قابلتُ "ماما" في "شارع الهوى" بالفلبّين

الأحد 5 مايو 201907:06 م

الأضواء حمراء ساطعة، والموسيقى صاخبة تعلن عن بدء الحياة الليليّة، والحانات تصطفّ بالاتجاهين، وفتيات و"ليدي بويز" يرتدون أحذيةً ذات كعوب عالية، وملابس قصيرة أو "حمّالات الصدر" مع "هوت شورت" بينما هم واقفون على قارعة الطريق أو يمشون بطريقة ملفتة للمارة.

لقد وصلتُ إلى شارع بورغوس في منطقة ماكاتي- مانيلا بالفيليبين.

أقترب ببطءٍ من إحدى الحانات، وأجد رجلين عريضي القامة يقفون على بابها، يبدو من هيئتهم أنهم ليسوا رجالاً عاديين، ربما يكونوا "حرّاساً للمكان" إذا اقتربتم أكثر من الحانة، سوف يطلبون منكم بالإنجليزية أن تدخلوا وتلقوا نظرة على المكان، "نظرةً مجانيّةً" يفعلها الكثيرون بدافع الفضول.

المكان مظلم جداً في الداخل إلا من بعض الأضواء البسيطة الخافتة، المكان مكتظٌّ بالفتيات اللاتي يرقصن بـ"البيكيني".

وفي كلّ حانة سوف تجدون سيدة مُسنّة، ونحيلة، تعرّف نفسها لكم باسم "ماما" ثم تقول اسمها بعد ذلك.

و"ماما" هناك اسم تطلقه المرأة المسؤولة عن عدد مُعيَّن من الفتيات، وسوف تَطلب منكم البقاء واختيار إحدى الفتيات، وإذا لم تعجبكم فتاة ستطلب رقم هاتفكم، وتخبركم أنَّها سترسل مزيداً من الصور أو أن ترسل إليكم مجموعة على الفندق الذي تقيمون فيه.

اما إذا قرّرتم أن تتجوّلون في الشارع، فستجدون انتشاراً كبيراً لفتيات التدليك طُوال الليل، هؤلاء النساء يتسكَّعن على امتداد الشارع في مجموعات، ويطلبن الرجال لعمل جلسات "مساج"، في أماكن مُخصَّصة للتدليك في إحدى المحالّ الموجودة في نفس الشارع.

أخبرتني أنَّ لديها ابنة في الحادية عشر من العمر وأنها لم تتزوّج من قبل، وأن ابنتها تسألها كلّ مساء: إلى أين تذهبين يا أمي؟ وأنها لم تعد قادرة على الرد.

هؤلاء النساء في العادة يرتدين ملابس تُشبه الزيّ المدرسي أو زيّ المُمرِّضات، أمَّا إذا كانت ترتدي غير ذلك فمعناه أنها تعمل لحسابها الخاص، وفي هذه الحالة فسوف تعرض عليك الذهاب مباشرة إلى المكان الذي تقيم فيه.

‎عادة ما يكون سعر التدليك العادي 500 بيزو (11.50 دولار أمريكي).

الشرطة أمان للسائحين وخوف للباعة الجائلين

ويشهد الشارع أيضاً تواجداً كثيفاً لرجال الشرطة، والذي من شأنه أن يمنح الأمان للسائحين، لأنَّ أغلب روّاد المكان من العرب والأجانب.

وعلى عكس السّائح، يزعج الباعة الجائلين وجود الشرطة، ويبيعون في الغالب أشياء محظورة، كالعقاقير المنشّطة جنسيّاً، أو حتى المتسوّلين، الذين يلوذون بالفرار فور رؤية رجل الشرطة، حتى إذا كانوا يعرضون على أحد الزبائن بضاعتهم فإنَّهم يتركون البضاعة مع الزبون ويفرّون، حتى يرحل رجل الشرطة أو يتوارى عن الأنظار فيعودون لتكملة الصفقة.

هناك أيضاً العديد من "الليدي بوي" والذين يعرضون أيضاً خدمة المساج أو أمور أخرى، وإذا مررتم بالصدفة من أمامهم فستجدونهم على الفور يستقبلونكم بقولهم" مرحباً سيدي"، هل ترغب بجلسة مساج؟

والليدي بوي هو مصطلح عام للعابرين جنسياً في جنوب شرق آسيا ، خاصة تايلاند ولكن المصطلح نشأ في الفلبين.

إذا ذهبتم إلى أيّ مكان أو تحدثتم مع سيدة في الشارع ، فلن تعرفون من لغة الجسد أو الصوت أنَّكم تتحدثون إلى رجل.


والأمر في الفيليبين عادي جداً، ولا يحقّ لكم النظر لهم بوضوح أو التعليق، فالانتماء الجنسي خصوصية وحرية شخصيّة.

كنت أرغب بالذهاب إلى منطقه "بورتو جاليرو" فسألت صديقتي الفيليبينية عن اسم فندق مناسب ترشّحه لي هناك، فقالت لي سوف أسال ابن عمي الليدي بوي.

كانت أول مرة لي أسمع كلمة "ليدي بوي" في الفيليبين، فسألتُها: هل عائلتك تعرف بأمره؟

أجابت ببساطة: نعم، فكلّ شخص لديه الحقّ في اختيار ما يحبّ، إنها حياته هو وكلّ إنسان حرّ في اختياره.

"أنجيليس سيتي"

ليس بورجوس هو الشارع الوحيد بالفيليبين لبائعات الهوى، لكن توجد أيضاً مدينة أنجيليس وهي أكبر مكان للحياة الليليّة في الفيليبين.

الرجل في الفلبّين ذهن ذكري في جسد ذكر، والأنثى ذهن أُنثى في جسد أُنثويّ، ويُمكن أن نَقلبهم، ويحدث العكس، بحسب العقائد القديمة، لذا فهم يستوعبون الميول الجنسية المختلفة.

فعلى امتداد الشارع الذي يبلغ حوالي 300 متر، تصطفّ أيضاً العديد من الحانات وصالونات التدليك والمقاهي والفنادق والمطاعم وخاصّة التي تقدم الأكلات العربيّة ومحلّات الصرافة، وهذا يمنح السائح شعوراً بأنه ليس هناك من داعٍ لمغادرة المكان والذهاب لمكان آخر.

قد يبدو شارع "بائعات الهوى" هذا مكاناً مناسباً للباحثين عن المتعة لكنّه ليس مكاناً مناسباً للعائلات والأطفال.

وعلى الرغم من أنَّ "بيع الجنس" في الفيليبين ليس قانونيّا، وممنوعا حسب القانون الجمهوري رقم 9208 الصادر في عام 2003 فيما يخصّ التصدّي لتجارة البشر، ويصنف "بيع الجنس" تحت بند الاغتصاب، وعقوبتها السجن مدى الحياة، إلا أنها منتشرة بكثرة.

قد يبدو شارع "بائعات الهوى" هذا في الفلبين مكاناً مناسباً للباحثين عن المتعة لكنّه ليس مكاناً مناسباً للعائلات والأطفال.

وأكثر الأطفال الذين يولدون في الفيليبين لأمهاتٍ (غير متزوّجات) غالباً ما يواجهون صعوبة في العيش في المجتمع، ما يضطرّهم للعمل في "بيع الجنس" لإعالة أسرهم.

"نيل" فتاة في الثلاثين من عمرها، قابلتُها في الفندق الذي كنت أقيم فيه في مانيلا، كانت ضيفة على أحد النزلاء العرب، كنت أقابلها يوميّاً في المطعم أثناء الإفطار، ويوماً بعد يوم صارت تتحدّث معي عن حياتها، أخبرتني أنّ لديها ابنة في الحادية عشر من العمر وأنها لم تتزوّج من قبل، وأن ابنتها تسألها كلّ مساء: إلى أين تذهبين يا أمي؟ وأنها لم تعد قادرة على الرد عليها واختراع حجّة جديدة كل يوم، وأنها كانت تتمنّى لو كانت ظروفها أفضل لئلّا تضطرّ للعمل بهذا المجال، لكنها تعول أسرتها المكوّنة من أمها وأختين وابنتها الصغيرة.

سألتُها عن والد ابنتها؟ سكتت قليلاً، ودمعت عيناها، ثمَّ قالت: لا أرغب بالتحدّث عن هذا الموضوع.

فسألتها: وهل يسأل عن ابنتها؟ قالت إنه لا يرغب بها، إنها ابنتي وحدي وتحمل اسمي أنا.

لُغز التَّسامُح الجِنسي في الفِلِبّين

نشرت صحيفة "سيدني مورنينج هيرالد" الاسترالية  تقريراً تحت عنوان "لُغز العابرين جنسيا في الفلبين" لفتت إلى أنَّ الفلبّين من أكثر دول جنوب شرق آسيا تسامحاً حيال المثليين، والمثليات، ومزدوجي الميل الجنسي، ومغايري الهوية الجنسية. واتخذ المشرّعون خطوات جادة لضمان الحماية القانونية الوطنية التي تعاقب التمييز ضدهم.

والمقارقة أنَّ حوالي 80% من الفلبينيين يتبعون الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، وتهيمن تعاليم الكنيسة المحافظة على الحياة العامة هناك.

وصرحت كابالونا، المُرشَّحة لملكة جمال الفلبين،  للصحيفة أنَّها مُتديّنة للغاية، وأنَّ المثليين مُرحَّب بهم الآن في بلادها.

لكن لايزال القانون الفلبيني ينقصه الكثير للاعتراف بحقوق المثليين الاجتماعية، والطبقة السياسية تبدو وكأنها مضطرة لمسايرة الشعور العام قبل ميعاد الانتخابات، وتظل الأمور القانونية كما هي بلا تغيير.

 ويظلّ التساؤل مطروحاً والإجابة غامضة: كيف ظهر التسامح حيال العديد من الميول الجنسية رغم سيطرة الكنيسة الكاثوليكية بميولها المحافظة على الحياة العامة في الفلبين؟.

البعد الروحي لليدي بوي: ذهن أنثى وجسد رجل

يرى البعض أنَّ الإجابة في العقائد القديمة التي آمن بها الفلبينييون، وشكَّلت أخلاقياتهم العامة لمئات السنين، ولا تزال حاضرة في لغتهم وتفكيرهم.

يؤمن الفلبينيون أنَّ كل شخص لديه روحان، نوع من ازدواجية الروح، الروح الأولي هي الروح الخالدة للعقل ، والتي هي أيضاً هويّتك / الذات الداخلية. والروح الأخرى هي الروح المميتة للجسم ، والتي هي قوة حياتك وترتبط بجسمك الخارجي / الجسدي الخارجي.

في الثقافة الفلبينية، روح العقل هي "الروح الحقيقية". والمعروفة في اللغة التاغالوغية باسم kaluluwa ،kaduwa ، karuruwa ، kaluha ، kalag ، dongan ، وتعني (التوأم" أو "رفيق")، وتتواجد في الرأس وتحكم أفكارك وعواطفك وشخصيتك. وهي تترك جسمك أثناء الأحلام ، والهذيان أثناء المرض، وحالات الغيبوبة، والجنون، ومنها روح ذكرية، وأخرى أنثوية، وتُعرف الروح الأخرى باسم جينهاوا وتعني "التنفس" أو "قوة الحياة").

‎والأخيرة تقع في المعدة وتحكم أشياء مثل  الجوع ، إنها في الأساس "جسدك النفسي"، مرتبطة بالجسم، إذا غادرت الجسم يموت.

‎وبالتالي ، فإنّ الرجل هو ذهن ذكري في جسد ذكر ، في حين أنَّ المرأة هي ذهن أنثى في جسد أنثوي. هذا يعني أيضًا أنه يمكن قلبهم، هذة الإنقلابات هي ملخص الليدي بوي في الثقافة الفلبينية، يمكن أن يكون العقل الأنثوي في جسم الرجل ، وقد يكون العقل الذكري في جسم المرأة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard