من سوء التغذية الحاد".

تعليقٌ جارحٌ

وفي حين أن لقطات التقرير كانت مروّعةً بالفعل، إلا أن المصوّرة "أميرة الشريف"، التي تتخذ من صنعاء مقرّاً لها، استفزّها تعليقٌ مهينٌ وَرَدَ على إحدى مواقع التواصل الاجتماعي، يتعلّق بانجاب الأطفال في اليمن، جاء فيه: "لماذا تستمرّ هؤلاء النسوة اليمنيّات في إنجاب أطفالٍ وهنّ يعرفن أنه ليس بوسعهنّ إطعامهم"؟

هذا التعليق الجارح أشعل الغضب في قلب المصوّرة والتي قالت لصحيفة "الغارديان": "ألا يكفي للتحالف المدعوم من المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركيّة والذي تقوده السعوديّة، أن يُحدث الموت والدمار في اليمن، والآن أصبح ممنوعٌ علينا أيضاً، نحن النساء اليمنيّات، أن نحضر روحاً جديدةً إلى العالم؟".


لماذا تستمرّ هؤلاء النسوة اليمنيّات في إنجاب أطفالٍ وهنّ يعرفن أنه ليس بوسعهنّ إطعامهم"؟

بحسب مشروع بيانات الأحداث وموقع النزاع المسلّح، فقد قُتل بصورةٍ مباشرةٍ أكثر من 60 ألف شخص، بمن فيهم الآلاف من المدنيّين الصغار والكبار، نتيجة الحرب التي اندلعت منذ العام 2016.

وفي الوقت نفسه، تقدّر منظّمة إنقاذ الطفولة أن 85 ألف طفل دون سنِّ الخامسة، من المحتمل أن يكونوا قد ماتوا بسبب الجوع الشديد أو المرض.

الأطفال هم الأمل

اعتبرت المصوّرة "أميرة الشريف"، التي لديها 12 من أبناء وبنات الأشقّاء في صنعاء، وهي العاصمة التي يسيطر عليها الحوثيّون، أن "الأطفال هم الحياة مقابل كلّ الذين قُتلوا في الحرب"، مشدّدةً على أن "الأطفال هم الأمل".

الآن أصبح ممنوعٌ علينا أيضاً، نحن النساء اليمنيّات، أن نحضر روحاً جديدةً إلى العالم؟

وخلال الأسابيع القليلة التالية، جمعت "الشريف" مجموعةً من الصور الفوتوغرافيّة حول موضوع الأمومة، حيث اصدرت مجموعة Mothers Being Mothers والتي تتداخل فيها مشاهد النساء اليمنيّات اللواتي يحتضن أطفالهنّ، مع تلك الميليشيات المدعومة من الإماراتيّين، أو رجال الميليشيات المنحازة لإيران، وهم يشهرون أسلحتهم.

الأطفال هم الحياة مقابل كلّ الذين قُتلوا في الحرب

وفي إحدى الصور تظهر مجموعةٌ متماسكةٌ من الأطفال المبتسمين والملتصقين ببعضهم، ومن خلفهم مشهد لمدينة صنعاء قبل 6 سنوات من قصف التحالف الذي تقوده السعودية بدعمٍ من الولايات المتحدة الأميركيّة والمملكة المتحدة لحيّهم.

وفي صورةٍ أخرى، يظهر فتى وهو يُسقط ريالاً يمنياً في الفم المجوّف لنموذج من الورق المقوّى، يصوّر الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك "بان كي مون" خارج مكاتب الأمم المتحدة في صنعاء، مع العلم أنه في ذلك الوقت وتحديداً في يونيو 2016، كان "بان كي مون" قد أخرج اسم المملكة العربية السعوديّة من قائمة الأمم المتحدة السوداء لقتلة الأطفال.

رسالة قويّة بوجه النفاق

عندما ظهرت مجموعة Mothers Being Mothers، كشفت "إلهام حسن"، وهي كاتبة تقيم في صنعاء، وأمٌّ لثلاثة أطفال وزميلة أميرة الشريف منذ فترةٍ طويلةٍ، عن هواجسها وتساؤلاتها:"ما المطلوب من الناس الذين يعيشون في مناطق الحروب؟".

وعلى غرار ما فعلته سلسلة الصور المؤلمة التي التقطتها أميرة الشريف، فقد هاجمت "حسن" المنطق الراسخ للغرب وخاصّةً "النفاق المُميت" لقادة العالم، مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة، اللتين تقدّمان من جهةٍ المساعدة لليمن المنكوب، وتبيعان الأسلحة للتحالف الذي تقوده السعوديّة من جهةٍ أخرى.

وهكذا قامت كل من "إيل كورانسيد"، وهي كاتبة مقيمة في القاهرة، و"أميرة الشريف" و"إلهام حسن"، بتوجيه رسالةٍ مفتوحةٍ بعنوان "التوقّف عن الحياة والاستسلام للحرب".

جاء فيها ما يلي:

"لماذا نستمرّ، نحن النساء اليمنيات، في إنجاب أطفالٍ نعرف أننا سنعاني لإطعامهم؟ أوّلاً، نحن نفعل الشيء نفسه الذي تفعله النساء في جميع أنحاء العالم: أن يكون لدينا عائلات.

قولوا لنا، ما المطلوب من أناسٍ يعيشون في مناطق الحرب؟ التوقّف عن العيش والاستسلام للحرب؟ أن ندفن أنفسنا أحياء لأن أحداً منا لا يعرف متى ستنتهي الحرب؟ المستفيدون من الحرب -أولئك الذين يبيعون الأسلحة- هم الذين يعرفون، وعندما يشعرون بالاكتفاء، فربما يشعر أطفالنا حينها بذلك أيضاً.


في الشمال الذي يسيطر عليه الحوثيّون، حيث أعيش أنا والملايين من اليمنيين، رأينا أسوأ حربٍ اقتصاديّةٍ تشنّها حكومة بلدنا المدعومة من السعوديّة. انهارت العملة، ولا يتمّ دفع رواتب الموظفين المدنيين. الغذاء والدواء إمّا مكلفين للغاية أو نادرين. الغارات الجويّة والحصار والظلام.

إذا كان المستفيدون -القوى الدوليّة- يعتقدون أنهم ليسوا المسؤولين عن إطعام الأطفال اليمنيّين، فهم يتحمّلون مسؤوليّة تجويعهم بطريقةٍ أو بأخرى. (كانت اليمن بالفعل واحدةً من أفقر دول العالم قبل الحرب الكارثيّة والإجراميّة، والمجاعة الجماعيّة، وأكبر وباء كوليرا في التاريخ المسجّل).

تماماً مثل الأمّهات في جميع أنحاء العالم، نشعر بالسعادة عندما يأكل أطفالنا ونشعر بالقلق عندما لا يفعلون ذلك. نحن أيضاً نريد لأطفالنا أن يتمتّعوا بالصحّة ويستمرّوا في النمو، نريدهم أن يعيشوا، ولكن الحرب تعقّد ذلك. يعاني معظم الأطفال اليمنيين من فقدان الشهية بسبب نقص الغذاء، أجسادهم هزيلة. نعم، نحن الأمّهات اليمنيّات نعرف أننا نخذل أطفالنا، لكننا نعرف أيضاً أن القوى الدوليّة تخذلنا.

للأسف، يصيبنا الفشل مراراً وتكراراً: اليمنيّون الصغار والكبار الذين يتألّمون -يبكون في ألمٍ- لا يمكنهم العثور على الدواء. تُرسل الأمّهات صوراً لأطفالهنّ المرضى أو الجرحى لأشخاصٍ يقطنون الأحياء التي يعشن فيها، ويطلبن المساعدة في تحديد مكان الدواء وشرائه.

لا يمكنهنّ تحمل تكلفة حقنةٍ واحدةٍ لتخفيف آلام أولادهن، ناهيك عن إجراء عمليّةٍ لمساعدة بناتهنّ على المشي.

نحن الأمّهات اليمنيّات نعرف أننا نخذل أطفالنا، لكننا نعرف أيضاً أن القوى الدوليّة تخذلنا

سوف تقولون لنا "طالما أنكنّ تعشن في بلدٍ فقيرٍ حيث الغذاء والدواء بعيدا المنال، فلا تنجبن أطفالاً"، لكن الحقيقة المؤلمة هي أن رفاهية حياة أطفالكم تعتمد كثيراً على بؤس حياة أطفالنا. لذا نسألكم: "لماذا تعمل القوى الدوليّة على تجويع أسرنا؟"، هل لأن حكوماتكم تواصل بيع الأسلحة للتحالف السعودي، والتي تُستخدم لتشويهنا وقتلنا؟ هل لأن (المملكة) تدفع للعالم لإلتزام الصمت؟

إن قصّة الحرب لا تدور حول أن الحوثيين يريدون السيطرة على اليمن- كلا، إنها القوى الدوليّة التي تُجوِّع اليمنيين.

الحقيقة المؤلمة  أن رفاهية حياة أطفالكم تعتمد كثيراً على بؤس حياة أطفالنا. لذا نسألكم: "لماذا تعمل القوى الدوليّة على تجويع أسرنا؟"، هل لأن حكوماتكم تواصل بيع الأسلحة للتحالف السعودي، والتي تُستخدم لتشويهنا وقتلنا؟ هل لأن (المملكة) تدفع للعالم لإلتزام الصمت؟

وفي حال سألتم مجدداً: "لماذا تستمرّّالنساء اليمنيات في إنجاب الأطفال؟" حينها سنردّ عليكم: "لماذا تستمر القوى الدوليّة في شنّ الحرب؟".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard