وجهان لحرب واحدة وقعت في سراييفو والجزائر.. قراءة في رواية "حطب سراييفو" لسعيد خطيبي

الأربعاء 17 أبريل 201906:06 م

"حطب سراييفو" رواية كُتِبت وفق السّلم الخاصّ بالآلات الموسيقية كالبيانو. وقد ضَبط كاتبها الجزائري الشاب سعيد خطيبي نوتاتِها ليعزفَ لحناً متعدّد الأصوات لكنه متناغمٌ لا نشاز فيه ما بين صوتٍ وآخر.

تنتقل أحداث الرواية وفصولها، في ذات الوقت، من الجزائر إلى سراييفو، ثمّ إلى ليوبليانا، فسراييفو، إلى أن تنتهي وصلة العزف في الجزائر أخيراً. وعلى ذلك الإيقاع جاءت نوتة بطل العمل الجزائري "سليم" والنوتة الموازية لها في الزّمن نوتة البوسنية "إيفانا" لتشكّلا بتقاطع وتشابك أحداث حياتهما، الأجزاءَ الأربعة للرواية التي عنونها الكاتب بالتّرتيب كالآتي: ربوة النّاجين، خارطة ممحوّة، ألهو مع النّدم، وقبر منسيّ.

أجزاء تناولها سعيد خطيبي بلغة بسيطة التّعابير، سهلة الأسلوب، لا هي لغة حب ولا هي لغة حرب، بطعم الغضب تارة وتارة بمرارة الإحباط، ملفوفة في جمل قصيرة تختزل ما يُحكى في مجلّدات وأخرى شبه طويلة لكنها لا تقطع النَّفَسْ. لغةٌ هادئة وأسلوب شيّق جعلا من "حطب سراييفو" (منشورات الاختلاف وضفاف، الجزائر، بيروت/2018) رواية موفّقة، وأثبتت بأنّ مؤلفها وهو يكتبها خلع عنه عباءة روايته السّابقة (أربعون عاماً في انتظار إيزابيل) لينسج تجربة مختلفة وعملاً جديداً بمنعطفٍ سردي مغاير يُحسب له.

نوتة الجزائر

يعزفها "سليم دبكي"، الصّحافي الشّاب بالقسم الثّقافي لجريدة "الحرّ"، قبل أن ينتقل للكتابة في الشّأن السّياسي، على وقع لحن أنين سنوات العشرية الحمراء والإرهاب الأعمى الذي ضرب الجزائر خلال عِقد تسعينيات القرن الماضي.

سليم، شابّ من أسرة ثورية من مدينة بوسعادة (جنوب الجزائر)، استقرّ به الحال بالعاصمة عقب الاستقلال (1962). فوالده "سي عمّار" وعمّه "سي أحمد" كانا مجاهديْن أيّام حرب التّحرير، وبعد تكلّل البلد بالاستقلال، تفرّقت السُّبل بالأخوين، فبقي أبو سليم في العاصمة، بينما سافر العمّ بعد سنوات قضاها في الجزائر إلى يوغسلافيا ليبدأ حياةً "جديدة" هناك.

حياةٌ لم يكن سليم ليعرفها أو يُصبح جزءًا من تفاصيلها لاحقًا لو لم يقترح عليه عمُّه المهاجر إلى تلك البلاد الباردة النّاشئة –حينها– المسمّاة بـسلوفينيا الحضور إليه، وهو الذي شارك في حرب "البوسنة والهرسك"، خاصة وأنّ سليم نفسه كان يبحث عن الفرصة المواتية للهرب من الجزائر ومن أخبار الدّم التي كانت تسودّ ورق الجرائد كلّ يوم، بعدما سكنه الخوف حدّ الهوس من أن يصبح فريسة لرصاص "القتلة" وأن يُغتال في غفلة منه، مثلما حصل لزملاء له.


وسليم عارفٌ، وهو يكتب عن معاناة أناس يصارعون تلك الدوّامة، وهُم أنفسهم لن يحزنوا عليه لو أصابه مكروه، لتأتي تلك "الفرصة" وتأشيرة سفر وتُبعده عن "كوابيس" حرب الجزائر الدّاخلية التي –حسب قوله– لم يستطع أحد تحديد اسم لها، ويتخلّص –قليلاً– من معاناة يومياته البائسة وشقائه كصحافيّ، لا سيما بعدما تمّ منع الجريدة التي يعمل بها من الصّدور، ويبتعد عن قتامة الوضع السّياسي وسط اتّساع برَكِ الدّم التي ابتلعت الجميع دون استثناء، فيتأبّط سليم وثائقَه وذكريات حبّ عشيقته "مليكة" المدرّسة بالثانوية، متوجّها إلى الحُلم، على أمل احتضان جديدٍ قد تمنحه إياه عاصمة سلوفينيا، التي تُدعى ليوبليانا.

أجزاء تناولها سعيد خطيبي بلغة بسيطة التّعابير، سهلة الأسلوب، لا هي لغة حب ولا هي لغة حرب، ملفوفة في جمل قصيرة تختزل ما يُحكى في مجلّدات وأخرى شبه طويلة لكنها لا تقطع النَّفَسْ.

نوتة سراييفو

بطلتها "إيفانا"، شابّة بوسنية من أصل كرواتي، مسكونة بلوثة الفنّ، حلمها الوحيد أن تصبح مؤلفة أو ممثّلة مسرح؛ حالمة تعيش وسط أسرة مهلهلة، فالأب المتوفّى لقيط، سكّير بتاريخ مُخزٍ حملت وزره أمٌّ كلُّ همِّها المحافظة على أسرة "متهاوية أصلاً"، وأخت تعاني من اضطراب نفسيّ، ومن أشباح تقاسمها حياتها الحميمة، وأخ ترك كلّ شيء ورحل.

كلّ تلك الظّروف الصّعبة، والأصعب منها ظروف بلادها "البوسنة والهرسك"، بعد حرب التّسعينيات، التي أصبحت الحروب توأمها وقدر أهلها على امتداد تاريخها، حالت بينها وبين ترجمة ذلك الحلم إلى واقع، لتفكّر هي الأخرى في ترك أرضِ منشأها والهجرة إلى مكان آمن حيث تحقيق الأحلام فيه أمر ممكن، ولا تجد أمامها سوى سلوفينيا، حيث تنبعث منها نجمة في سماء المسرح تُنسيها هجر حبيبها "غوران" لها، وكلّ من أراد استغلال جسدها وأنوثتها.

النّاجون من الطّوفان في الجزائر والبلقان

ويلتقي سليم بإيفانا التّائهة في ليوبليانا، تحت سقف مقهى "تريغلاو" لصاحبه "سي أحمد"، عمّ سليم. الكاتب سعيد خطيبي لمّ شملهما في تقاطع أحداث مهمّة، وتشابكات بين قدريْهما، جمع بينهما وصعّد في حركة السّرد، التي أوصلت أحداث الرّواية إلى ذروة تأزّم انتهت بمقتل العمّ "سي احمد" واتّهام "إيفانا" بقتله وسجنها ليتّضح في ما بعد بأنّها بريئة والجاني الحقيقي هو حبيبها "غوران".

ويقع البطل على اكتشاف حقيقة لم يكن يتوقّع أن توجد في حياته أصلاً؛ حقيقة أنّ "سي أحمد" الذي ظنّ طول العمر أنّه عمّه، هو في حقيقة الأمر والده وبأنّ والده الذي كان يعتقد أنّه والده هو عمّه! ومثلما جمعهما في مساحة واحدة، عاد الكاتب ليفرّق بينهما ويُعيدهما إلى نقطة البدء من حيث جاءا، بعدما اكتشفا بأنّ الوطن البديل الذي التقيا فيه ما هو إلا سراب، وبأنّ سجن الوطن أرحم من سجن الغربة والكرامة المهدورة وسط الغرباء، فعاد سليم إلى الجزائر لينشأ صحيفة أسبوعية أسماها "رادار"، و"إيفانا" إلى سراييفو لتكمل كتابة نصّ مسرحيتها الجديدة المقتبسة من تجربتها في سلوفينيا جاعلة من سليم بطلها، وتعرضها على أهم مسارح المدينة.

من خلال هذه الرّواية يبدو كأنّ ما حصل في الجزائر وسراييفو وجهان لحرب واحدة، باعدت بينهما الجغرافيا غير أنّ الحرب وفظائعها جعلتهما توأم بعضيهما زمنيًا في المعاناة والقدر غير المحسوب.

من خلال هذه الرّواية يبدو كأنّ ما حصل في الجزائر وسراييفو وجهان لحرب واحدة، باعدت بينهما الجغرافيا غير أنّ الحرب وفظائعها جعلتهما توأم بعضيهما زمنيًا في المعاناة والقدر غير المحسوب، لتُنشر الحكاية/الرّواية على صفحات أسبوعية سليم الجديدة، الذي وقع بين مخلبي التّهديد والعنف الدّامي في الجزائر، ويقرأها النّاس من بعده.

سعيد خطيبي، روائي جزائري، من مواليد 1984. صدر له كتاب "جنائن الشّرق الملتهبة" (2015)، وهي رحلات في بلدان البلقان، و"أربعون عاماً في انتظار إيزابيل" (2016)، رواية تستحضر الرّحالة السويسرية إيزابيل إيبرهارت، التي عاشت وماتت في صحراء الجزائر. كما ترجم عدداً من الأعمال الأدبية من الفرنسية إلى العربية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard