الجنرال السوداني "حميدتي"... من رجل البشير إلى رجل التغيير؟

الأربعاء 17 أبريل 201906:43 م
Read in English

"حمايتي". هكذا كان يحلو للرئيس السوداني المخلوع عمر البشير مناداة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي". ولكن في الفترة الأخيرة، بات "حميدتي" من رجال التغيير، وأحد الفاعلين في مسار حراك 19 ديسمبر المستقبلي.

فبعد نجاح الحراك في إنهاء حكم البشير، بعد 30 عاماً قضاها في الحكم، والإطاحة بخلفه عوض بن عوف عقب 24 ساعة فقط من تنصيبه رئيساً للمجلس العسكري الانتقالي، استقر الأمر، وجرى تشكيل مجلس عسكري جديد عُيّن "حميدتي" فيه نائباً لرئيسه الجنرال عبد الفتاح البرهان، في ظل قبول شعبي للتشكيلة الجديدة يتنامى يومياً. فهل دخل الجنرال حقل السياسة؟

دور مفصلي في التغيير

بعد خمسة أشهر من التظاهرات التي بدأت في ديسمبر الماضي، أحيا ثوار السودان ذكرى انتفاضة أبريل 1985 التي أطاحت بالرئيس جعفر النميري. كسروا الطوق الأمني، وتجاوزوا القمع، وتحدّوا درجات الحرارة المرتفعة، ليصلوا إلى مقر قيادة الجيش، وهناك نصبوا خيمهم وقرروا الاعتصام حتى إزاحة النظام.

صمد المعتصمون غير مبالين بمحاولات النظام العديدة لفض تجمعهم بشتى السبل، بما في ذلك اللجوء إلى القناصة ومهاجمتهم كل صباح بالرصاص الحي والغاز المسيّل للدموع، خاصة أن بعضاً من ضباط الجيش الصغار وفّروا لهم غطاء الحماية.

انحنت قيادات الجيش أمام عاصفة الضغط الشعبي، وتمردات الضباط الصغار. أقصي البشير واستلم نائبه الأول ووزير الدفاع عوض بن عوف السلطة كرئيس للمجلس العسكري لكنه ما لبث أن تنحّى تحت ضغط المتظاهرين الذين لا يرون فيه سوى ظل للمخلوع، وتشكّل مجلس عسكري جديد، لينال بن عوف لقب صاحب أقصر فترة حكم للسودان.

دور "حميدتي" في عملية التغيير كان مفصلياً. فحين كثر الحديث عن أن قواته هي التي تهاجم المعتصمين فجراً، والتحذير من مواجهات مسلحة مع ضباط الجيش، خرج الجنرال ببيان أكد فيه أن دور قواته محصور في تأمين الحدود، ولا علاقة لها البتة بالتعامل مع التظاهرات، بل هدد بالتصدي لكل مَن يعتدي على الناس وممتلكاتهم، ودعم موقفه بإرسال قواته إلى ساحة الاعتصام لتشارك في حماية المتظاهرين.

أدوار جديدة

بعد الإطاحة بالبشير، خرج رئيس اللجنة السياسية للمجلس العسكري ليقول إن انحياز قائد قوات الدعم السريع للتغيير مهّد لاستلام اللجنة الأمنية العليا السلطة، في مفارقة بادية للعيان كون اللجة المذكورة كوّنها البشير من عدة قوات (الجيش، الأمن، الدعم السريع والشرطة) لقمع التظاهرات وفض اعتصام القيادة.

ويوم تنصيب الجنرال عوض بن عوف، اعتذر "حميدتي" عن قبول أي منصب في المجلس العسكري الانتقالي، معلناً وقوفه في صف الشعب السوداني في توقه إلى الحرية.

وحين انزاح بن عوف تحت وطأة الرفض الشعبي، عاد "حميدتي" ووافق على دخول المجلس العسكري الانتقالي، في مؤشر على تجاذبات بين الجنرالات حول طبيعة المرحلة الانتقالية. وجرى ذلك بعدما بدّل الجنرال كثيراً من الصورة الشعبية السيئة عنه والتي تربطه قواته بارتكاب فظائع وانتهاكات في إقليم دارفور.

عن مواقف "حميدتي" الأخيرة، يقول نائب رئيس حزب الأمة المعارض صديق محمد إسماعيل، إنه يثمّن عالياً "الموقف الوطني البطولي الذي وقفه لصالح الثورة السودانية".

ويضيف لرصيف22 أنه "لولا ‘حميدتي’ لتعثرت خطى الثورة في البلاد".

وكان البشير قد استنجد بـ"حميدتي" الذي أحضر قوات كبيرة إلى قلب العاصمة الخرطوم، ولكنه بدلاً من أن يشارك في قمع الثورة، انحاز إليها ما بدَّل في موازين القوى بشكل كبير في لحظة التغيير المفصلية.

لكنّ القيادي الشاب في تنظيم التجمع الاتحادي المعارض، أحد المكوّنات الرئيسة التي قادت التظاهرات في الفترة الفائتة، وليد فاروق، يذهب بالأمور إلى منحى مغاير، ويقول إن انحياز "حميدتي"، على أهميته في تسريع وتيرة التغيير، كان موقفاً براغماتياً سمح له بالقفز من "تايتانيك البشير" التي كانت ستأخذ كل مَن فيها إلى القاع.

ويضيف لرصيف22 أن قضايا الانتهاكات المنسوبة إلى قواته في إقليم دارفور يجب أن تكون محل تحقيقات معمقة، لمعرفة ما إذا كانت فردية أو بتعليمات مباشرة من قائدها.

رغم ذلك، يدعو فاروق إلى تأجيل مناقشة هذه المسألة حتى استقرار الثورة السودانية، تجنّباً للدخول مع القائد العسكري القوي في حروب يخشاها الجيش والأمن على حدٍ سواء.

وقوات الدعم السريع التي يقودها "حميدتي" تشكلت في البداية من نواة قبلية، بغرض حماية وتأمين القوافل التجارية، ثم صارت تلعب أدواراً بارزة في حملات الحكومة لنزع السلاح من خصومها. وبعد تنسيبها رسمياً إلى الجيش، أوكلت لها مهام تأمين الحدود، لا سيما الحدود مع ليبيا، للحد من الإرهاب والجرائم غير الشرعية وعلى رأسها الإتجار بالبشر.

اتهامات وردود

خلافاً للسجالات حول دور قوات الدعم السريع في انتهاكات النظام في دارفور، أشارت أصابع الاتهام عام 2013 إلى أنها وراء عمليات القمع المفرط لـ"ثوار سبتمبر"، وقتل نحو 185 منهم باستخدام الرصاص الحي.

ولاحقاً، في نوفمبر 2017، أعلن والي شمال كردفان، أحمد هارون، إبعاد قوات الدعم السريع من الولاية بسبب مقتل أحد المواطنين على يد واحدٍ من أفرادها، ما عزز من الاعتراض على سلوك القوة.

وفي العام الفائت، وبدعوى القضاء على الظواهر السلبية، انتشرت قوات عسكرية في العاصمة الخرطوم على متن عربات دفع رباعي ومارست التنكيل ضد المواطنين، وظهر بعض أفرادها وهم يقومون بحلاقة رؤوس الشباب بالأسلحة البيضاء، وألصقت التهمة بقوات الدعم السريع.



حينذاك، خرج "حميدتي" في برنامج تلفزيوني وهو مغتاظ وقال إن قواته إبان سبتمبر كانت في تدريب خارج الخرطوم، واتهم من أسماهم بـ"الطابور الخامس" بانتحال صفة قواته لتشويه سمعتها.

يقول سودانيون: "لولاه لتعثرت خطى الثورة في البلاد"... عن الجنرال السوداني "حميدتي" لذي استنجد به البشير فأحضر قوات كبيرة إلى قلب الخرطوم، ولكنه بدلاً من أن يشارك في قمع الثورة، انحاز إليها
يرى معارضون سودانيون أنه كان صاحب الصوت الأعلى بين القيادات العسكرية في دعم التغيير، ويتساءلون: "هل من المنطقي خسارة قائد بهذا الحجم؟"... عن الجنرال السوداني "حميدتي" الذي يحرّك نحو 40 ألف مسلّح

وبشأن حادثة شمال كردفان، أصر على أنها حادثة فردية، ارتكبها أحد جنوده المخمورين، وقال إنه جرى تسليمه للسلطات، ورُفعت عنه الدعم، ولكنه أضاف أن ذلك لم يكن كافياً لوالي الولاية الذي حاول استثمار الحادثة سياسياً، وقال قولته الشهيرة: "أحمد هارون يريد أن يتكسب من موقفه سياسياً"، مضيفاً أن الرجل ينبغي سجنه بدلاً من تنصيبه والياً، في تصريح فُهم منه تلويحه بتسليم هارون للمحكمة الجنائية الدولية التي تطالب بتسلّمه هو وعدد من القادة السودانيين.

نقطة فاصلة

تحوّلت قوات الدعم السريع التي يُقدّر عدد عناصرها بنحو 40 ألفاً، طبقاً لإحصاءات غير رسمية، إلى جزء مهم في المنظومة العسكرية، وكانت وراء انتصارات حكومية مدوية على الحركات المسلحة في إقليم دارفور، أشهرها معركة "قوز دنقو" ضد حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم.

ولعبت هذه القوات دوراً كبيراً في تأمين الحدود عند المثلث الحدودي بين السودان، وليبيا ومصر، كما تنتشر على الحدود السودانية-التشادية، وعلى تخوم إريتريا.

وحاز السودان على عدة إشادات دولية بالأدوار المهمة التي يلعبها في مكافحة الإرهاب والإتجار بالبشر والجرائم العابرة للحدود.

حالياً، يقول المحلل السياسي أبو بكر عبد الرازق لرصيف22 إن "حميدتي" كان صاحب الصوت الأعلى بين القيادات العسكرية في دعم التغيير، وظهر ذلك حتى قبل الإطاحة بالبشير، ويضيف أن قواته لم تشارك مطلقاً في قمع التظاهرات، ويتساءل: "هل من المنطقي خسارة قائد بهذا الحجم؟".

تقاطعات دولية

بمجرد تسمية البرهان و"حميدتي" على رأس المجلس العسكري، سارعت السعودية والإمارات إلى مباركة التغيير، وأعلنتا إرسال مساعدات عينية تشمل القمح والوقود إلى السودان.

ولإضفاء مزيد من الشرعية على موقف المجلس العسكري، انخرط "حميدتي" في لقاءات مع السفراء الغربيين شملت القائم بالأعمال الأمريكي ستيفن كوتسيس، والسفير البريطاني عرفان صديق، وسفير بعثة الاتحاد الأوروبي لدى الخرطوم.

يؤكد رئيس تحرير صحيفة "الجريدة" أشرف عبد العزيز قرب قادة المجلس العسكري الانتقالي الشديد من المحور الخليجي، ويقول إن ذلك تكرّس بالرسالة القوية التي أكّد فيها المجلس العسكري الإبقاء على مشاركة الجنود السودانيين في حرب اليمن.

ويقول عبد العزيز لرصيف22 إن البرهان و"حميدتي" هما من أشد الجنرالات دعوة للبقاء في محور السعودية والإمارات، على حساب بقية المحاور بما في ذلك المحور التركي-القطري.

وتربط علاقة جيّدة بين عبد الفتاح البرهان و"حميدتي" متّنتها أيام عمل مشترك طويلة في دارفور، حين كان الأول مسؤولاً عن قوات حرس الحدود التي أصبحت لاحقاً قوة نظامية تتبع الجيش.

لكن ما قد يثير مخاوفاً عند الرياض هو إصرار قوى الحرية والتغيير التي قادت التغيير على تشكيل حكومة مدنية تتولى إدارة البلاد، مع منح  المجلس العسكري صلاحية رعاية الأوضاع الأمنية في البلاد حتى إجراء انتخابات، بعد المرحلة الانتقالية.

ويطمئن عبد العزيز بأن موقف القوى المعارضة يكاد يكون ذات موقف المجلس العسكري، لأن الفصائل الموقعة على ميثاق الحرية والتغيير ترفض وبشدة تدخلات قطر وتركيا، باعتبارها مدخلاً لإعادة إنتاج الإسلاميين في الحكم.

حالياً، من المتوقع أن يخسر المجلس العسكري معركته ضد الشارع والمعارضة، وأن يوافق على حكومة مدنية تحكم البلاد في مرحلة الانتقال. ولكن ذلك لن يؤثر في حظوظ "حميدتي" المستقبلية في لعب أدوار رئيسية بعدما قطع تذكرته على قطار الثورة باكراً.

يحيط "حميدتي" نفسه بقائمة مستشارين، ويمتلك القوة العسكرية الضاربة في معادلة الأمن الداخلي، وجزء كبير من قواته يقاتل في "التحالف العربي" في اليمن، وجزء آخر يؤدي أدواراً كبيرة ضمن منظومة مكافحة الإرهاب.

اقتصادياً يدير الرجل أحد أهم مناجم الذهب في البلاد (جبل عامر)، ويجتهد حالياً في الحصول على شهادة جامعية من جامعة النيلين، وله صلات مميزة في الأوساط الإعلامية.

واليوم، صار وجهاً مقبولاً عند المتظاهرين الذين يهللون له ولقواته، ويرى كثيرون أنه قادر بعلاقاته الدولية على حلحلة الأزمة الاقتصادية الصعبة، وظهر ذلك في الدعم الخليجي السعودي الإماراتي للسودان بعد ساعات فقط على تشكيل العسكري الجديد.

بناءً على كل هذه المعطيات، يرى كثيرون أن لـ"حميدتي" دور مفصلي في المرحلة المقبلة من عمر البلاد لا محالة. ويقول عبد العزيز إنه يملك شواهد عديدة على أن الرجل جاهز للعب دور مفصلي في حياة السودان، كما يقول صديق محمد إسماعيل إن من حقه أن يطمح إلى منصب سياسي، بما في ذلك رئاسة البلاد، بعد مواقفه المؤيدة للثورة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard