هل تتحمّل المنطقة ربيعاً آخر؟

الخميس 18 أبريل 201904:08 م

في 22 فبراير الماضي، بدأت التظاهرات والاحتجاجات الشعبية ضد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، فاضطر إلى تقديم استقالته في الثاني من أبريل بعد عشرين عاماً في الحكم. وفي السودان بدأت الاحتجاجات الشعبية في 19 ديسمبر 2018 ضد الرئيس السوداني عمر البشير وتوسعت، ما دفع بالجيش السوداني إلى عزله بعد ثلاثين عاماً في الحكم.

يرى كثيرون من المحللين والخبراء أن ما يجري في السودان والجزائر يُعتبر الموجة الثانية للربيع العربي، وأن تأثيرها لن يقتصر على السودان والجزائر، بل سيطال دولاً أخرى في المنطقة ومن الممكن أن تتوسع الاحتجاجات بسبب استمرار الأسباب التي أدت إلى الموجة الأولى وعدم معالجة المشاكل السياسية والاقتصادية وظاهرة الفساد وغياب العدالة والحرية في أغلب دول المنطقة.

وعلى الرغم من تحقيق بعض مطالب المحتجين في الجزائر والسودان عبر إنهاء التفرد بالسلطة، إلا أن المواطنين في هاتين الدولتين ودول أخرى ينظرون بريبة وخوف إلى هذه التحركات خوفاً من تكرار نفس السيناريو الذي حصل في اليمن وسوريا وليبيا سابقاً وأدى إلى انتشار الفوضى وفقدان الأمن والاستقرار والتدمير الشامل.

وبالإضافة إلى النتائج الكارثية للموجة الأولى للربيع العربي على شعوب ودول المنطقة، فقد ساهمت أيضاً في زيادة النفوذ الإيراني في دول المنطقة، ونجحت طهران في استغلال الحراكات الشعبية لتوسيع نفوذها السياسي واستخدام الفوضى لتشكيل الميليشيات والجماعات المسلحة ونشر ثقافة ومبادئ الجمهورية الإسلامية في دول المنطقة.

خلال الموجة الأولى للربيع العربي، سارعت طهران إلى مباركة الثورات العربية واعتبر مرشد الثورة الإسلامية علي خامنئي في خطبة الجمعة، في الرابع من فبراير 2011، أن ما يجري هو "بوادر يقظة إسلامية في العالم مستوحاة من الثورة الإيرانية" لعام 1979.

وفي خطاب آخر، أكد خامنئي "أن التحركات الإسلامية الأخيرة في العالم الإسلامي مقدمة لتحوّل أكبر وسيادة الإسلام، وهي صرخة احتجاج ضد التبعية والتسلط الغربي، فشعوب المنطقة تريد الإسلام والعزة، وألا يكون لأمريكا تأثير في تقرير مصيرها".

ودفع الحراك الشعبي حينذاك الجنرال في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني إلى التأكيد "أن الحمية الثورية التي تجتاح مصر وغيرها من البلدان العربية تتمخض عن ‘إيرانات’ جديدة يجمعها العداء للولايات المتحدة سواء أردتم أم لم تريدوا".

حاولت إيران تصوير الحراك الشعبي في المنطقة على أنه امتداد لثورتها الإسلامية. وعلى الرغم من الفروقات الجوهرية بين الثورة الإيرانية والثورات العربية ومطالب الشعوب العربية لتحقيق العدالة والحرية وإنهاء الديكتاتورية، إلا أن إيران كانت تهدف إلى قيادة ما يجري لتوسيع نفوذها في المنطقة بشرط ألا تعارض الحراكات مصالحها كما حصل في سوريا حين وقف النظام الإيراني مع النظام السوري وواجه المحتجين بالسلاح والميليشيات.

وبالإضافة إلى التدخل الإيراني في سوريا والعراق واليمن والبحرين والمحاولات المستمرة لزعزعة الاستقرار في الدول العربية بحجة دعم شعوبها، أدت الموجة الأولى للربيع العربي إلى مجموعة من الكوارث بحق شعوب ودول المنطقة بغض النظر عن المسؤول عن هذه النتائج المأساوية.

حسب تقدير النائب الأول لرئيس البنك الدولي للتنمية المستدامة والعلاقة مع الأمم المتحدة والشراكات محمود محيي الدين، وصل الحد الأدنى لتكلفة الدمار والصراعات في المنطقة العربية منذ عام 2010 حتى اليوم إلى 900 مليار دولار، تشمل فرص النمو الضائعة والبطالة وتعطيل الثروات.

يتساءل كاتب المقال: "هل تتحمل المنطقة ربيعاً آخر بعد هذا الحجم الهائل من الفوضى والدمار، وهل هناك ضمان حقيقي لعدم تكرار ما وقع سابقاً؟"... فما رأيكم؟ هل هناك تغيير بدون ثمن ندفعه؟
يعتبر كاتب المقال أن الموجة الأولى للربيع العربي ساهمت في زيادة النفوذ الإيراني وتنامي الإرهاب في المنطقة وتسببت بخسائر قيمتها 900 مليار دولار ويتساءل: "هل تتحمل المنطقة ربيعاً آخر"؟ فما رأيكم؟

وهناك أرقام أخرى تؤشر على حجم الكارثة والمستقبل السوداوي الذي ينتظر المنطقة: 13.5 مليون طفل عربي لم يلتحقوا بالمدرسة عام 2017؛ 30 مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر؛ تريليون دولار كلفة الفساد في المنطقة العربية؛ خمس دول عربية في قائمة العشر دول الأكثر فساداً في العالم؛ 75% من لاجئي العالم عرب؛ 68% من وفيات الحروب عالمياً من البلدان العربية.

بين عامي 2011 و2017، تعرّضت الاقتصادات العربية والشرائح الاجتماعية المختلفة إلى كوارث تسببت في تشريد 14 مليون عربي وخسائر بشرية تصل إلى 1.4 مليون قتيل وجريح عربي وتدمير بنية تحتية تبلغ قيمتها 460 مليار دولار، عدا خسائر في الناتج المحلي العربي بقيمة 300 مليار دولار.

وعلى الرغم من أن النموذج الأنجح للموجة الأولى للربيع العربي هو تونس، إلا أن أرقام صندوق النقد الدولي تؤكد أن الدولة ما زالت تعاني من الآثار السلبية بعد الثورة الشعبية عام 2011، إذ شهدت تونس تسع حكومات بعد الثورة، ما يعني أن معدل عمر كل حكومة لا يزيد عن تسعة أشهر فقط، والوضع الأمني ما يزال متوتراً، ومتوسط النمو الاقتصادي بين 2012 و2018 أقل من نصف ما كان عليه عام 2006، والدين العام يساوي 71% من الناتج المحلي، ونسبة البطالة بين الشباب وصلت إلى نحو 35%، مع وصول نسبة التضخم إلى 8.1%، وانخفاض إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته منذ عام 1966.

ونتيجة للفوضى وزعزعة الأمن والاستقرار، ظهر العديد من التنظيمات والجماعات الإرهابية والمتطرفة، كان آخرها تنظيم داعش. وحسب المعلومات، فإن من بين 139 منظمة إرهابية في العالم، 19 منظمة تنشط في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى أن 70% من الحوادث الإرهابية في العالم وقعت في الشرق الأوسط وتسببت في 44% من وفيات العالم، وأكثر السنوات دموية كانت بين عامي 2014 و2015 وهي فترة ظهور تنظيم داعش في المنطقة.

بدأت الموجة الأولى للربيع العربي بشكل سلمي وبمطالب بسيطة وكان المواطن يحلم بالتغيير الحقيقي، ولكن الأحداث خرجت عن السيطرة وحصلت تدخلات خارجية وتعقيدات داخلية وكانت النتائج كارثية على الشعوب والدول التي تحتاج إلى عشرات السنوات لإعادة الإعمار والبناء من جديد. فهل تتحمل المنطقة ربيعاً آخر بعد هذا الحجم الهائل من الفوضى والدمار، وهل هناك ضمان حقيقي لعدم تكرار ما وقع سابقاً؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard