إن كانت جريمتي أفكاري، فأنا فخور بها..أدباء وفنانون مصريون في مواجهة السلطة

الأربعاء 17 أبريل 201905:17 م

"عزيزي القارئ.. لن تعرفني أبدًا، لأنني سأوقّع هذا الكتاب باسم مستعار، لستُ خائفًا، أنا، والحمد لله، شجاع أبًا عن جد، كلّ ما في الأمر أننا نعيش في مجتمع متخلّف كذّاب يعشق الأوهام، ولست مستعدًا لدفع ثمن غباء الآخرين.. عِشتُ خمسة وخمسين عامًا، أمضيتُ معظمها في التأمّل العميق، حتى توصلت إلى عدة حقائق، فصار واجبي أن أعلنها وأوثقها. إن النظريات التي سأقدّمها في هذا الكتاب، جديرة بالتدريس في الجامعات، لو كنا في دولة محترمة؛ لكننا، للأسف، في مصر، حيث لا كرامة لمفكّر جادّ أو عالم نابغة، بينما المجد، كلّ المجد، للأفاقين والأدعياء".

علاء الأسواني: جريمتي الوحيدة أنني كاتب أعبّر عن رأيي، وأوجّه النقد إلى من يستحقّه حتى لو كان السيسي نفسه.

تلك الافتتاحية لم تكن لأيٍّ من كتب الأديب المصري علاء الأسواني، لكنها من نسج خياله هو، وعلى لسان "أشرف ويصا"، أحد أبطال روايته الأخيرة "جمهورية كأن"، الصادرة عن دار "الآداب" اللبنانية العام الماضي، والممنوع طبعها في مصر، والمحظور تداولها بالأردن وأكثر من دولة عربية أخرى، وهي الرواية التي عرضته للملاحقة القضائية وتسببت في طلب مثوله أمام القضاء العسكري، لاتهامه بالتحريض على النظام المصري وإهانة رئيس دولته عبد الفتاح السيسي.


«الكلمة» جريمة الأسواني منذ 10 سنوات!

"جريمتي الوحيدة أنني كاتب أعبّر عن رأيي، وأوجّه النقد إلى من يستحقّه حتى لو كان السيسي نفسه (...). سيادة المدعي العام العسكري إذا كانت جريمتي هي التعبير بصراحة عن أفكاري فإني معترف وفخور بها.. إنّ ما تعتبرونه جريمةً، أعتبره واجبَ الكاتب وشرفَه، ولسوف أستمرّ في ارتكاب هذه الجريمة حتى نهاية العمر".

الكلمات السابقة على لسان علاء الأسواني نفسه، وليس أيّ من شخصياته الروائية، وما أسماه ساخرًا أو متحسرًا، جريمة، كونه يقول رأيه، ليس وليد اللحظة، فالروائيّ المصري، استغل قلمه في عرض رؤاه السياسية المناوئة للسلطة الباطشة منذ أن شرَع في مزاولة الأدب عام 1990، حتى جاءت الذروة عام 2002، حين أصدر روايته الأشهر "عمارة يعقوبيان"، وأحدثت طفرة في مبيعات الكتب بالسوق المصرية، وفيها عرض الأسواني حالة البون الشاسع الذي عاشه المصريون، فبين طبقة تستحوذ على كلّ شيء، وأخرى لا تملك إلا شرفها، المُعرض في غالب الأحيان للبيع اضطرارًا، أو الانسحاق عنوة.


الرواية ذاتها حوّلها السيناريست وحيد حامد لفيلم سينمائي أخرجه نجله مروان بعدها بأربعة أعوام، وتمّ اعتباره وقتها واحدًا من أهم أفلام المرحلة، وعلامة فارقة في تاريخ أبطاله: عادل إمام، ونور الشريف، ويسرى، وخالد الصاوي.

عند عرض فيلم "عمارة يعقوبيان"، كانت الدولة المصرية المُمثلة في الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، تتأهب لتعديل بعض المواد الدستورية، واشتهرت حينها بمواد التوريث، لأنها حددت صفات للمرشح الرئاسي لا تنطبق إلا على جمال مبارك نجل الرئيس، في المقابل كان علاء الأسواني، يتحرك بخطوات فعلية لإزاحة مبارك عن سدة الحكم، باشتراكه في تأسيس حركة "كفاية"، التي ساهمت بشكل كبير في تحريك المياه الراكدة في مصر، منذ نشأتها عام 2004، حتى المشاركة الفعالة في ثورة يناير 2011.

تلك الفعاليات الثورية على أرض الواقع، أثّرت على الأسواني، فجعلته يُصدر كتبًا سياسية بحتة، في الفترة الوجيزة (2010 ــ 2016)، والتي يكفي فقط ذكر عناوينها لنستدل على مضامينها: "لماذا لا يثور المصريون؟"، و"هل نستحق الديموقراطية؟"، ثم "مصر على دكة الاحتياطي"، و"هل أخطأت الثورة المصرية"، وأخيرًا "من يجرؤ على الكلام؟".

الأديب "جرُأَ على الكلام" فأقال رئيس وزراء

مساء الأربعاء 2 مارس 2011، جلس رئيس الوزراء الأسبق أحمد شفيق، على الهواء مباشرة، فيما يشبه المناظرة أمام الكاتب علاء الأسواني، والإعلامي الراحل حمدي قنديل، وكان شفيق وقتها لم يُكمل ثلاثة أشهر في منصبه الذي عيّنه فيه مبارك قبل خلعه بأحد عشر يومًا.

منذ اشتراك واكد وأبو النجا في ثورة يناير، ارتبط اسماهما دائمًا بخندق الفنانين ذوي الرؤية السياسية، وهم قلّة في مصر.

شهدت المناظرةُ حصارًا ذكيًا برع فيه الأسواني بحججِه القوية، التي أثبتت فشل حكومةِ شفيقِ أمامَ جموعِ المشاهدين، في حين جاءت ردود رئيس الوزراء باهتة تورّطه أكثر مما تُنجيه.


لم يمرّ سوى ساعات قليلة على تلك المناظرة، حتى استيقظ المصريون صباح اليوم التالي على خبر إقالة أحمد شفيق من منصبه، من قِبل المجلس العسكري، الحاكم للبلاد وقتها، وتعيين الدكتور عصام شرف رئيسًا للوزراء، وهو ما اعتُبر انتصارًا مؤقتًا للثورة؛ وبينما كان الثوار يحملون رئيس الوزراء الجديد على الأعناق في ميدان التحرير، كان أمن الدولة يفرم المستندات التي تُدين النظام، حين شعر بقرب زواله بعد سقوط شفيق، آخر معاقله.

"جريمة" الأسواني تطال عمرو واكد وخالد أبو النجا

المعارضة للنظام المصري الحالي لم تؤثر تداعياتها على الأسواني فقط، بل طالت اثنين من الفنانين شاركاه أيضًا في ثورة يناير 2011، وهما عمرو واكد وخالد أبو النجا، حين قامت الدنيا ضدّهما ولم تقعد، جراء عقدهما ندوة في الكونجرس الأمريكي، أعلنا خلالها رفضهما للتعديلات الدستورية الجاري تمريرها بعد الاستفتاء عليها، فكانت الضربة الأولى الموجهة ضدهما من قبل نقابة المهن التمثيلية التي ينتميان إليها، حين أصدرت بيانًا يُفيد بشطب عضويتهما، واعتبارهما أقدما على خيانة عظمى من شأنها الإضرار بمصالح البلاد.

منذ اشتراك واكد وأبو النجا في ثورة يناير، ارتبط اسماهما دائمًا بخندق الفنانين ذوي الرؤية السياسية، وهم قلة في مصر، وهو ما ساهم بشكل أو بآخر في التضييق عليهما فنيًا وإعلاميًا، فلن تجد أيًّا منهما ضيفًا في برنامج فنّي في مصر يتحدث عن آخر أعماله، أو يجري حوارًا لمجلة أو جريدة ما، ناهيك بأنه بعد القرار الأخير، لن يُعرض عليهما المشاركة في أي عمل فني جديد.

بالنظر على المسيرة الفنية لكليهما، تجد بها ومضات من رؤاهما الخاصة، وهي مجرد ومضات، لأنهما ليسا نجمي شباك بحكم السوق الإنتاجية المصرية، لذلك تجدهما في البدايات يقدّمان أعمالًا خفيفة، بل سطحية، من باب الانتشار فقط، لكنها لن تُبرز ما يتمتعان به من موهبة حقيقية، ومع الوقت نجدهما يبدعان كلٌّ على حدة في أدوار ثانوية، قد تخطف الأنظار من بطل الفيلم نفسه، كما حدث مع عمرو واكد في فيلم «إبراهيم الأبيض» عام 2009.

معارضة واكد وأبو النجا على الشاشة.. الرمزية هي الحل

لم يجد خالد أبو النجا ضالّته الفكرية والفنية إلا في بطولة فيلمين وحيدين للمخرج داود عبد السيد ــالذي للمفارقة هو الآخر متهم ملاحق بتهمة قلب نظام الحكم جراء مواقفه السياسية ــ ففي فيلمي «مواطن ومخبر وحرامي» (2001)، الذي أرسلا من خلاله رسالة ظاهرها فيه البهجة، وباطنها التشاؤم الجالب للعذاب، حين انتهى داود إلى حتمية تعايش المواطن مع المخبر والحرامي، بعدما تناحرت الفئات الثلاث داخل منزل أشبه بالوطن، يعُجّ بالتُحف والكتب الهامة، والموسيقى الكلاسيكية، لكنه متهالك، وبعدما نهش "المخبر" جدرانه، وانتهك حرمته، وسرقَ "الحراميُّ" مقتنياته، وقف المواطن" عاجزًا مكتوف الأيدي.


الرسائل الفلسفية هي ديدن "عبد السيد" في أعماله، فنجده في آخر أفلامه السينمائية "قدرات غير عادية" (2015) لبطله خالد أبو النجا، يخلق صراعًا بين "حياة" وابنتها من جهة، والضابط الطامع في السيطرة على القدرات غير العادية التي تملكها حياة وابنتها من ناحية أخرى، فتصيبه لعنة الحرائق أينما حلّ، في رسالة مفادها أن النصر حليف الشعوب مهما طال انتظاره، والبطش مصيره إلى الزوال.

وبنفس منطق الرمزية أو الرسائل غير المباشرة، كان للفنان عمرو واكد تجربة مشابهة، في مسلسل "الزوجة الثانية" (2013) للمخرج خيري بشارة، المأخوذ عن فيلم بنفس الاسم، لكن مع تغيير في الأحداث، حينها كان يمثل واكد شخصية "أبو العلا" المغلوب على أمره في البداية حتى يفكر برفقة زوجته التي أخذت منه في الانتقام من العمدة الظالم بنهاية الأحداث وكأنه إعلان للثورة على الحكم.

ويبدو أن الرمزية ستظلّ هي الملجأ لمن يريد أن يعبر عن رأيه في الأعمال الفنية، لأن محاولة التصريح ستكلف أصحابها عواقبَ أهونُها عدم عرض العمل، كما حدث مع تجربتين لعمرو واكد؛ الأولى في فيلم «18 يوم» (2011) الذي تم بثه عبر "يوتيوب"، عندما انقطع أمل صنّاعه في عرضه بأيّ صورة كانت، والثانية في مسلسل "أهل إسكندرية" الممنوع عرضه حتى الآن، لكاتب مغضوب عليه أيضًا من قِبل النظام المصري، هو السيناريست بلال فضل، فمنذ عام 2014، حتى الآن والمسلسل لم يرَ النور، وحجة منعه أنه «بيخدم على الإخوان»، بحسب ما قاله أسامة هيكل، رئيس لجنة الإعلام بمجلس النواب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard