الأُمِيّة…وجهُ إيران الخفيّ

الثلاثاء 23 أبريل 201906:35 م

9 ملايين أمّي في إيران، هذا ما أقرّ به مركز أبحاث البرلمان الإيراني في تقرير حديث له صدر منتصف أبريل الجاري. غير أن الرقم مختلف عن أرقام البنك الدولي التي تشير إلى أن عدد الأميين في إيران يتجاوز 11.6 مليون أمّي فيما تقول اليونسكو إن 2٪ من شباب إيران دون سن الـ24 هم أميون.

يقول مراقبون في إيران رافضين الكشف عن أسمائهم إن وجود شخص أمّي بين كل 9 إيرانيين في مطلع القرن الواحد والعشرين "يعكس جزءًا من سياسات النظام الإسلامي الذي تغريه الفئات الجاهلة وتحافظ على بقائه في الحكم”.

المفارقة أن تصور الأفلام والروايات الإيرانية لقطات من المجتمع الايراني في نهاية القرن التاسع عشر تعكس مدى تعطشه للقراءة والثقافة حيث يجتمع الشبان والكهول في مقاهي العهد القاجاري حول شخص واحد يقرأ لهم “صفحة الأخبار" ما عرف لاحقاً بالصحف. كلهم آذان صاغية لِما يُقرأ على مسامعهم والجميع يرغب في أن يكون هو معلم المدرسة وقارئ القرآن. فيما تصور الأفلام كيف مُنعت الفتيات من التعليم فبقين في البيوت للاعتقاد بأن القراءة ليست للنساء.

مضى قرن وأكثر على هذه المشاهد البيضاء والسوداء، لتحل محلها مشاهد بالألوان تصور الجامعات الإيرانية المكتظة بالطلاب والطالبات القادمين من كافة المدن الإيرانية. تتفوق هذه الجامعات في أبحاثها وفروعها على نظيراتها في الدول المجاورة، إلا أن هذا التفوق والتقدم العلمي يبدوان غير ممنهجين ولا ينعكسان بشكل عادل على المناطق الريفية.

يتبادل الإيرانيون على مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات لمعلمين قطعوا مسافات شاسعة لتعليم الأطفال في قرية نائية، يتفاخرون بـ "بطل" ما ويشجعون عمله لكن الواقع أن الفساد في وزارة التربية والتعليم الإيرانية هو ما يجعل الوصول إلى هذه المدارس مغامرة شخصية غير مدعومة حكومياً. يقول محمد صادقي (30 سنة) لرصيف22 وهو معلم في قرية نائية جبلية في أذربيجان الشرقية إنه يصرف معظم راتبه على ترميم المدرسة فلا أحد يهتم بتعليم التلاميذ هناك.

فيما تسجل سنوياً حالات احتراق عشرات التلاميذ في المدارس الإيرانية النائية، ما يثني القرويين عن إرسال أطفالهم إلى المدارس خوفاً على سلامتهم.

يقول مراقبون إن الفساد الحكومي وعدم توفر المعلمين المتطوعين للذهاب إلى المناطق النائية لانعدام الامكانيات يقودان رأساً إلى ارتفاع نسبة الأميّة بين الشباب والمقدرة اليوم بـ 2 % من الشبان دون سن الـ 24 .

9 ملايين أمّي في إيران، هذا ما يقرّ به مركز أبحاث البرلمان الإيراني في تقرير حديث صدر منتصف أبريل الجاري.  كيف تعكس الأميّة وَهَنَ النظام الإيراني؟ وكيف تساهم بالوقت ذاته في إبقائه في الحكم؟

الطبقية والمناطق المحرومة

لا يمكن الجزم بأسباب إهمال طهران المتعمد للمناطق الحدودية والنائية ، فأغلب الحوادث الأمنية التي شهدتها إيران حدثت على حدود تعرف ظروفاً اقتصادية واجتماعية مختلفة جداً عن أوضاع مدن الداخل. وتحتل المحافظات الحدودية الخمس (سيستان وبلوشستان، كردستان، أذربيجان غربي، لرستان، اردبيل) مقدمة المناطق التي تعاني من الأميّة المطلقة، فظروف التعليم والعمل في هذه المناطق سيئة ما تسبب بتغلغل الجهل بين السكان. وإلى جانب النسبة العالية للأمية المطلقة في هذه المناطق فإن تدني مستوى التعليم بها وعدم وجود فرص عمل لحاملي الشهادات زادا من انتشار المشاكل الاجتماعية كالإدمان والسرقة والتهريب.

وجود ما بين 9 إلى 11 مليون أميّ في إيران من أصل 81.16 مليون نسمة يحمل مدلولات كثيرة سياسية واجتماعية. اتساع الفوارق الطبقية في إيران الأعوام الأخيرة لعب دوراً هاماً في هذه الاحصائيات، فالأمية لا تقع على عاتق الأفراد في المناطق النائية فقط بل يتحمل مسؤوليتها التوزيع غير المتكافئ للثروات.

دور الحوزات الدينية

ترفع الحوزات الدينية في “قُم" شعارات مختلفة لتشجيع العلم مستندة إلى التعاليم الإسلامية إلا أن عدداً من خريجي هذه الحوزات ممن يتم تعينهم في مساجد البلاد يعملون على تشويه بعض مظاهر التعليم ويزرعون الخوف من ذهاب الفتيات إلى الجامعات وخروجهن إلى المدن الكبرى، يقول بعض الإيرانيين. إلى جانب ذلك، يسعى بعض رجال الدين إلى التشجيع على الزواج المبكر وإنجاب الأطفال على حساب التعلم، ما يسفر عن انتشار أكبر للأمية في الأوساط التقليدية التي تُصغي لما يقوله وعاظ النظام.

يتهم بعض المراقبين في إيران الحكومة بالإبقاء على هذه الطبقة الفقيرة لاستغلالها في حروبها، فالأمية “مغرية” للنظام الإيرانيّ يمكن استغلالها حين يرغب بتجنيد فئات من الشعب لقضية ما، فيما يقدم التطور العلمي وجهاً آخر لإيران يصورها كدولة عصرية تستعرض انجازاتها على الساحةالدولية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard