"أنا نجوت لكن زكير لم يفعل"... تحقيق مُعمّق عن العمال المهاجرين في البحرين وقصص موتهم العبثي

الخميس 18 أبريل 201901:30 م

بعد ساعات طويلة من العمل الشاق تحت حرارة الشمس الحارقة، كان عامل البناء البنغالي* زكير عبد الرشيد (39 عاماً) يتعشّى حساء العدس على سرير خشبي متهالك، عندما سمع دويّ انفجار هزّ المكان حوله، قبل أن ينهار جزء من المبنى حيث يعيش في حي السلمانيّة في العاصمة البحرينية المنامة ويلقى حتفه تحت الأنقاض.

"كان في الغرفة بجواري يتحدث قبل موته بساعات عن رائحة الموت التي نشتمّها في هذا المنزل المتهالك، لقد نجوت ولكنه لم يفعل"... يصف جلفاش، الذي يعمل هو الآخر مع شقيقين آخرين في البحرين، اللحظات الأخيرة لشقيقهم الرابع زكير. كان جلفاش يتكلّم وهو ينتظر في سفارة بلاده في البحرين إجراءات نقل جثمان شقيقه إلى بنغلادش.

أودى الانفجار الذي وقع في التاسع من أكتوبر 2018، نتيجة تسرّب من أسطوانة غاز، بحياة ثلاثة عمال آخرين من بنغلادش، فيما يُعالج 40 في مستشفى السلمانية الحكومي ولا يزال بعضهم يعاني من جروحٍ خطرة.

"سوف يعملون وهم يتألمون"

بعد الحادث، أقام جلفاش في "دار الكرامة للرعاية الإجتماعية" (ملجأ حكومي) مع عمال نجوا من انهيار المبنى ونحو مئة لم يجدوا مكاناً يؤويهم، بعد هدم السلطات للبناية المجاورة التي يقيمون فيها نتيجة تأثرها من الانفجار. في المقابل، رفض عشرات العمال الإقامة في الملجأ، وغادر بعضهم المستشفيات قبل إنهاء علاجهم من أجل العودة إلى العمل سريعاً.

شقيق زكير

يقول سفير بنغلادش في البحرين موينار رحمان لمُعدّ التحقيق: "إن أفراد عائلات هؤلاء العمال سيموتون جوعاً إذا لم يُرسِل لهم ذووهم بعض الأموال". ويضيف: "سوف يعملون حتى وهم يتألمون من أجل عائلاتهم وأطفالهم".

وكان زكير وجلفاش من بين نحو مئة عامل بنغالي، يعيشون حياة تفتقر إلى أبسط معايير السلامة في المبنى الذي يتكوّن من طابقين دون أن يكون مسجلاً في أمانة العاصمة (البلدية) ضمن المساكن الآيلة للسقوط.

وبحسب رئيس بلدية المنامة، يعيش الآلاف من العمال الآسيويين حياة خطرة مشابهة لحياتهما في أكثر من مئة عقار في محافظة العاصمة ومحافظات أخرى.

ورغم التصريحات الحكوميّة حول علاج المشكلة قبل أكثر من 12 سنة، فإن ضعف آليات التفتيش وغياب قانون ينظم ملف سكن العمال يؤديان إلى وقوع الحوادث القاتلة على نفس النحو كل عام.

مساكن تدق ناقوس الخطر

وفقاً لشهادة سبعة عمّال أقاموا في المبنى، كان العمال المئة يقيمون في 11 غرفة، كل تسعة في غرفة ضيّقة من ثلاثة أمتار. أسرّتهم قديمة تكسوها الحشايا المهلهلة فيما يطهون الطعام على مواقد صغيرة داخل الغرف باستخدام أسطوانات الغاز.

وبعد معاينة خمسة عقارات يتكدّس فيها مئات العمال الآسيويين بصورة تبدو غير آمنة في مدن الرفاع الشرقي في المحافظة الجنوبية، وفي قرية سلماباد التابعة للمحافظة الوسطى ومدينة القضيبية شرق المنامة، قال ثلاثة من ملاك تلك العقارات إنهم أجروها للعمال وإن رب العمل يتحمل مسؤولية سلامتهم.

وقال اثنان آخران إنهما أجّرا شخصين وإنهما لا يتحمّلان مسؤولية قيام المستأجريْن بتأجيرها بالباطن (الإيجار من المستأجر وليس من المالك الحقيقي).

يعيش هؤلاء في غرف صغيرة متهالكة، مُشيّدة من الألواح الخشبية، إضافة لزيادة الضغط على التوصيلات الكهربائية القديمة وعدم العناية بها واستحداث توصيلات دون الحصول على ترخيص، مع زيادة الحمل الكهربائي بما يفوق الحدود المسموح بها.


كما لا تتوافر أجهزة الإنذار ومكافحة الحريق، فضلاً عن المطابخ العشوائية واستخدام أسطوانات الغاز غير المسموح بها في الغرف وعدم وجود فتحات مناسبة للتهوية.

"هل يُفترض على مالك العقار أن يذهب كل يوم للتأكد من سلامة المستأجر؟" يتساءل عبد الله معروف (اسم مستعار)، أحد مالكي تلك العقارات.

زكير  كان واحداً من آلاف العمال الآسيويين الذين يعيشون حياة خطرة في أكثر من مئة عقار في محافظة العاصمة ومحافظات أخرى، والكثير منها غير مسجّلة بين الآيلة للسقوط... 

"طلاء جذاب ومنزل مُزيّن من الخارج"، سبب يعتقد رئيس البلدية أنه خدع موظفيه ومنعهم من اكتشاف ظروف عقار منهار والإبلاغ قبل وقوع الكارثة. ويقول "لكن حتى لو علموا، فليس لدينا العدد الكافي من المفتشين لمراقبة جميع المساكن"

يقول رئيس قسم السلامة المهنية في وزارة العمل مصطفى الشيخ إن الوزارة تتحمّل مسؤولية توافر شروط السلامة لنحو 150 ألف عامل أجنبي يسكنون في 3147 مسكناً مسجّلاً لدى الوزارة. لكن إجمالي حجم العمالة الأجنبية في القطاع الخاص، بحسب احصاء أصدرته هيئة تنظيم سوق العمل في منتصف العام الماضي، بلغ أكثر من نصف مليون عامل، إضافة إلى ثمانين ألفاً تعترف السلطات رسمياً بإقامتهم في البلاد على نحو مخالف للقانون.


تُراقب الوزارة 23% من منازل العمال للتأكد من شروط السلامة وحقوق العمال بينما يعيش 77% منهم وغيرهم من العمالة السائبة من دون رقابة.

تعارض في القوانين

تُمثّل وزارة البلديات إلى جانب وزارة العمل، جهة أخرى يُناط بها تنظيم شؤون تلك المساكن. لكن اللائحة التنفيذية لقانون البلديات لسنة 2006 تبدو متعارضة مع مواد القرار الوزاري رقم (40) لسنة 2014 الصادر عن وزارة العمل، بخصوص اشتراطات تلك المساكن.

فالمادة 14 من اللائحة التنفيذية لقانون البلديات تنص على إلزام مالك العقار بإخطار البلدية المختصة بالعقار في حال تأجيره وتلزمه بتوفير اشتراطات الصحة والأمن والسلامة خلال ثلاثين يوماً من تاريخ توقيع العقد، فيما ينص القرار التنفيذي على فعل ذلك خلال 15 يوماً.

كما أن قانون البلديات ينص بدوره على تخصيص 40 قدماً لكل ساكن بشرط ألا يقل ارتفاع الغرفة عن عشرة أقدام، وألا تُستخدم الغرفة الواحدة لنوم أكثر من ثمانية أشخاص، في حين ينص القرار التنفيذي لوزارة العمل على تخصيص غرفة واحدة لكل عامل، وأن لا تقل مساحتها عن أربعة أمتار وتتمتع بالإضاءة والتهوية الجيّدة فضلاً عن غرفة الطعام والأجهزة الكهربائية، وألا يتشارك أكثر من ثمانية عمال للمرفق الصحي الواحد.

ولكن القرار الوزاري غير مُلزم ولا يعاقب المخالفين، وفقاً للشيخ.

… ونقص في المفتشين

أياً كان الحال، فإن أصحاب العقارات لا يقومون بالتبليغ، وفقاً لرئيس مجلس العاصمة محمد الخزاعي، في حين تعجز البلدية عن معرفة المخالفين نظراً لنقص عدد المفتشين لديها.

يقول الخزاعي إن عدد هؤلاء المفتشين في محافظة العاصمة -في نطاقها عقار السلمانية- أربعة فقط في حين تحتاج العاصمة إلى 20.

تقوم البلديات بإبلاغ وزارة العمل بالعقارات المسجلة لديها، لكن الوزارة هي الأخرى تعاني نقصاً في المفتشين، إذ يبلغ عددهم 30 فقط حسب الشيخ.

"طلاء جذاب ومنزل مُزيّن من الخارج"، سبب يعتقد رئيس البلدية أنه خدع موظفيه ومنعهم من اكتشاف ظروف العقار المنهار والإبلاغ قبل وقوع الكارثة.

"لم يخطر على بال المفتشين بأنه سكن جماعي أو آيل للسقوط، كما لم يخضع لأي عمليات تفتيش من الجهات المختصة لكن حتى لو علموا، فليس لدينا العدد الكافي من المفتشين لمراقبة جميع المساكن"، يقول الخزاعي، مضيفاً "يمنحونا على الأقل مفتشاً واحداً لكل مجمع بالعاصمة، ونحن لدينا 11 مجمعاً. المفتشون بصراحة يحاولون لكن تغطية جميع البيوت صعبة".

ويحتاج مفتشو البلديات إذناً من النيابة لدخول تلك المنازل والتأكد من عدد قاطنيها، على أن الخزاعي يقول إن إذن النيابة يمثل "معضلة أخرى" لأنه يحتاج للكثير من الوقت.

يُذكر أن انهيار عقار السلمانية أتى نتيجة انفجار أسطوانة الغاز، لكن تلك الأسطوانة لم تكن الوحيدة في مطابخ تقليدية، فقد استخرجت الشرطة أكثر من خمسين أسطوانة أخرى، وفقاً للخزاعي.

ويحظر الدفاع الدفاع المدني وجود مثل تلك الأسطوانات داخل المباني او الشرفات، وتقضي الإجراءات المتبعة أن يُخطر مفتشو البلدية الدفاع المدني عند اكتشافهم خللاً يتعلق بالسلامة ليقوم بعد ذلك مفتشو الدفاع المدني بضبط المخالفة وإزالتها. لكن الدفاع المدني يعاني أيضاً من نقص في عدد المفتشين يمنع يارة كافة المباني التي ترصدها البلدية.

مصلحة مشتركة بين أصحاب العقارات وأرباب العمل

سُجن مالك عقار السلمانية على ذمّة التحقيق وقد يواجه تهماً جنائية بعد تأجير العقار للعمال بالباطن، لكن المئات من الملاك يقسمون عقاراتهم ويؤجرونها أيضاً لأصحاب مصانع وشركات لتسكين عمالهم، وبالتالي ضمان سرعة تأجيرها بعقود طويلة الأجل وبأسعار جيدة نظراً إلى عدد الذين يقيمون فيها.

"لا أنسى أبداً اليوم الأول، لا يمكنني حتى وصفه بمعسكر المشرّدين، لقد رأيت أجساداً نائمة متلاصقة على الأرض ولا مساحة تفصل بينها وبين حمام بدائي متسخ وأسطوانة غاز متآكلة فوق رأسي وكل ما يجمعنا هو عائلاتنا الفقيرة التي تنتظر المساعدة"

والحال نفسه بالنسبة للمئات من أرباب العمل الذين يبحثون عن مساكن منخفضة التكلفة للعمال، فيما يبقى العامل هو الضحية وسط المصلحة المشتركة لصاحب العقار ورب العمل.

يقول المتحدث باسم الاتحاد الحر لنقابة العمال، جعفر ابراهيم، إن المشكلة تحدث حين يضطر العامل للسكن في بيت رخيص ليوفر أكبر قدر من مرتبه الهزيل وليتمكن من مساعدة أسرته في بلاده.

"لو سألت أي شخص في البحرين عن المنازل المدمرة الآيلة للسقوط، يقول لك بالتأكيد هناك عمال بنغاليون يعيشون بالداخل"، يضيف ابراهيم.

ويتحدث العمال عن مبالغ متفاوتة يحصلون عليها من رب العمل للحصول على شقة مشتركة مع عمال آخرين تراوح ما بين 15 و 30 ديناراً (40 إلى 80 دولاراً).

ويقول العامل الباكستاني أفعال جنيد (27 سنة)، الذي يعمل في ورشة كهربائية بمحافظة المحرق، إنه استأجر غرفة صغيرة مع ثمانية عمال، واضطر لذلك لأن المقابل الذي حصل عليه من صاحب الورشة "زهيد للغاية" هو 20 ديناراً.

"لا أنسى أبداً اليوم الأول، لا يمكنني حتى وصفه بمعسكر المشرّدين، لقد رأيت أجساداً نائمة متلاصقة على الأرض ولا مساحة تفصل بينها وبين حمام بدائي متسخ وأسطوانة غاز متآكلة فوق رأسي وكل ما يجمعنا هو عائلاتنا الفقيرة التي تنتظر المساعدة".

وبالنظر إلى حجم عقار السلمانية الذي لا يتسع لأكثر من عشرة أشخاص فإن تأجيره إلى عائلة واحدة - في حالة صلاحيته - لن يجني أكثر من 300 دينار (800 دولار) لصاحب العقار بالمقارنة مع أسعار العقارات المحيطة.

ولكن صاحب العقار كان يحصل على عشرين ديناراً (50 دولاراً) من كل عامل، أي 2000 آلاف دينار شهرياً من العمال المئة ( 5300 دولار)، وفقاً لخمسة عمال أقاموا في المبنى.

كان عبد الحنان فزلول ( 53 سنة) يعمل نجاراً في شركة الجميل للمقاولات قبل أن يقضي في حريق السلمانية. ترك العامل البنغلاديشي ثلاثة أبناء وزوجة وأماً مسنة في بلاده، جميعاً كانوا ينتظرون عونه المالي من مرتبه الذي لم يتجاوز 265 دولاراً شهرياً.

كانت زوجته قد نقلت على الفور إلى المستشفى بعد سماعها خبر الوفاة. وقالت في اتصال من المشفى في بنغلادش بعدما استفاقت من هول الصدمة إن العائلة لا تملك الآن أي مصدر آخر للدخل وإنها تلقت مئة دينار مساعدة من سفارة بلادها في البحرين.

"قد يساعد المبلغ أطفالي الآن ولكننا قد نموت جوعاً بعد ذلك. لقد فقدت زوجي، وأبنائي أصبحوا أيتاماً ولا أعرف حتى الآن من المسؤول ومن يأخذ حقه؟"

وقبل ساعات قليلة على نشر التحقيق، وفي مؤشر على الخطر المستمر على حياة العمال الاجانب، تهاوت أجزاء من منزل تُصنّفه الحكومة بأنه آيل للسقوط في منطقة السلمانية ذاتها، التي انهار فيها العقار وخلّف وراءه قتلى وجرحى العام الماضي. هذه المرة لم يقع ضحايا ولكن معاناة انتظار الموت تبدو مستمرة.  

* تصنيف يُستخدم في الخليج. ويدل، على عكس تعريف العامل بهندي أو باكستاني مثلاً، أنه بلا حقوق أو كرامة ويعمل ساعات طويلة جداً بأجر زهيد للغاية، في حين أن احتجاز جواز سفر" البنغالي"، وحتى موته في أغلب الأحيان، قد لا يكون خبراً.

أُنتجت هذه القصة بدعم من "الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية"(GIJN) في إطار زمالة "صحافة الهجرة" وبالتعاون مع منظمة العمل الدولية بالاشتراك مع "شبكة الصحافة الأخلاقية".


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard