Alita: هل سيأتي اليوم الذي ستأكل فيه التكنولوجيا اليد التي اخترعتها؟

الجمعة 19 أبريل 201902:47 م

"قبل نصف مليار عام شهد كوكبنا انفجاراً مفاجئاً من الحياة "الانفجار الكامبري" وفيه نشأت معظم أنواع هذا الكوكب بين ليلة وضحاها، واليوم نحن نشهد الانفجار الكامبري للتكنولوجيا"

دان براون، "الأصل"

قبل القرن الواحد والعشرين لم نكن لنتخيّل في ذلك الوقت، هذه الحرب التكنولوجيّة الطاحنة التي تدقّ على الأبواب، لكن في تلك الفترة كتب أحدهم في اليابان عام 1990 في مجلات كوميكس عُرفت باسم "battle angel alita"، عن فتاة تدعى أليتا، الفتاة الحديديّة، التي تنتصر في معركتها ضدّ قوى الشرّ. انتهت إصدارات تلك المجلات عام 1995 ونُشرت في عدّة دول، وبالطبع عُدّت شخصيات القصّة في ذلك الوقت اختراعاً خيالياً، فهي لا تمت للواقع بصلة.

بعد ذلك بسنوات، في القرن الواحد والعشرين تحديداً، في اليوم الرابع عشر من شهر فبراير لعام 2019 وأثناء الدخول إلى أحد دور العرض وجدنا أليتا من جديد، لكن تلك المرّة عادت بشخصيات مستهلكة لا تنتمي إلى الخيال في شيء، بل بالعكس أُعيدت معالجتها لتلائم روح العصر، فنحن بصدد أعظم اختراعات البشريّة والتي تمّ إطلاقها عام 2015 في الصين  باسم "الروبوت صوفيا" والتي تجول العالم بحريّة شديدة، وهي سعوديّة الجنسيّة، كما تجري العديد من اللقاءات التليفزيونيّة والصحفيّة، مصبوغة بلون البشر وبتعابير وجوههم لكنها معدنيّة الأصل، ما يجعلنا نتفاعل مع المدينة الحديديّة وأبطالها، وتتحول نوعية الدراما في الفيلم من نطاق الخيال العلمي إلى نطاق الأكشن والإثارة.

"وهكذا أدركت أن كوكبنا أصبح مسكوناً من قِبَل شيء أكبر بكثير، يمكن وصفه بأنه مملكة جديدة، المملكة السابعة. إنها مملكة الأنواع غير الحية"
دان براون، "الأصل"


تبدأ أحداث الفيلم في إحدى الأزمنة المستقبليّة، و تنقسم المواقع إلى مكانين ،أحدهما تدور فيه الأحداث وهو المدينة الحديديّة والتي تشعرنا بحضور قوي لأفلام الأنيميشن تحديداً، مع حضور بطلة الفيلم أليتا (الممثلة روزا سالازار) والتي تؤكّد ملامحها على ذلك الحضور، إلى أن يأتي دكتور أيدو ويذكّرنا أننا مازلنا في عالم البشر، حيث يعمل كطبيبٍ يداوي الإنسان المعدني كما يعمل صائد محارب، وهي نفس وظيفة "كريستوفر والتز" في العالم القديم في "django unchained" والتي ذهب بها إلى المستقبل في أليتا بنفس الأداء الهادئ المتزن، كما قام بإصلاح أليتا و أعادتها للحياة، كما أنقذ دجانجو من العبوديّة سابقاً.

انهار التسلسل الهرمي للكائنات الحيّة في سياق الفيلم، حيث قام المخرج روبرت رودريجز بعملية إحلالٍ للكائن الآلي مكان قرينه البشري، فنجد أبطال الفيلم الآليين لديهم من المشاعر والقلب القوي الشجاع ما لم يتميّز به بشري في الفيلم سوى الدكتور أيدو، والذي لم تتحوّل شخصيته عن السياق المرسوم لها من البداية، على عكس النماذج البشريّة الأخرى، مثل شيرين "جينيفر كونلي" والتي لم تتسم بالرحمة سوى في النهاية، ما أدّى إلى نهايتها، ومثلها هيوجو "كين جونسون" والذي انتهى حيث بدأت مشاعره في النهوض، لتكون أليتا هي أكثرهم امتلاءً بالمشاعر.

"هذا القلب يحمل من الإنسانية ما لم أره في إنسان قط"

هيوجو لأليتا


يحكي الفيلم صراعاً بين المدينة الحديديّة ومصنع "زالم" والذي لا ندخل إليه ولا نعرف مم يتكوّن أو من يعيش به، إلى أن يظهر نوفو، مخترع المدينة الحديديّة، والذي يتمتّع بمنافستهم وتدميرهم، ويفاجئ الجميع في النهاية بأمرين، أحدهما أنه بشري، وينتهي الفيلم بتلميحٍ لانتصار أليتا المستقبلي على ذلك البشري المخترع، والمفاجأة الثانية هي خلعه النظارة وانكشاف هوية النجم الساطع "إدوارد نورتون".

وضع المخرج الإنسان و عالمه مكان الإله، حيث عالمه المعلّق في السماء والمدينة الحديديّة في الأسفل، لا يستطيع أن يصل إليه أحد، يراهم في كلّ مكان و زمان، لا يراه أحد ولا يعرفه، لكنه ليس إله رحيم.

يبثّ الفيلم جرعة من التساؤلات والمخاوف حول مصير التكنولوجيا: إلى أين نحن ذاهبون؟ وهل سيبقى قانون البقاء للأقوى في صف الجنس البشري أم سيأتي يوم ويكون الإنسان الآلي هو الطرف الأقوى ويسود؟

عبّر الفيلم عن أجواء من القتامة والكآبة بشكل مثيرٍ و ممتعٍ، فهو فيلم سردي يحتوي على بداية وهي لحظة إيجاد دكتور أيدو لأليتا في قمامة مصنع "زالم"، ثمّ إصلاحها لتكتشف قواها ،ثم تصبح هي الطرف الأقوى مقارنةً بكلِّ أبطال الفيلم، وعلى الرغم من ظهور الفيلم بهيئة تشبه الخيال العلمي، إلا أن ألوانه كانت قاتمة لم تحمل أيّ نوع من أنواع البهجة، فما أن رأيت الفيلم حتى تذكّرت آراء "دان براون" في كتابه الأخير "الأصل"، حيث ناقش فكرة مرعبة وهي سيادة التكنولوجيا و اندماج دائرتها مع الدائرة البشريّة، لتتكوّن دائرة واحدة في التسلسل الهرمي، ومن أكثر المشاهد التي ركّزت على تلك الفكرة هي وجود رجل تلتفُّ حوله كلاب معدنيّة و معهم كلبين من الكائنات الحية، و أيضا نداء أليتا لدكتور أيدو بأبيها، حيث تؤكّد تلك المشاهد على الخلط بين الدائرتين بشكل عفوي، و يُعيدنا ذلك مرّة أخرى إلى الروبوت صوفيا و سماتها البشريّة، فهي تشبه أليتا وأبطال الفيلم كثيراً، حيث الوجه البشري والجسد المعدني.

كما وضع المخرج الإنسان و عالمه مكان الإله في الفيلم، حيث عالمه المعلّق في السماء والمدينة الحديديّة في الأسفل، لا يستطيع أن يصل إليه أحد، كما أنه يراهم في كلّ مكان و زمان، و يعلم ما يفعلون و يتلبّسهم و يتحدّث من خلالهم، لا يراه أحد ولا يعرفه، لكنه ليس إله رحيم هو إله متجبّر أنساه الجبروت أًصله، ما سيأتي بنهايته على يد هؤلاء المستضعفين "كرات المعدن" الذين يتحكّم بمصائرهم، ويركّز الفيلم على النهاية السريعة للبشري المتكوّن من لحم و دم، من ضربة واحدة على عكس المعدني، الذي يتحمّل الضربات بشكل بطولي بناء على تكوينه.

كأن التكنولوجيا أصبحت اليوم أهمّ من المعتقدات والأمم والشعوب، يتنازل كل منا عن أي شيء في الحياة بشكل غير واعي، مقابل كهرباء في منزله أو هاتف في يده، وفي هذا الصدد يبثّ الفيلم جرعة من التساؤلات والمخاوف حول مصير التكنولوجيا: إلى أين نحن ذاهبون، وهل سيأتي علينا يوماً تعضّ فيه التكنولوجيا اليد التي اخترعتها؟ وهل سيبقى قانون البقاء للأقوى في صف الجنس البشري أم سيأتي يوم ويكون الإنسان الآلي هو الطرف الأقوى ويسود؟

"ونحن مبدعو هذه المملكة الجديدة، مملكة التكنولوجيا"
دان براون "الأصل"


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard