بين ثورات الزيدية واستكانة الإمامية... العلاقة بين العلويين والخلافة العباسية

الخميس 30 مايو 201906:23 م

تعرّض العلويون للكثير من مظاهر الاضطهاد والتنكيل في العصر الأموي، ما ساهم في انخراطهم في الحراك السياسي المعارض الذي انتهى بتأسيس الدولة العباسية عام 132هـ/ 750م.

ولكن سرعان ما تنكّر العباسيون لبني عمومتهم العلويين، وعملوا على القضاء على قوتهم بشتى الطرق، وظهر ذلك واضحاً في معاملتهم لأئمتهم، سواء أكانوا من الفرع الزيدي الذي دعا إلى ضرورة الثورة على الظلم، أو من الفرع الإمامي الذي اختار الاستكانة والبعد عن العمل السياسي.

عندما كادت الثورة العباسية أن تتحوّل للوجهة العلوية

رغم أن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك استطاع أن يقضي على ثورة زيد بن علي عام 122هـ/ 740م، إلا أن بوادر ضعف البيت الأموي توالت في الظهور تباعاً، وبشكل سريع ومتلاحق.

وبوفاته عام 125هـ/ 742م، فقد البيت الأموي آخر خلفائه الأقوياء، إذ تعاقب على كرسي الخلافة بعده عدد من الخلفاء الضعفاء الذين لم يهتموا بإطفاء جذوة الثورة المتقدة في جنبات الدولة الإسلامية، ولا سيما من قبل الحركات الهاشمية والعلوية التي كانت تبحث عن مكان في الساحة السياسية.

في تلك الظروف، تقول الرواية إن اجتماعاً مهماً بين زعماء الفصائل السياسية المعارضة للأمويين انعقد في قرية الإبواء القريبة من المدينة المنورة، عام 127هـ/ 744م، وحضره الإمام العباسي إبراهيم بن محمد، أخواه أبو العباس وأبو جعفر، كما شارك فيه عبد الله بن الحسن المثنى وجعفر الصادق كممثلين عن التيار العلوي، وتشاور الجميع حول الطرق المُثلى لإسقاط السلطة الأموية.

يذكر كل من أبي الفرج الأصفهاني في كتابه "مقاتل الطالبيين"، والشيخ المفيد في كتابه "الإرشاد إلى معرفة حجج الله على العباد"، أن الحاضرين في هذا الاجتماع اتفقوا على زعامة محمد النفس الزكية لتيار المعارضة الهاشمي، ولكن الإمام جعفر الصادق، والذي تختلف الروايات في إثبات حضوره لهذا الاجتماع من عدمه، عارض ذلك، ورفض أن يقبل بإمامة النفس الزكية، بل وأخبر الجميع أن العباسيين هم الذين سيصلون إلى السلطة، وأن أبا جعفر المنصور هو الذي سيعتلي كرسي الخلافة.

الاحتمال الأرجح أن هذه القصة برمتها مُختلقة، ومن الممكن ألا يكون اجتماع الإبواء قد انعقد أصلاً، ولكن المهم هنا أن الروايات الشيعية الإمامية حرصت على إظهار رفض الصادق للانضواء تحت راية النفس الزكية، لأنه وبحسب المعتقد الإمامي، لا يمكن أن يعترف الإمام الشرعي بإمامة رجل آخر غيره، كما أن الرواية حاولت تعظيم مقام ومكانة الصادق من خلال حديثها عن توقعه وتنبؤه بأمور غيبية في المستقبل.

وبالعودة إلى الاجتماع المذكور، لا تصل الأحاديث الواردة عنه إلى عرض اتفاق على زعيم واحد انتهى إليه الحاضرون. ما نعرفه هو فقط أن العلويين كانوا يفضّلون زعامة النفس الزكية، ما عدا أتباع الصادق، أما العباسيون فيبدو أنهم تحلّقوا حول إبراهيم بن محمد.

وفي ما يخص العلاقة بين المعسكرين العلوي والعباسي في تلك الفترة، من المرجح أن كل فريق من الفريقين كان يعمل على معارضة السلطة الأموية بطريقته، وبدون تنسيق مع الفريق الآخر. وتبدو الروايات الخاصة باجتماع الإبواء وكأنها محاولة علوية لإثبات شرعية معارضتها للعباسيين في ما بعد، بحيث يُصوَّر الأمر وكأن العباسيين ظلموا شركائهم في الكفاح، وتنكروا لهم، بعدما وصلوا إلى السلطة.

المهم، كان الحراك العباسي السري المعارض قد تم تنظيمه وتقويته في عهد إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، والذي كان يعيش مع أخويه أبو العباس وأبو جعفر في منطقة الحُميمة في الأردن.

إبراهيم الذي اشتهر بلقب "إبراهيم الإمام" بث الدعاة والنقباء في العراق وخراسان، وكان أهمهم على الإطلاق أبو سلمة الخلال في الكوفة، والذي كان يُعتبر القائد الميداني للثورة العباسية.

وبعد قيام الثورة العباسية في إيران والعراق، وعقب تحقيق انتصارات مدوية في تلك المناطق على الأمويين، استطاع الأمويون أن يصلوا إلى شخصية إبراهيم بن محمد، وعرفوا أنه المدبر لما يجري ضدهم، فاعتقلوه ومات في السجن، بينما تمكن أخواه من الهرب فرحلا إلى الكوفة، ونزلا في بيت أبي سلمة الخلال.

يذكر كل من اليعقوبي في "تاريخه" والمسعودي في "مروج الذهب" أن أبا سلمة، لما عرف بخبر القبض على إبراهيم الإمام، وكان ذلك عام 132هـ/ 750م، فكّر في نقل قيادة الثورة إلى العلويين، خصوصاً أنه كان لا يثق في قدرة إخوة إبراهيم على زعامة المعارضة، ومما شجعه على ذلك أنه، وحتى تلك اللحظة، كانت شخصية الإمام الذي يقود تلك الحرب، شخصية سرية، وكان الكثيرون من المعارضين لا يعرفون عنه إلا أنه واحد من البيت الهاشمي.

يُروى أن الخلال وجّه أحد رجاله إلى المدينة المنورة وحمله رسالة، وأمره بأن يلتقي بثلاثة من زعماء ووجهاء البيت العلوي، وهم على الترتيب، جعفر الصادق، وعبد الله بن الحسن المثنى وعمر الأشرف بن زين العابدين.

وكانت الرسالة التي حملها الرسول تحتوي على عرض من أبي سلمة لكل رجل من الثلاثة على حدة، بتسليم أمر قيادة الحركة له ومبايعته بالخلافة.

وصل الرسول إلى جعفر الصادق أولاً، وسلمه الرسالة، ولكن الأخير رفض العرض المقدم إليه، بل أحرق الرسالة دون أن يقرأها.

بعد ذلك انطلق الرسول إلى عبد الله بن الحسن، وأقرأه الرسالة، وتؤكد الروايات أنه تجاوب مع العرض ورحب به وانطلق من فوره إلى جعفر الصادق ليأخذ رأيه ويستشيره في الأمر، ولكن جعفر كرّهه فيه حتى تركه.

أما الوجيه العلوي الثالث، عمر الأشرف بن زين العابدين، فقد رفض طلب الرسول ورفض الرسالة وقال إنه لا يعرف أبا سلمة الخلال.

وتجمع الروايات على أن الظروف في الكوفة سرعان ما تبدلت، ففي الوقت الذي كان فيه رسول أبي سلمة في المدينة يحاول أن يقنع واحداً من العلويين الثلاثة برسالة سيده، كانت الثورة قد استطاعت أن تحقق تقدماً ملموساً على الأرض، وضيقت الخناق على الأمويين حتى لم يتبقَّ لهم من دولتهم القديمة سوى الشام ومصر.

هكذا، أضحت الثورة على أعتاب التحوّل إلى دولة، وبدأ الثوار يطالبون بالإعلان عن الإمام الذي يقاتلون تحت إمرته، كما أن أبا العباس وأبا جعفر تذمّرا من تخفّيهما في بيت الخلال، وطالباه بتسليمهما القيادة، فلما تأخر رد العلويين في المدينة، واستطاع الأخوان الاتصال بمجموعة من أتباعهما في الكوفة، اضطر أبو سلمة لتسليم الأمر لأبي العباس، وبايعه بالخلافة في مسجد الكوفة في الثاني عشر من ربيع الأول 132هـ.

من أحجار الزيت إلى فخ... معارك الزيدية الخاسرة

كان من الطبيعي أن يرفض العلويون استئثار العباسيين بالسلطة المطلقة، إذ كانوا يرون في أنفسهم شركاء لهم في حركتهم الناجحة، وظهر ذلك الرفض في الثورات المتتابعة التي قام بها الأئمة الزيدية ضد الخلافة العباسية.

أولى تلك الثورات قادها محمد بن عبد الله بن الحسن، المعروف بمحمد النفس الزكية، وكان، بحسب ما يذكر الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء"، معروفاً بالعبادة والتقوى والزهد، حتى شاع بين الناس أنه المهدي المنتظر.

ويذكر الطبري في تاريخه أن النفس الزكية أعلن الثورة في المدينة عام 145هـ/ 762م، فوجّه أبو جعفر المنصور، ثاني الخلفاء العباسيين، جيشاً ضخماً للقضاء على حركته، وهو ما تحقق فعلاً في موضع يُعرف بـ"أحجار الزيت".

وعام 169هـ/ 786م، اندلعت الثورة العلوية من جديد في المدينة، على يد الحسين بن علي بن الحسن المثلث بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب.

ويذكر الأصفهاني في "مقاتل الطالبيين" أن العباسيين ألحقوا الهزيمة بالثوار في وادي فخ، بعد أن قتلوا عدداً كبيراً من أبناء البيت العلوي.

وعلى الرغم من تلك الخسارة الفادحة، إلا أن الهزيمة كانت سبباً في تأسيس أول دولة علوية في التاريخ الإسلامي، ذلك أن إدريس بن عبد الله بن الحسن تمكن من الهروب من المذبحة، وتوجه إلى المغرب، حيث استقر وتحالف مع قبيلة أوربة البربرية، لينجح بعدها في إقامة دولة الأدراسة، وهي الدولة التي ستظل قائمة لحوالي القرنين.

التوجه الإمامي... استكانة سياسية وإظهار للتفوق الروحي

إذا كان أئمة الزيدية قد رفعوا راية الثورة ضد الحكم العباسي، فإن قادة المذهب الإمامي الاثناعشري كان لهم توجه مختلف، فقد حرصوا على البعد عن السياسة وقنعوا بالاستكانة والتعامل الحذر مع السلطة.

وفي الوقت الذي لا تذكر فيه المصادر التاريخية السنّية الكثير عن علاقة الشيعة الإمامية بالخلفاء العباسيين، حرصت المصادر الشيعية على إظهار التفوق الروحي والديني للأئمة الاثناعشرية على خلفاء بني العباس، وبررت بذلك الروايات الشيعية المتعددة التي ترى أن جميع الأئمة الإثناعشرية، ما عدا الإمام الثاني عشر، قُتلوا على يد معاصريهم من الخلفاء العباسيين.

وفي رواية عن التنافس بين الجانبين، يذكر سبط بن الجوزي، في "تذكرة الخواص"، أن الإمام السابع موسى الكاظم صحب الخليفة هارون الرشيد أثناء زيارته للمدينة، ولما زار الرشيد قبر الرسول قال "السلام عليك يا ابن العم"، متفاخراً بقرابته للرسول، فرد عليه الكاظم بقوله "السلام عليك يا أبت" وذلك لتبيان انحداره من نسل فاطمة الزهراء بنت النبي.

ولم تقتصر المناظرات بين الرشيد والكاظم على مسألة القرابة للرسول فقط، بل امتدت لتشمل نقاطاً أخرى مهمة شكلت ميداناً للمناوشات بين الخلفاء والأئمة في العهود السابقة، ومن ذلك مناظرتهما الشهيرة حول مسألة فدك، إذ يذكر ابن شهر أشوب، في كتابه "مناقب آل أبي طالب"، أن الرشيد استدعى الكاظم وطلب منه أن يعيّن له حدود أرض فدك التي كان العلويون يطالبون بها كإرث لهم من الرسول، فقال له الكاظم إنه إذا عيّن حدودها فلن يمنحها له، ولما ألح عليه الخليفة أخبره الكاظم أن حدودها من "أفريقية غرباً إلى سمرقند شرقاً، ومن أرمينية شمالاً إلى عدن جنوباً"، ففهم الرشيد أن فدك هي رمز للخلافة كلها، وغضب من الكاظم وأضمر الشر له.

أيضاً، تذكر المصادر الشيعية، ومنها الشيخ المفيد في كتاب "الإرشاد"، أن الإمام التاسع محمد الجواد أظهر تفوقاً ونبوغاً علمياً في بعض المناظرات التي حضرها في مجلس الخليفة العباسي المعتصم بالله، وأنه ورغم صغر سنه استطاع أن يثبت جهل الخليفة والقاضيين أحمد بن أبي دؤاد ويحيى بن أكثم، في عدد من المسائل الفقهية الصعبة.

أما الإمام العاشر علي الهادي، فيذكر ابن خلكان في "وفيات الأعيان"، أنه كان دائماً يوبّخ ويقرّع الخليفة العباسي المتوكل على الله، وكثيراً ما كان ينهاه عن شرب الخمر، حتى أنشد في مجلسه ذات مرة قصيدة مؤثرة في ذم الخمر دفعت المتوكل إلى البكاء والاعتراف بعظم ذنبه.

التقارب الأهم في تاريخ العلاقات العلوية العباسية

في رمضان من عام 201هـ/ مارس 817م، قام الخليفة العباسي عبد الله المأمون بتعيين الإمام العلوي علي الرضا في منصب ولاية العهد، في واحدة من أكثر التصرفات السياسية إثارة للجدل والنقاش في تاريخ العلاقات بين العلويين والعباسيين.

علي الرضا هو الإمام الثامن في سلسلة الأئمة الشيعة الاثناعشرية، وحظي في زمنه باحترام وتقدير كبيرين من جميع العلويين والشيعة، وكان تعيينه ولياً لعهد المأمون حدثاً فارقاً في تاريخ العلاقات العباسية-العلوية.

قدّمت المصادر التاريخية رؤى مختلفة لتفسير تلك الحادثة. عللها البعض، ومنهم جلال الدين السيوطي في "تاريخ الخلفاء"، بميول المأمون الشيعية، أما بعض العلماء الشيعة مثل المفيد في "الإرشاد" والطبرسي في "إعلام الورى"، ففسروها بالعهد الذي قطعه المأمون على نفسه إبان صراعه مع الأمين، عندما عزم على أن يصرف أمر الخلافة إلى أفضل آل أبي طالب.

رغم الخلافات العميقة بين العباسيين والشيعة الإماميين على السلطة، شهد عام 817 حادثة مهمة، عندما قام الخليفة العباسي المأمون بتعيين إمام الشيعة الثامن علي الرضا في منصب ولاية العهد...

تعرض العلويون للكثير من التنكيل في العصر الأموي، فانخرطوا في الحراك السياسي المعارض الذي انتهى بتأسيس الدولة العباسية... ولكن سرعان ما تنكّر العباسيون لبني عمومتهم العلويين

الرأي الأرجح أن المأمون عمل على الاستفادة من قراره في التخلص من خطر الثورات العلوية التي انتشرت في دولته. فلما كان الرضا يحظى بمكانة محترمة ومتميزة بين جميع العلويين في زمنه، فكر المأمون في أن يضرب به أهل بيته من الذين دعوا للثورة، خصوصاً أن علي الرضا كان من أكبر أبناء البيت العلوي سناً وأعظمهم قدراً واحتراماً.

يذكر المفيد في "الإرشاد" أن المأمون استقدم علي الرضا من المدينة المنورة، فلما وصل إلى خراسان قال له المأمون "إني أريد أن أخلع نفسي من الخلافة وأقلدك إياها، فما رأيك في ذلك؟" فرفض الرضا العرض، فعرض عليه المأمون أمر ولاية العهد، فرفضه أيضاً، فألح المأمون في طلبه حتى وافق، ولكنه اشترط على الخليفة أن "لا آمر ولا أنهي ولا أفتي ولا أقضي"، في إشارة إلى أن حضوره على الساحة السياسية لن يتعدى الإطار الشكلي، وأنه لن يستخدم صلاحيات منصبه في أيّة سلطة تنفيذية حقيقية.

بعد ذلك، تم عقد البيعة بشكل رسمي، بحضور القادة وكبار رجال الدولة، واقتصرت البيعة على العباسيين والعلويين فقط، وأتت تلك الخطة أكلها سريعاً بعدما نجح العباسيون في إخماد جميع الثورات العلوية التي فقدت زخمها عقب انحياز الرضا للصف العباسي.

وعام 203هـ، توفى الرضا، واختلفت الروايات في تحديد سبب وفاته، فبينما تقف الروايات السنّية موقفاً محايداً مرجحةً أنها حدثت بشكل طبيعي، تؤكد الروايات الشيعية أن المأمون دبر اغتياله.

ويقول المفيد على سبيل المثال أن وزيري المأمون الفضل بن سهل والحسن بن سهل كانا يكرهان الرضا ويحرّضان عليه ويعملان على تأليب المأمون عليه "فلم يزالا كذلك حتى قلبا رأيه، وعمل على قتله"، وقيل إن المأمون حرض على دس السم له في العنب أو في عصير الرمان، فمرض عدة أيام ثم توفى، ودفن في مدينة طوس بجوار قبر هارون الرشيد.

ولعل الرأي الذاهب إلى مسؤولية المأمون عن قتل الرضا ينطوي على نوع من المعقولية، خصوصاً وأن الكثيرين من العباسيين أغضبهم أن يكون ولي العهد من العلويين، فأنهى المأمون الأمر قُبيل وصوله إلى الخلافة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard