"مطلّقات معلّقات"... سوريات عالقات في قفص الزوجية بسبب الظروف المعيشية

الخميس 25 أبريل 201905:38 م

تستقبل أحمد بابتسامة باردة، تجهّز له طعام العشاء، ثم تدخل إلى غرفة أطفالها ، تنزع غطاء رأسها، وتستلقي بجانبهم. تتنازع الأفكار في رأسها فتغلبها دموعها قبل أن يغلبها النعاس.

بهذا المشهد البسيط وصفت نهال التي تبلغ من العمر 40 عاماً علاقتها بأحمد، طليقها منذ ستة أشهر، حين تم الطلاق بينهما للمرة الثالثة.

منذ حوالي العام، تهجّرت عائلة أحمد من جنوب دمشق إلى الشمال السوري، أثناء إخلاء هذه المنطقة بموجب اتفاق بين النظام السوري والمعارضة التي كانت تسيطر عليها. استطاعت العائلة الدخول إلى تركيا عن طريق سماسرة التهريب بعد أن دفع أحمد لهم كل ما بقي معه من مال ومجوهرات بسيطة كانت متبقية بحوزة نهال.

تكمل نهال قصتها لرصيف22: "بعد وصولنا إلى هذه غازي عنتاب استأجرنا بيتاً في أطراف المدينة، وتعرّف أحمد على فتاة عشرينية أرملة، وازدادت المشاكل بيننا بسببها ولكني لم أتخيّل أن يتطور الأمر إلى الطلاق للمرة الثالثة".

تتنهد نهال بعمق وتخفض رأسها لتخفي دموعها وتتابع "ليس لي أقارب أو أحد ألجأ إليه في هذه المدينة، هو يعرف ذلك ولم يبالِ حين قال كلمة ‘انت طالق’ للمرة الثالثة. ما زلت أسمع هذه الكلمة ترنّ في رأسي ومنذ ذلك الوقت أشعر بأن الزمن توقف وتوقفت حياتي معه".

طلقني زوجي وبقيت تحت رحمته

تعترض نهال الكثير من العقبات أمام تثبيت طلاقها رسمياً وإكمال حياتها بعيداً عن طليقها. فعلاوة على الصعوبات الحياتية التي تعاني منها العائلة كلاجئين جدد، يرتبط وجود نهال في تركيا ببقائها زوجةً لأحمد.

توضح نهال ذلك بقولها: "كوني فلسطينية الأصل لا أستطيع الحصول على حق اللجوء كالسوريين بل منحت لي السطات التركية إقامة عائلية كفلسطينة زوجة سوري وبالتالي إذا تم تثبيت الطلاق أفقد حق الإقامة ويتم ترحيلي فوراً إلى الأردن بحكم أنني أحمل جوازاً أردنياً".

لم تساعد خبرة نهال الكبيرة في مجال التدريس في حصولها على عمل كمدرّسة، فمدراء المدارس يفضّلون المعلمة صغيرة السنّ التي تستطيع الحركة بسهولة وتتعامل مع الأطفال حسب الطرق الحديثة بغض النظر عن الخبرة.

تقول نهال: "رغم طلاقي من أحمد بقيت تحت رحمته ورغبته بحب التملك، فعدم انفصالي المالي والمكاني عنه يمكّنه حتى الآن من التحكم بي وتقييد حريتي في التصرف بالإضافة إلى ترديده عبارات التفضّل عليّ مثل أني ما زلت أعيش في منزله. أنا مطلقة ومعلقة في نفس الوقت".

حالة نهال ليست معزولة بل هي جزء من ظاهرة واسعة إلى حد ما. كثيرات من اللاجئات السوريات المقيمات في مدينة غازي عنتاب التركية واللواتي يعانين من مشكلة "الطلاق الاسمي" شاركن في مبادرة التمكين الاقتصادي للنساء التي تنفّذها مؤسسة البوصلة للتدريب والإبداع بالتعاون مع مبادرة "خلية النحل" (Bees Hive).

المبادرة المذكورة هدفها "تمكين السيدات السوريات المقيمات في تركيا من خلال مساعدتهن في امتلاك أدوات إطلاق مشاريع تجارية وإدارتها... بإشراف مجموعة من المدربين والخبراء المختصين في مجال إدارة وتطوير المشاريع التجارية"، توضح لرصيف22 منسقة مشروع "لأجلك" رزان بحري.

وتروي بحري أن "العديد من النساء يبدين تفاعلاً واهتماماً كبيراً في الاشتراك بهذه التدريبات وخاصة المطلقات اللواتي لا يزلن في بيوت أزواجهن واللواتي يحتجن إلى حل جذري لوضعهنّ، ومثل هذه التدريبات تساعدهن على البدء في مشاريع صغيرة خاصة، وبالتالي قد يتمكنّ من الاعتماد على أنفسهن والاستقلال عن بيوت أزواجهن السابقين".

آثرت منزل طليقها على الزواج بآخر

ليس بعيداً عن حالة نهال، تعيش النازحة من مدينة إدلب السورية هناء، 32 عاماً، في بيت طليقها منذ ثمانية أشهر في حالة من القلق الدائم والحيرة المستمرة.

وضَعَها طليقها أمام خيارين أحلاهما مرّ بنظرها. تروي لرصيف22: "بعدما طلقني زوجي للمرة الثالثة خيّرني بين أن أترك منزله وأذهب للعيش في منزل أخيه وزوجته تعاطفاً منه كونه يعرف أنّي لا أملك مأوى آخر ألجأ إليه فيما يجلب زوجة ثانية لترعى أطفالنا وتقوم بأمور المنزل، أو أن أبقى في منزله بجانب أطفالي، وخاصة الصغير منهم الذي يحتاج رعاية خاصة نتيجة معاناته من مرض في الأعصاب يؤثر على قدرته على المشي ما يجعله يحتاج إلى معالجة فيزيائية دائمة".

في البداية لم توافق هناء على البقاء في منزل طليقها وانتقلت للعيش في منزل أخيه وزوجته لتقضي عدة الطلاق، ولكن بسبب تدهور حالة ابنها الصحية فضّلت العودة إلى منزله والحصول على مأوى مجاني يسمح لها بالبقاء بجانب أطفالها الثلاثة.

تقول هناء: "رفضت أن يتكفل بي طليقي من الناحية المادية فأنا أعمل في مجال الخياطة وأستطيع إعالة نفسي ولكن المردود من هذا العمل لا يكفيني لاستئجار شقة منفصلة".

وتتابع بسخرية: "منذ حوالي شهر عُرضّ علي الزواج من شاب آخر عن طريق إحدى الصديقات، وكنت أرى فيه زوجاً مناسباً يعوّضني عن تجربتي الفاشلة مع زوجي السابق إلا أن طليقي رفض أن يعطيني طفلي الصغير لأرعاه في بيت زوجي الجديد وقال لي إن طفله لن يعيش في بيت رجل آخر ولن يعرف أباً غيره، ما اضطرني إلى رفض الزواج والبقاء على وضعي".

"لا أحد يعرف بأمر طلاقي سوى أهلي في سوريا وصديقاتي وجيراني هنا. الطلاق بحد ذاته فضيحة وبقائي في منزل طليقي سيعرّضني لفضيحة أكبر. نستمر في مسرحية زواجنا أمام الجميع ولكن داخل المنزل أتصرف معه كالغريب"
"ينظر المجتمع بسلبية للمطلقة التي تستمر بالعيش في بيت طليقها، مهما كان السبب، فالنظرة الدينية القاسية التي تحرّم بقاء الذكر والأنثى في نفس المنزل بدون رابط شرعي تدفع المجتمع لإصدار وصمته الفورية للأنثى، ما ينال من كرامتها"

مسائل قانونية تعيق تثبيت الطلاق رسمياً

نهال وهناء ليستا الوحيدتين اللتين تعانيان من حالة الطلاق الاسمي هذه. تنتشر مثل هذه الحالات بكثرة بسبب التحديات الكبيرة التي يعيشها السوريون كلاجئين والتي تلقي بظلالها الثقيلة على المطلقة فتساهم في تقييدها بدلاً من الحرية التي يمنحها لها الطلاق.

يتحدث المحامي وعضو مجلس إدارة تجمع المحامين السوريين في تركيا حسام السرحان عن أن الحالات التي يتم فيها اللجوء إلى المحاكم التركية للحصول على قرار التفريق لا تشكل 10 في المئة من حالات الطلاق التي تتم بين السوريين في تركيا وبالتالي لا يمكن حصر النسبة الحقيقية لحالات الطلاق والوصول بشكل سهل إلى المطلقات والوقوف على أوضاعهنّ ومساعدتهنّ بشكل أكبر.

ويشرح لرصيف22 أن تسجيل الطلاق بشكل رسمي يرتبط بالوضع القانوني للطرفين في تركيا ولا يمكن تثبيت الطلاق بحال لم يكن الزواج مثبتاً بشكل رسمي في سوريا أو بحال تم الزواج في تركيا ولم يتم تثبيته وتسجيله لدى مكاتب الزواج في تركيا.

ويضيف: "القانون التركي لا يعترف بمقدّم المهر ومؤخره والذي يقره العقد الشرعي المتبع في سوريا، فالمحكمة مهمتها فقط إقرار التفريق بين الزوجين أو عدمه حسب العقد المدني الذي يستند عليه الزواج في تركيا، الأمر الذي يحرم الزوجة من حقوقها التي يعترف بها القانون السوري، ما يدفعها إلى العزوف عن تثبيت الطلاق بشكل رسمي".

بين الطلاق و"الفضيحة"

الطلاق مع وقف التنفيذ يعرّض المطلقات لضغوطات نفسية واجتماعية كبيرة. تقول هبة (28 عاماً) من مدينة حماة لرصيف22: "لا أحد يعرف بأمر طلاقي سوى أهلي في سوريا وصديقاتي وجيراني هنا، فالطلاق بحد ذاته فضيحة وبقائي في منزله سيعرّضني لفضيحة أكبر، نحن نستمر في مسرحية زواجنا أمام الجميع ولكن داخل المنزل أتصرف معه كالغريب. إنها حالة ازدواجية وانفصام تجعل حياتي مضطربة وتجعلني في حالة قلق دائم".

يعلق المختص في علم النفس الاجتماعي صفوان قسام على حالة هؤلاء المطلقات بقوله لرصيف22: "يندرج الموضوع تحت عنوان العنف المبني على النوع الاجتماعي، والسبب المباشر هو نظرة المجتمع السلبية لهذه الحالة بغض النظر عن أي اعتبار أو مسوغات للبقاء، سواء كان بقاؤها بجانب الأطفال أو عدم عثورها على مأوى، إضافة إلى النظرة الدينية القاسية التي تحرّم بقاء الذكر والأنثى في نفس المنزل بدون رابط شرعي. هذا هو المستند الذي يستند إليه المجتمع لإصدار وصمته الفورية للأنثى، الأمر الذي ينعكس عليها من الجانب الاجتماعي خشية وحرجاً وانعزالاً بسبب التقوّل الذي ينال من كرامتها، والجانب النفسي من ضيق وقهر وضغط قد يصل إلى درجة التفكير بإنهاء الحياة".

ويضيف قسام: "مع تراكم الضغوط النفسية والاجتماعية، تبقى هؤلاء النسوة في سجنهنّ القسري على ثلاث مستويات داخل المنزل وداخل المجتمع وداخل أنفسهن، إنه حقا سجن مضاعف".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard