كأن تكون مثلياً مُرتاحاً لحريق كنيسة... ماذا عن تقاطعيّة القضايا التي نُناصرها؟

الاثنين 22 أبريل 201901:46 م

عندما اندلع الحريق في كاتدرائية نوتردام في باريس الأسبوع المنصرم، تعدّدت ردّات الفعل عالمياً. عبّرت الغالبية عن استيائها وألمها لرؤية النيران تأكل هذا الإرث التاريخي والديني والثقافي العريق، في حين كان هناك عدد من الأشخاص، خاصة ناشطين وناشطات على مواقع التواصل الاجتماعي، عبّروا عن فرحهم، أو على الأقل عدم حزنهم، لاحتراق هذا المعلم التابع لمؤسسة دينية لطالما كرّست فكرة التمييز والاضطهاد وممارستهما ضد أقلّيات لأسباب تتعلّق بالدين والطبقة الاجتماعية والميول الجنسية أو الهوية الجندرية، خاصة في الحقبة التي سبقت الثورة الفرنسية.

تحثّنا الآراء المختلفة التي نشرها ناشطون وناشطات، خاصة الذين يرتكز نشاطهم على مناصرة قضايا الهوية الجندرية والميول الجنسية، على التفكير في تقاطعيّة القضايا التي نُناصرها وإلى أي مدى يمكننا عزل الواحدة منها عن الأخرى، وإذا كان بإمكاننا الاحتفاء بدمار معلمٍ يحتضن الكثير من التاريخ لكونه يُكرّس تاريخاً قمعياً.

والتقاطعيّة نظرية اجتماعية تصف التهديدات المتعدّدة التي يمكن أن يتعرّض بسببها الأشخاص للتمييز بحسب تنوّع مكوّنات هويتهم الاجتماعية مثل العرق والعمر والطبقة الاجتماعية والهوية الجندرية والميول الجنسية والخلفية الثقافية وغيرها، وقد تمّ استخدام هذا مصطلح للمرّة الأولى عام 1989 من قبل العالمة والناشطة الحقوقية كيمبرلي كرينشو.

في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل عام، لا يزال النضال لإحقاق التوازن الجندري والحقوق الجنسية طويلاً بالرغم من الانتصارات الصغيرة التي شهدناها مؤخراً، في لبنان بشكل خاص، تحديداً مع الظهور المتكرّر والمكثّف لهذه القضايا في وسائل الإعلام العربي خلال السنوات الأخيرة.

مع ذلك، لا يزال مبدأ التقاطعية غير رائج، إذ تُطرح القضايا متفرقة في غالبيّة الأحيان. على سبيل المثال، لطالما طُرح موضوع حقوق المرأة بمعزل عن الكثير من الحقوق الأخرى، كما طُرح موضوع حقوق مجتمع الميم بمعزل تام عن القضايا التي قد تترابط معه من نواحٍ متعدّدة.

يتجّه الإعلام، ومعه ناشطون وناشطات في أحيان كثيرة، إلى التركيز على القضايا بمعزل عن بعضها، وقد يكون سبب ذلك تركيز الكثير من الناشطين والناشطات على القضايا التي تعنيهم مباشرة، دون الاهتمام دائماً بقضايا أخرى قد تساهم في خلل التوازن في المجتمع من زاوية أخرى، لكنها لا تمسّهم بشكل مباشر.

مع ذلك، خلال السنوات الأخيرة، بدأ انعزال القضايا بعضها عن بعض ينحسر شيئاً فشيئاً، فرأينا العديد من القضايا تترابط بالمبدأ وبالنضال كترابط قضايا حقوق النساء وحقوق العاملات الأجنبيات وحرية التعبير وحقوق مجتمع الميم وبعض الحقوق البيئية ومحاربة القمع القانوني والفساد الإداري.

تحثّنا الآراء التي احتفت بحريق نوتردام ونشرها ناشطون وناشطات يناصرون قضايا الهوية الجندرية والميول الجنسية على التفكير في تقاطعيّة القضايا التي نناصرها وإلى أي مدى يمكننا عزل الواحدة منها عن الأخرى... فلماذا يُعتبر مبدأ التقاطعيّة مهماً؟
عندما نطرح قضايا مجتمع الميم والحقوق الجندرية، علينا الأخذ في الاعتبار المكوّنات الاجتماعية كافة... فالتقاطعية تسهم في تقديم العديد من القضايا كمجموعة لا تتجزأ من الحقوق، وهي أكثر إشراكاً لجميع مكوّنات المجتمع

بناء على ذلك، صار ربط هذه القضايا في الوسائل الاعلامية أكثر مرونة. بالتالي، أصبح أسهل على وسائل الإعلام طرح مواضيع حساسة كان يعتبرها المجتمع "تابو" أو من المفترض طرحها عند ربطها بقضايا أخرى، وباتت تلقى ترحيباً أكبر عند عدد كبير من الأفراد، كربط الحقوق الجنسية للنساء بالعنف القائم على النوع الاجتماعي وموضوع تزويج القاصرات.

في لبنان مثلاً، عام 2018 خلال مسيرة اليوم العالمي للمرأة، سجّل هذا اليوم الظهور العلني الأوّل لمجموعة من النساء العابرات جنسياً أو جندرياً كجزء لا يتجزّأ من المجموعات النسائية الأخرى المشاركة بالمسيرة.

كان ذلك تعبيراً صريحاً عن هذه التقاطعية التي تجمع عدة فئات مهمّشة بسبب هويتها الجندرية أو ميولها الجنسية. على نحو مماثل، تم استخدام شعار "#ضد_القمع" مرتين في لبنان عام 2018، المرة الأولى خلال اعتصام مجموعة من الصحافيين والصحافيات ضد الاستدعاءات التي يتعرّضون لها من قبل جهات أمنية، والمرة الثانية عندما جرى إلغاء مؤتمر يطرح مواضيع متعلّقة بالجندر والجنسانية ومجتمع الميم خلال مؤتمر صحفي نظّمته "المؤسسة العربية للحريات والمساواة".

واللافت هنا، على سبيل المثال لا الحصر، مشاركة العديد من الناشطين والناشطات حول قضايا الجندر والجنسانية في الاعتصام المُناصر لحرية التعبير، ومشاركة العديد من الصحافيين والصحافيات والمؤسسات التي تُعنى بحرية التعبير في المؤتمر الصحافي المدافع عن حق التعبير لمجتمع الميم والمُناصرين له.

يبدو مبدأ التقاطعية مهماً بالتحديد عندما نُقيّم مستوى القمع الذي يتعرّض له الأشخاص من جهة، والامتيازات الاجتماعية التي يتحلّى بها الأشخاص من جهة أخرى.

على سبيل المثال، مع الأخذ في الاعتبار خصوصية الأفراد وهوياتهم الاجتماعية التي لا يُمكن تعميمها على الجميع، يمكن اعتبار التمييز التي تتعرّض له النساء اللبنانيات المقيمات في لبنان أقلّ شدة من التمييز التي تتعرّض له اللاجئات السوريات في لبنان، وقد يكون القمع الذي يتعرّض له شاب مُثلي الجنس من بيئة محافظة في لبنان أكثر شدّة من القمع الذي تتعرّض له امرأة محجبة سمراء البشرة من بيئة منفتحة نسبياً.

بالتالي، فعندما نطرح قضايا مجتمع الميم والحقوق الجندرية، علينا الأخذ في الاعتبار المُكوّنات الاجتماعية كافة لتقييم الوضع القائم.

وتُسهم التقاطعية في طرح المواضيع الحقوقية، على الأقل في وسائل الإعلام، في ربط العديد من القضايا ببعضها ببعض إذ تظهر هذه القضايا مجموعة لا تتجزأ من الحقوق التي لا يمكن تحقيق الواحدة منها من دون الأخرى، كما أنها أكثر إشراكاً لجميع مكوّنات المجتمع إذ تحثّ الأفراد كلهم، بغض النظر عن هويتهم الجندرية أو ميولهم الجنسية، للشعور بأنهم معنيّون بالتغيير وأن تفكيك المنظومة القمعية القائمة من مسؤوليتهم، حتى لو لم تكن جميع ممارسات هذا المنظومة تطالهم مباشرة.  

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard