بعد الجزائر والسودان: لماذا يعتقد بعضنا أن مصر مركز العالم؟

الأربعاء 24 أبريل 201911:15 ص

أتذكّر حين اندلعت شرارة الثورة منذ ثماني سنوات، كان والدي يجادل بأن مصر مستهدفةٌ ويتآمر عليها الشرق والغرب، محذِّراً من مصير العراق - كان ذلك قبل أن تكون فزّاعة المصير السوري والليبي قد ظهرت- فالأتراك يريدون عودة الخلافة العثمانيّة، والإيرانيّون يريدون نشر التشيّع في مصر، والأمريكان هم الشيطان الأعظم.

منذ 2011 وعلى مدار السنوات الماضية، لم تتوانَ المنصّات الإعلاميّة التقليديّة ومنصّات التواصل الاجتماعي، عن ترديد مقولة المؤامرة الكونيّة على الدولة المصريّة، ومخطّطات الأعداء لتقسيم مصر، ومن أجل ذلك تمَّ استخدام خطابات التحريض والكراهية ضدَّ الجميع بلا استثناء، ضدَّ كلّ من له رأي مخالف للرأي الرسمي للأجهزة الأمنيّة، ولكن السؤال هنا كيف يرى المواطن المصري ويُدرك ذاته بالنظر إلى العالم من حوله؟

 إن فكرة القوميّة المصريّة ليست وليدة لحظة معيّنة

في حقيقة الأمر، إن فكرة القوميّة المصريّة ليست وليدة لحظة معيّنة، ولم تكن بالاقتراب المفاجئ الذي ظهر على الفضاء الاجتماعي دون تفاعلات سابقة، حيث يتكوّن خطاب الوطنيّة المصريّة الحالي، من مجموعةٍ من المتغيّرات التي تبلورت بشكل أكثر فاعليّة، إبّان الإطاحة بجماعة الإخوان المسلمين من الحكم، واستلام الجيش مقاليد الأمور، حيث دأب رموز الإعلام المصري وأساتذة العلوم السياسيّة المحسوبون على الدولة، على التنظير لهذه الفكرة التي تدور حول نقطتين رئيسيّتين: الأولى حكم الشعب من خلال الوصاية عليه، لأن الشعب معرّض لأن يُغرَّرَ به من قبل أعداء الدولة، الثانية أن مصر تتعرّض لمؤامرةٍ دائمةٍ منذ فجر التاريخ، وأننا مركز هذه العالم، وبالتالي هناك عدو دائم يرغب في إسقاط الدولة والسيطرة على مقدرات الشعب، ويستخدم أدوات تختلف من زمنٍ لآخر.

الأسباب التاريخيّة

تعود فكرة حكم الشعب من خلال الوصاية عليه للعهد الناصريّ في الخمسينيات والستينيات - عبّر عنها عبد الناصر في فلسفة الثورة ومن خلال خطاباته للجماهير- والتي سيطرت على الأفكار التي يتمُّ الترويج لها لدى الفاعلين السياسيّين والمحسوبين على الدولة. تعبّر هذا المقاربة عن قناعةٍ لدى أصحابها، بأن الشعب ليس لديه الوعي الكامل والكافي الذي يمكّنه من حكم نفسه، أو التحكّم في مصيره أو مصير الدولة، فهو- الشعب- لم يكن يعلم بالحقائق التي تمكّنه من أن يحكم، وعبّر عبد الناصر عن ذلك بأنه والضبّاط المؤيدين له أصدق تمثيلٍ للشعب من أيّ طرف آخر، وبالتالي فإن تمثيل الجيش للشعب هو بحدّ ذاته معيار مصلحة الشعب، أما من يرفضها من القطاعات، فهو لا يمثّل الشعب، زاد أم قلّ.

يقول الكاتب والباحث المصري، شريف يونس، في كتاب الزحف المقدّس:" المشروع السياسي كما يقرّر عبد الناصر هو تربية الشعب على العزّة والكرامة والحرية من ناحية، وحماية ذهنه من ناحية أخرى، والسلطة ليست حقّاً للشعب، بل أمانةً ائتمن الضبّاط أنفسهم عليها لحين الانتهاء من تربية الشعب ليصبح أهلاً لحملها، وبهذا أصبح مطلوباً تشكيل شعبٍ جديدٍ واحدٍ متحدٍ خلف الضبّاط، بفعل تحكّم السلطة في المجال السياسي والأيديولوجي"

 يدرك بعض المصريين طبيعة وجودهم وعلاقاتهم بمحيطهم الإقليمي والعالمي، من خلال فكرة الاستهداف الدائم والمؤامرة المستمرّة التي تحاك من قبل الأعداء لتدمير مصر.

في حقيقة الأمر، إن افتراض وجود كيان سياسي موّحد ومتجانس اسمه الشعب، يحلّ مباشرة في إرادة واحدة هي إرادة الضباط، يُعتبر خيالاً سياسيّاً، ليس فقط لأن الشعب ينقسم بالطبيعة إلى طبقاتٍ وفئاتٍ اجتماعيّةٍ مختلفةٍ ومتصادمة، ولكن لأن فكرة المصلحة العامة تنقسم أيضاً هي الأخرى، وفقاً لتصوّرات هذه الفئات المختلفة، بما يستحيل اختزالها إلى مفهوم الشعب المصمت الذي طرحه جمال عبد الناصر، أي أنه كان يتحدّث عن فكرة الشعب باعتباره كياناً واحداً، بغضّ النظر عن اختلافاته المتنوّعة، حتّى بالعادات والتقاليد، وكأنه كتلة واحدة.

الأمر المثير للاهتمام حقّاً، هو تلك الشواهد التي تقرّر باقتناعِ فئاتٍ واسعةٍ من المصريين، بفكرة أن الشعب غير مؤهّلٍ لأن يحكم، أو غير مؤهّلٍ للديموقراطيّة، كما عبّر عن ذلك اللواء عمر سليمان بعد أيامٍ قليلةٍ من تنحّي مبارك عن السلطة في فبراير 2011، حيث أنه كثيراً ما ردّد مقولات مثل: "الشعب ده مايجيش غير بالحديد والنار، ده شعب عايز اللي يشكمه"، وغير ذلك مما يتردّد في المقاهي العامّة وجلسات الأصدقاء، وبالطبع في الحوارات النخبويّة في وسائل الإعلام خاصّة بعد 2013.

المؤامرة الكونيّة: اختراع عدوٍّ كمبرّرٍ للوجود السياسي

الأمر الثاني الذي يدرك من خلاله بعض المصريين، طبيعة وجودهم وعلاقاتهم بمحيطهم الإقليمي والعالمي، هو فكرة الاستهداف الدائم والمؤامرة المستمرّة التي تحاك من قبل الأعداء لتدمير مصر، حيث يؤمن عددٌ كبيرٌ من المصريين بأن بلادهم تتعرّض للمؤامرات الدائمة، فالبعض يعتقد أن "الغرب المسيحي" يتآمر على مصر باعتبارها أهمّ بلاد "الإسلام"، والبعض الآخر ممن يؤمن بدور مصر في محيطها الإقليمي الشرق الاوسطي، يعتقد بالمؤامرة التركيّة أو الإيرانيّة على مصر باعتبارهما "المنافسين الأكثر شراسة" على حسب تلك الرواية، إلا أن العدوّ الجديد بعد 2013 هو الإسلام السياسي، أو كما هو محبّب لدى الإعلام الرسمي وصفه بـ"الإرهاب".

يمكن لنا أن نجادل بأن فكرة اختراع العدوّ، والتي تمكّن السلطة الرسميّة من تبرير منطق وجودها الطبيعي، ليس هو الآخر بالأمر الجديد، فكما حارب عبد الناصر الاستعمار، أراد السادات محاربة الشيوعيّين، وأطلق مبارك حرباً على "الفوضى وعدم الاستقرار"، فإن البعض الآن يحارب الإرهاب الديني ويضع شبح إسقاط الدولة بمثابة عدوٍّ دائمٍ، يُستخدم كمبرّر لوجود السلطة السياسيّة الحاليّة، بكلّ ما تحمله من معتقدات اجتماعيّة وسياسيّة.

دأب رموز الإعلام المصري وأساتذة العلوم السياسيّة المحسوبون على الدولة، على التنظير حول نقطتين رئيسيّتين: حكم الشعب من خلال الوصاية عليه، وأن مصر تتعرّض لمؤامرةٍ دائمةٍ منذ فجر التاريخ.

إن افتراض وجود كيان سياسي موّحد ومتجانس اسمه الشعب، يحلّ مباشرة في إرادة واحدة هي إرادة الضباط، يُعتبر خيالاً سياسيّاً، ليس فقط لأن الشعب ينقسم بالطبيعة إلى طبقاتٍ وفئاتٍ اجتماعيّةٍ مختلفةٍ ومتصادمة، ولكن لأن المصلحة العامة تنقسم أيضاً هي الأخرى.

فما أن استطاع الحراك السياسي في كلّ من الجزائر والسودان من تحقيق انتصاراتٍ أولى، حتى بدأ البعض بالتحذير من السيناريو المصري، يعلّق على الحدث من أعلى ويعطي الآخرين خلاصةَ الحكمة، دون النظر إلى قراءة الموقف الاجتماعي والتاريخي لكلا البلدين.

التجربة المتفرّدة "المجهضة"

ينظر العديد من الناس للتجربة المصريّة فيما بين عامي 2011-2013 والنهاية التي آلت إليها الديمقراطيّة الناشئة بعد ثورة يناير، من منطلق أنه لم يكن بالإمكان أفضل مما كان، وأن تلك المآلات هي حتميّة بطبيعة الحال، من خلال ذلك الفهم ننظر نحن المصريّون إلى ثورات وانتفاضات الجيران في المحيط الإقليمي، بعينٍ من الريبة من ناحية، وبعين العجوز الحكيم الذي مرّ بالتجربة ولديه ما يجب عليك أن تسمعه من ناحية أخرى، حتى لا تقع في نفس الأخطاء.

فما أن استطاع الحراك السياسي في كلّ من الجزائر والسودان من تحقيق انتصاراتٍ أولى، من خلال إسقاط بوتفليقة وعمر البشير، حتى بدأ البعض بالتحذير من السيناريو المصري، الجميع يحذّر، يعلّق على الحدث من أعلى ويعطي الآخرين خلاصةَ الحكمة، دون النظر إلى قراءة الموقف الاجتماعي والتاريخي لكلا البلدين، ودون النظر في أسباب ما آلت إليه الأمور في مصر، والتعلّم من أخطائنا حتى لا نكرّرها، بدلاً من إسداء النصح للآخرين، ونتيجةً لذلك، كان لا بدّ من إسقاط السيناريو المصري على الجميع، حتى تسير الحكاية كما قُدِّر لها أن تُروى.

من زاوية أخرى: كيف يرانا الآخرون؟

يُقال إنك إن أردت أن تعرف طبيعتك، عليك أن ترى نفسك في مرآة الآخرين، وصورة الشعوب والمجتمعات ليست بعيدة عن ذلك. تُذكر مصر باعتبار أنها ذلك البلد الكبير في محيطه الإقليمي المحكوم من قبل القوّات العسكريّة، ويُسيطر فيها الجيش على مقاليد السياسة والاقتصاد والإعلام، فيها قوّة سياسيّة مدنيّة ضعيفة ومتصارعة فيما بينها، الشارع المصري لدى الآخرين هو فضاء عام تزداد به معدّلات التحرّش والباعة المتسوّلين، الأغنياء في مصر معزولون ومحاطون بالفقراء، مصر يُنظر إليها كدولة في حربٍ، ليست ناجحة، ضدّ الإرهاب، ينتشر صيت مصر في الخارج أيضاً من خلال أنها تمتلك إعلاماً يتبنّى قضايا مثل: الماسونيّة العالميّة وحروب الجيل الرابع والخامس والمؤامرات، يُعرف عن مصر أن كرة القدم فيها دون جمهور، بعد أن تعرّض هذه الجمهور فيها للقتل بين الحين والآخر.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard