لا تقتل البيئة كي لا تقتلك...كيف يحوّلنا الهواء الملوّث إلى مجرمين؟

الثلاثاء 23 أبريل 201905:45 م

"لم نعد نطلب خبزاً، ولا سقفاً، ولا غطاءً، سنقتنع بقليلٍ من الهواء يا صاحب السعادة"، هذه الكلمات المؤثّرة خرجت يوماً على لسان الشاعر الشيلي "نيكانور بارّا"، والذي اعتبر أيضاً أن الهواء قد أصبح "ثقيلاً ثقيلاً حتّى إنّهم يُقطّعونه بالسكّين".

ليس من المبالغة القول إنه حتى الهواء الذي نستنشقه اليوم قد نُحرم منه في الغد، والسبب يعود إلى غياب الوعي وإشاحة النظر عن الطبيعة المُحيطة بنا.

فقد دخلت البشريّة اليوم في صراعٍ محتدمٍ مع الأرض، مع البيئة ومع الطبيعة - الأم، وكلّ ذلك نتيجة الأنانية التي تسيطر على النفس البشريّة، ونزعة البقاء العمياء.

فلماذا يتعامل البشر مع قضايا البيئة بهذا الاستهتار واللامبالاة، وكأنهم لا يعيشون على هذا الكوكب؟ وكيف يحرّك الهواءُ الملوّثُ "الميلَ الإجرامي" لدى الناس؟

التلوّث يفتك بالأطفال

من المياه والتربة وصولاً إلى الهواء، يعاني العالمُ اليوم من التلوّث في كلّ شيء، وقد باتت المحافظة على البيئة من أهمّ الهواجس في الزمن الراهن، خاصّةً وأن الأوبئة آخذةٌ بالانتشار في الدول التي تسجّل معدلاتٍ عاليةً من التلوّث، أما الأكثر تضرّراً فهم الأطفال، لكونهم يتنفّسون بسرعةٍ أكبر من الأشخاص البالغين، وبالتالي فإنهم يمتصّون كمياتٍ أكبر من الملوّثات.

تكشف منظّمة الصحّة العالميّة أنه "كلّ يوم يتنفّس حوالي 93% من الأطفال في العالم الذين تقلّ أعمارهم عن 15 سنة (1.8 مليار طفل) هواءً ملوّثاً لدرجة أنه يعرّض صحتهم ونموّهم لخطرٍ شديدٍ، وللأسف، فإن العديد منهم يفقدون حياتهم بصورةٍ مأساويّةٍ، إذ تُشير التقديرات إلى أن 600.000 طفل ماتوا في العام 2016 بسبب إصاباتٍ حادّةٍ في الجهاز التنفسي السفلي، ناجمة عن تنفّس هواء ملوّث.

يستعرض تقريرٌ جديدٌ بعنوان "تلوّث الهواء وصحّة الطفل: وصف الهواء النقي كعلاج"، العبءَ الثقيلَ لتلوّث الهواء على صحّة الأطفال في العالم، بخاصّة في البلدان المنخفضة والمتوسّطة الدخل.

كلّ يوم يتنفّس حوالي 93% من الأطفال في العالم الذين تقلّ أعمارهم عن 15 سنة (1.8 مليار طفل) هواءً ملوّثاً لدرجة أنه يعرّض صحتهم ونموّهم لخطرٍ شديدٍ

ويكشف التقرير أنه عندما تتعرّض النساء الحوامل للهواء الملوّث، فمن الأرجح أن يصبحن أكثر عرضةً للولادة المبكّرة، وأن ينجبن أطفالاً صغاراً منخفضي الوزن عند الولادة.

ويوضّح التقرير الذي أعدّته المنظّمة، أن التلوّث يمكن أن يؤدي إلى الإصابة بالربو وسرطان الأطفال، وإلى بعض الأمراض المزمنة مثل أمراض القلب والأوعية الدمويّة، هذا بالإضافة إلى تأثيره السلبي على النموّ العصبي.

وتعليقاً على هذه النتائج، يقول الدكتور "تيدروس أدهانوم غيبريسوس"، الذي يشغل منصب المدير العام لمنظّمة الصحّة العالميّة: "إن الهواء الملوّث يتسبّب في تسمم ملايين الأطفال ويدمّر حياتهم، وهذا أمر لا يُغتفر، إذ إنه ينبغي أن يكون بإمكان كلِّ طفلٍ تنفّس هواء نقي، حتى يتمكّن من النموّ وتحقيق إمكاناته كاملة."

وبدورها تشير الدكتورة مديرة قسم الصحّة العموميّة والمحدّدات البيئيّة والاجتماعيّة للصحّة في منظّمة الصحّة العالميّة "ماريا نيرا" إلى أن "تلوّث الهواء يعيق نموّ أدمغة أطفالنا، ويؤثّر على صحّتهم بطرقٍ متعدّدةٍ أكثر مما كنّا نظن".


تأثير التلوّث على السلوك البشري

إن الهواء الذي نتنفّس يمكن أن يغيّر سلوكنا بطرقٍ مبهمةٍ يعجز العقل البشري عن فهمها.

ففي المستقبل القريب، قد تتوسّع مهام الشرطة لتشمل مراقبة مستويات التلوّث في المدن، ونشر وحداتها في المناطق التي يكون فيها التلوّث على أوجه، في يومٍ معيّنٍ.

وبالرغم من أن هذا "السيناريو" قد يصلح أكثر لفيلمٍ خيالي، إلا أن الدراسات الحديثة تؤكّد أن هذه الممارسة قد تكون جديرة بالاهتمام.

إذ تشير النتائج التي توصّلت إليها الدراسات مؤخّراً، إلى أن تلوّث الهواء يؤثّر على النموّ العصبي، ما يؤدّي إلى تحقيق نتائج أدنى في الاختبارات المعرفيّة، وهو ما يؤثّر سلباً على النموّ العقلي والحركي، هذا بالإضافة إلى احتمال ربطه بالجرائم.

وبحسب موقع "بي بي سي" فإن هذه الاستنتاجات تبدو مثيرةً للقلق، لكون أكثر من نصف سكّان العالم يعيشون الآن في بيئاتٍ حضريّةٍ، والكثير من الناس يسافرون إلى مناطق مكتظّة أكثر من أيّ وقتٍ مضى، هذا وتؤكّد منظّمة الصحّة العالميّة أن 9 من أصل 10 أشخاص في جميع أنحاء العالم يتنفّسون هواءً ملوّثاً.

وفي حين أن تلوّث الهواء يودي بحياة نحو 7 ملايين شخص في السنة، فإن السؤال الذي يُطرح في هذا الصدد: هل يمكن إضافة المجرمين والسلوك الإجرامي إلى هذه القائمة؟

في العام 2011، كان الباحث في كلية لندن للاقتصاد "سيفي روث" يدرس الآثار الناجمة عن تلوّث الهواء، وفي حين أنه لاحظ مخاطر التلوّث على الصحّة وزيادة الدخول إلى المستشفيات وكذلك زيادة نسبة الوفيّات، إلا أنه انتبه إلى مسألةٍ أخرى: التلوّث قد يكون أكثر ضرراً على السلوك البشري.

9 من أصل 10 أشخاص في جميع أنحاء العالم يتنفسّون هواءً ملوّثاً

ففي البداية أراد "روث" معرفة ما إذا كان تلوّث الهواء يؤثّر على الأداء المعرفي، من هنا راقب الإمتحانات التي أجراها الطلاب في أيامٍ مختلفةٍ مع قياس مقدار التلوّث الموجود في الهواء في تلك الأيام، مع العلم أن الطلاب كانوا من مستوياتٍ تعليميّةٍ مماثلة وأجروا الاختبارات في المكان نفسه.

وقد وجد الباحث أن التباين في معدّل نتائج الاختبارات كان مختلفاً بشكلٍ مذهلٍ: الأيام الأكثر تلوّثاً كانت مرتبطة بأسوأ النتائج التي حصل عليها الطلاب، في حين أن الأيام التي كانت فيها نوعيّة الهواء أنظف، فإن أداء الطلاب كان أفضل.

مجرّد التفكير في التلوّث يمكن أن يؤثّر في الصحّة النفسيّة

المزيد من الجرائم

بالإضافة إلى تأثير الهواء على الأداء المعرفي والإنتاجيّة، فإن الدراسات الحديثة أكّدت أن التلوّث قد يكون مرتبطاً بانتشار الجرائم.

ففي العام 2018، قام فريق "سيفي روث" بتحليل بيانات الجريمة لمدّة عامين وأكثر في لندن، ووجد أن المزيد من الجرائم البسيطة قد وقعت في أكثر الأيام تلوّثاً، سواء كان ذلك في المناطق الغنيّة أم الفقيرة، نظراً لكون سحابة الهواء الملوّث يمكن أن تتحرّك بطريقةٍ عشوائيةٍ، وفق الاتجاه الذي تهبّ منه الرياح، ولكن اتضح أنه أينما اتجهت فإن معدّلات الجريمة ترتفع.

المدن التي تشهد أعلى معدّلات تلوّث، لديها أيضاً أعلى معدّلات جريمة

وفي حين أن بيانات "روث" لم تدرس كثيراً، آثارَ التلوّث على جرائم القتل والاغتصاب، فقد أظهرت دراسةٌ أخرى أجريت في العام 2018 وجود صلةٍ مُحتَملةٍ بين التلوّث والفكر الإجرامي: التلوّث تنبأ بستِّ فئاتٍ رئيسيّة من الجرائم، بما في ذلك القتل غير المتعمّد، الاغتصاب، السرقة، والاعتداء، هذا وقد تبيّن أن المدن التي تشهد أعلى معدّلات تلوّث، لديها أيضاً أعلى معدّلات جريمة.

السبب؟

 لقد اتضح أن مجرّد التفكير في التلوّث يمكن أن يؤثّر في الصحّة النفسيّة، من خلال زيادة معدّلات القلق وتركيز الناس على أنفسهم بأنانيةٍ مفرطةٍ، بما في ذلك التغييرات الفيزيولوجيّة في الدماغ، إذ أن تنفّس الهواء الملوّث يؤثّر على كمية الأوكسيجين في الجسم، ما يؤدّي إلى انخفاض الهواء الجيّد في العقل، وما يزيد بدوره من السلوكيّات العدوانيّة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard