مسرح "الضمة".. الرقص والموسيقى الأفريقية بين قصر أبناء "محمد علي" وروائح المأكولات الشعبية

السبت 4 مايو 201907:03 ص

الرصيف يأخذنا اليوم لإحدى الحارات المصريّة، بمنطقة عابدين، في قلب القاهرة، على بعد دقائق من قصر عابدين الذي نقل إليه أبناء محمد علي مقرَّ حكمهم، والساحة التي شهدت أحداث الثورة العرابيّة، وعلى بعد 10 دقائق من ميدان مصر الأشهر "التحرير".

ولكننا الليلة مشغولون بنسماتٍ شتويّةٍ باردةٍ ولذيذة، وكوبٍ من حمص الشام الحارّ، وجلسةٍ قصيرةٍ على مقهى شعبي في انتظار بدء الحفل.

يستضيف مسرح "الضمّة" الصغير المختبئ في دفء حارة "البلاقسة" ورائحة المأكولات الشعبيّة التي تحتضنكم عند مدخلها، عدداً من الفرق التي تقدّم الفنون المصريّة الشعبيّة، كفرقة أسياد الزار، الطنبورة، الكف الأسواني، مزامير النيل، نوبانور، والجركن البدوي.

الليلة موعدنا مع فرقة رانجو، التي تحمل اسم آلةٍ موسيقيّةٍ سودانيّة وتضمّ آخر عازفيها في مصر حسن برجمون، وتقدّم موسيقى اللون أو أصحاب الأصول الأفريقيّة.

رانجو هي آلة سودانيّة قديمة تشبه الإكسليفون، ولكنَّها تختلف عنه فهي مصنوعة من قطعٍ خشبيّةٍ مختلفة الطول، مصفوفةٍ على ثمارٍ مجوّفةٍ مختلفة الأطوال من قرع العسل، ويُعزف عليها بعصي رفيعة كالمستخدمة مع الإكسليفون، وتشبه آلة البالافون الأفريقيّة.

ربما لم يكن محمد علي، يدرك أن حملاته العسكريّة وتوسّعه في زراعة القطن سيكونان سبباً في انتشار "موسيقى اللون" وآلاتها

وصل رانجو مصر قبل 200 سنة مع حملات محمد علي وابنه إبراهيم على السودان، ومشاركة الجنود السودانيّين في حملاتهم، وقدومهم لمصر حاملين آلتهم الشعبيّة، وكانت تُستخدم بالأساس لإحياء الزار وطرد الأرواح الشريّرة، إلا أنها تُعزف اليوم لجلب البهجة والفرح، كما ظلّت لوقتٍ طويلٍ تُعزف في أفراح الأفارقة قبل أن تصل للساحات الثقافيّة والعالميّة.

ربما لم يكن محمد علي، يدرك أن حملاته العسكريّة وتوسّعه في زراعة القطن سيكونان سبباً في انتشار "موسيقى اللون" وآلاتها، فمع توسّعاته وانتعاش تجارة الرقيق ووصولها لمصر، قادمةً من شمال السودان وجنوبه والساحل الشرقي وإثيوبيا والعمق الإفريقي، انتقلت مع الوافدين الموسيقى التراثيّةُ والآلات الموسيقيّةُ، لتأتي الطنبورة من إثيوبيا، والرانجو من جنوب السودان.

يستقبلكم الباحث الموسيقي زكريا إبراهيم ومؤسّس الفرقة، ليخبركم بحماسٍ عن رحلته في البحث عن رانجو، وهي آلة خشبيّة إيقاعيّة تتبع السلّم الموسيقي الخماسي توقّف رنينها منذ سبعينات القرن الماضي، بدأت رحلة البحث في التسعينيات، وتوُّجت بالوصول لحسن برجمون آخر عازفي الرانجو في مصر بمحافظة الإسماعيليّة، والعثور على آلة رانجو في الإسكندريّة لتزداد حصيلتهما لاحقاً لثلاث من قطع الرانجو النادرة، وتدشّن الفرقة حاملة اسم آلتها الأبرز في 1996.

يتوسّط برجمون، قاعة الحفل ويفتتحه بالقرع على ألواح الرانجو الخشبيّة المتباينة الطول، والمثبّتة على صندوقٍ خشبي يقوم بضربها وتنطلق الألحان والأغنيات والرقص أيضاً، يردّد أعضاء الفرقة أغنيات من التراث السوداني، أشهرها يا ست يا سودانيّة، وهوليلا، والليلة الحنّة، وغيرها من الأغنيات التي يردّدها السودانيّون والنوبيّون.

عادة ما تثير كلمات الأغنية الافتتاحيّة "يا ست يا سودانيّة" قلق البعض بسبب وصفها السودانيّة بالجاريّة، حيث تقول كلماتها "ياست يا سودانيّة انتي جاريّة حبشيّة" قبل أن يدركوا أن الأغنية تستهدف الإشارة لأصولهم الحبشيّة والاعتزاز بالجذور الأفريقيّة، لتتابع في جملتها التالية "سلام الله عليكي وانتي العزيزة عليّا".

تثير كلمات أغنية "ياست يا سودانية، انتي جارية حبشية" قلق الجمهور بسبب الوصف، ولكن حالتهم تتغير في تتابع الأغنية "سلام الله عليكي، وانتي العزيزة عليّا"

الأغنية التالية من أكثر الأغنيات شهرةً، ويردّدها نوبةُ مصر في أفراحهم، لذا فقد تكون سمعتها من قبل "الليلة الحنّة وبكرة الدخلة.. زغرطوا يا بنات.. يا بنات الحنة" وتنطلق البهجة والزغاريد من حضور الحفل الذي لا يشعر ضيوفه بالبرد.

سيخبركم فريق رانجو عن تجربتهم في موسم ARAB GOT TALENT الحالي، وستشعرون بالفخر يغلّف أصواتهم حينما يقولون إنهم حصلوا على 3 نعم من لجنة تحكيم البرنامج، وسيعيدونكم للمرح بالإشارة لأحد أعضاء الفرقة، العم خليل، الذي أصرت الفنانة نجوى كرم أن يقبّلها في تجارب الأداء.

يستخدم فريق الرانجو عدداً من الآلات الموسيقيّة الأفريقيّة كالطبول، الجيمبي، الشخاشيخ، البونجز، التومبة، التومبانا، الكرية، وحزام المونجور المصنوع من حوافر الأغنام والماشية وله وقع موسيقي صاخب ومميز، لذا استعدّوا للرقص، فحتى الذين لم يعتادوه سيكون من الصعب عليهم ألا ينضمّوا للحفل الراقص.

يردّد الجمهور الأغنيات مع رانجو، ويجذب المغنّون بعض الحضور ليشاركوهم الرقص، بعض الأجانب يكونون عادة ضمن ضيوف الحفل وسينضمّون لساحة الرقص بحماس.

قدّمت الفرقة عروضها في عددٍ من الدول، ومنها أستراليا، السويد، الدنمارك، وبريطانيا، كما شاركت في عددٍ من المهرجانات الفنيّة ومنها مهرجان "ووماد"، ومهرجان القاهرة الدولي لموسيقى الشعوب "ونس"، كما قدّمت عروضها في عددٍ من الساحات الفنيّة والثقافيّة المصريّة ومنها الأوبرا، مسرح الجيزويت، بين الهراوي، ساقية الصاوي، ومسرح الضمة.

الفقرة الأكثر شعبيّة لرانجو، تبدأ بانسحاب أحد أعضاء الفريق، ليعود بعد دقائق مرتدياً زيّ القبائل الأفريقيّة المصنوع من الريش، مع كثير من السلاسل المليئة بالأحجار، يشارك عصام الرقص كثيرٌ من الحضور كما يحظى بشعبيّةٍ خاصّةٍ عند الأطفال. مؤخّراً يشارك خليل، وهو طفل في السابعة تقريباً وحفيد لأحد أعضاء الفرقة، الرقص بالزي الأفريقي المميز.

تموج القاعة الصغيرة بالرقص والغناء في هذه الفقرة التي يشارك فيها أحد أعضاء الفريق مرتدياً حزام المنجور، ينتهي الحفل بالتقاط الصور التذكاريّة مع أعضاء الفرقة، وخصوصاً عصام وخليل بزيّهما المبهج والمميز.

قبل الذهاب لا تفوّتوا فرصة الحصول على نسخة من ألبوم الفرقة "عروسة الزار" وطلب إهداءٍ خاص، يضمُّ الألبوم 10 أغنيات، وأنتجه مركز المصطبة للفنون الشعبيّة بالتعاون مع شركة إنجليزيّة في 2010، وصُنِّف كواحدٍ من أفضل 10 ألبومات شعبيّة وفقا لمجلة سونج لاينز المتخصّصة، كما يمكنكم شراءه من هنا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard