"والله زمان يا حُبّ": عن حيرة الرومانسيّة بين الصوفيّة و"المُحن"

الأربعاء 17 أبريل 201903:30 م

الموسيقى كلاسيكيّة موحية بكلّ ما هو جميل، والإضاءة خافتة رقيقة، والحضور متأنّق لأقصى درجة، وفي منتصف الكادر يظهر الشاب الوسيم طارق، ممسكاً بيدي زوجته الحامل زينة، ويشرع في مغازلتها كما اعتاد، فجأة يكتشف أن قدمه تدوس قدمها، فيلتقط منديلاً وينحني ليمسح حذاءها.. يتسع الكادر قليلاً، فنعلم أنهما في عرسٍ لأحد الأصدقاء، ما يعني أن كلّ الموجودين على معرفة بهما، وما يجعل من فعلته مدعاة للفخر: ها هو رجل شرقي لا يخجل من الانحناء أمام حذاء حبيبته.

فجأة، ينتهي تصوير هذا المشهد من مسلسل "أبو العروسة"، وصنّاعه على يقين بأنه سيحقّق نسبة مشاهدةٍ مرتفعةٍ عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فكان لهم ما أرادوا، وجاب المشهد أرجاء "الأكاونتات والصفحات"، لكن ليس كترويجٍ له، بل لسبِّ بطليه، وكاتب العمل ومخرجه، لماذا؟ لأنه "كفى أفورة.. مرارتنا لم تعُد تتحمّل!".

أرسل لي صديقي الفيديو الخاص بالمسلسل، مرفقاً إيّاه بألفاظ فجّة، أهونها: "شايف المُحن يا صاحبي، بيربطلها الجزمة"، قلت لنفسي: "لعل هرمون الذكورة وتعقيداتنا الشرقيّة، هما سبب انفعال صديقي"، بل ساقتني نواياي السيّئة لاتهامه بالغيرة من وسامة بطل المشهد.

لم تمرّ سوى ساعات، حتى فوجئت بالصديق ذاته، ينشر عبر حسابه جُملةً حواريّةً في غاية الرقّة من مسلسل "أهو ده اللي صار"، الذي كان يُعرض في نفس التوقيت، وقبل أن أقع في فخِّ اتهام صاحبي بالازدواجيّة، شاهدت المسلسل كاملاً، خاصّة أنه لأحد كتّاب الدراما المصرية الأبرز في السنوات الخمس الأخيرة، عبد الرحيم كمال، فوجدته كعادته ينسج حوارات رومانسيّة مستمدّة من خلفيّته الصوفيّة التي أبرزها من قبل في رائعته "الخواجة عبد القادر".. إذن، صديقي به هيامٌ صوفيٌّ خفيٌّ.

علاقة المصريّين بالصوفيّة قديمة ومتأصّلة، قد تعود للعصر الفاطمي، حين فاح عطر آل البيت في أرجاء المحروسة، فاستغلّ قطاع عريض من المصريين، أغلبهم من البسطاء، تلك النفحات العطرة لتعويض شوقهم لزيارة بيت الله الحرام، الذي مع الوقت أصبح في متناول الأغنياء فقط، فظهرت الجمل العاشقة، مثل "شي لله يا آل البيت"، والطالبة للعون من حفيدة النبي السيدة زينب "أم العواجز والمساكين"، ومن ثم كان طبيعيّاً أن يعجّ مولدها السنوي في ساحتها بالقاهرة بآلاف المريدين، والحال كذلك مع شقيقها الحسين بن علي.

الحب على أنغام الزُهّاد

دخول العشق الصوفي على الدراما المصريّة مُستحدثٌ وفي أعمال نادرة، لكنه قديم بعض الشيء في مجال الطرب، خاصّة بعد ظهور فرق "الأندرجراوند"، الذين يعبّرون عن قطاع لا بأس من الشباب الذي سأم كلمات الغزل في العيون والشفاه والقوام في أغنيات كبار نجوم الغناء في مصر، فكانت الحفلات التي تُقام في "ساقية الصاوي" منبراً للمقدِّم والمقدَّم له، فمن خلالها استمع المُحبّ لكلمات ابن الفارض، وتمايل على أشعار الحلاج، وسلطنته حكمة ابن عربي.

بعيداً عن فرق "الأندرجرواند"، ظلّ للإنشاد الصوفي في الموالد رونقه الخاص بين أتباعه من البسطاء، حتى انتبه الكثيرون إلى أن ما ينشده شيوخ مثل ياسين التهامي وغيره من كلمات عاشقة ومادحة للنبي، يمكن أن تُحال بقدرة قادرٍ وعاشقٍ إلى غزلٍ يُرسل للمحبوبة.

الفن الرومانسي قديماً رفع شعار: الحب قضيّة

في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت السينما تستمد مادتها الإبداعيّة من الروايات الشهيرة لكبار الكُتّاب، في عصر كانت الحياة السياسيّة هي المنهل الرئيسي، إذن، نحن أمام فنّ مقروء ومرئي المجتمع بكلّ طوائفه تنضح على الصفحات والشاشة، ومن ثم جاءت الرومانسيّة مُعبّرة عن حقبتها الزمنيّة، والأمثلة كثيرة ومتعدّدة، فممثلة مثل فاتن حمامة وحدها لها أكثر من عمل يعضد هذا الاتجاه.

أفلام مثل: "الباب المفتوح، ودعاء الكروان، وسيّدة القصر، وصراع في الوادي، وغيرها" كلها تعبّر عن قضيّة ما، والرومانسيّة بها وسيلة لتأكيد ذلك الغرض، ففي الأوّل، الحريّة والحبّ صنوان، فنجد البطل حسين يبعث في خطابه لليلى قائلًا: "لا أريد منكِ أن تُفني كيانك في كياني، ولا في كيان أي إنسان.. أريد لكِ كيانك الخاص المُستقلّ، والثقة التي تنبعث من النفس، لا من الآخرين، وإذ ذاك فقط تُحقّقين السعادة".. وللمفارقة تلك الكلمات وغيرها من جُمل الفيلم انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي بين أبناء الجيل الحالي، وأحيانًا تُنشر للمقارنة بين عظمتها وسخف الأفلام الحاليّة، ورومانسيّتها التي تنسحق فيها المرأة.

رومانسية الشارع تحتضر تحت اللحية والجلباب!

فعلها السادات وأخرج الإسلاميين من السجون لضرب التيار الشيوعي، فكان لهما ما أرادا، انتصر هو على أعدائه، وقضوا هم على من يرونهم منحلّين ينادون بتحرير المرأة، فكان طبيعياً أن تخفت الرومانسيّة في الشارع ويعلو صوت الشيخ عبد الحميد كشك على مآذن المساجد، ساخراً من الحبّ في الأغنيات، مُعرِّضاً بأم كلثوم: "قال إيه خدني لحنانك خدني.. خدك المولى يا شيخة"!

في المقابل كانت السينما في عالمٍ آخرٍ موازٍ لما تروّجه الدولة بانفتاحها الاقتصادي الجالب الخير للجميع، بحسب ما يزعمون، فأنتجت أعمالاً غارقةً في الرومانسيّة، مبهجة في ألوانها حتى لو زوراً، ومنافيةً للموجود على أرض الواقع، حيث التزمّت الأخلاقي الذي كان في مهده، بعض هذه الأعمال عاش لاختلاف مضمونه أو قربه من الحقبة الزمنيّة التي سبقته، خاصّة أعمال إحسان عبد القدوس، مثل "الخيط الرفيع"، الذي للمفارقة بطلته فاتن حمامة أيضاً، ثمّ جاءت التجربة الأبرز وهي فيلم "حبيبي دائماً" لنور الشريف وبوسي.

علاقة المصريّين بالصوفيّة قديمة ومتأصّلة، قد تعود للعصر الفاطمي، حين فاح عطر آل البيت في أرجاء المحروسة، فاستغلّ قطاع عريض من المصريين تلك النفحات العطرة لتعويض شوقهم لزيارة بيت الله الحرام.

دخول العشق الصوفي على الدراما المصريّة مُستحدثٌ، لكنه قديم بعض الشيء في مجال الطرب، خاصّة بعد ظهور فرق "الأندرجراوند"، الذين يعبّرون عن قطاع سأم كلمات الغزل في العيون والشفاه في أغنيات كبار النجوم.

أخرج السادات الإسلاميين من السجون لضرب الشيوعيّين، فكان لهما ما أرادا، انتصر هو على أعدائه، وقضوا هم على من يرونهم منحلّين ينادون بتحرير المرأة، فكان طبيعياً أن تخفت الرومانسيّة في الشارع ويعلو صوت الشيخ عبد الحميد كشك على مآذن المساجد.

التلفزيون ينتصر بتحفّظه

في ثمانينيات القرن الماضي، كانت الغلبة لأعمال المقاولات، وإلى جانبها أفلام المخدّرات التي ترأستها الفنّانة نادية الجندي، فغابت الأعمال الرومانسيّة، أو حتى المشاهد، باستثناء محاولات هامّة لم تسلَّط عليها الأدوار إلا بعد وفاة أغلب صنّاعها، مخرجي الواقعيّة الجديدة: "عاطف الطيب، داود عبد السيد، يسري نصر الله، خيري بشارة، ومحمد خان"، فكلّ مخرج منهم على حدِة، كان للحبِّ في أعماله شكل مختلف عن زملائه وعن السائد بالطبع، فالأوّل غلبت عليه السياسة، والثاني غلّفها بفلسفته المعهودة والمحبّبة، والثالث والرابع بتمرّدٍ بديعٍ، أما الأخير فأعطاها فيضاً من حسّه العذب، وظل ملازماً له حتى اشتراكه في أعمال الألفيّة الجديدة، مثل "في شقة مصر الجديدة"، الذي يُعدّ أحد أنجح أفلام الرومانسيّة في الألفية الجديدة.

أما الدراما التليفزيونيّة فكانت تعيش أزهى عصورها من حيث الإنتاج، لكن المزاج الرومانسي كان متحفّظاً للغاية خاصة في التسعينيات وبداية الألفيّة، فكان لزاماً أن تكون مخاطبة جمهور أكثر التزاماً، وكان يجب على الكتّاب عدم الإسهاب في سرد مشاعر مُلتهبة بين الأبطال، وإن حدث تكون مُضفرة داخل ثنايا العمل ككل، ومدخل لقصّة هي العصب الرئيسي للمسلسل، وليس العكس.

"القلب يعشق كلّ جميل": إذن الصوفيّة هي الحل

ماذا لو قلت لأُنثاي: "أحبّك حبّين؛ حبّ الهوى، وحبّ لأنك أهل لذاك"؟ هل ستتهمني بالكفر لأنني أحلت كلمات روحانيّة قالتها رابعة العدويّة لربِّها، إلى مشاعر دنيويّة نحو أنثى أحلم بأن تشاركني الحياة؟

الغرض ليس إجابة هذين السؤالين، بالتأكيد حبيبتي ستسعد بالكلمات، بل ربما ستحسد رابعة العدويّة على أنها ألهمت قبلها بتلك الأبيات، لكن الأهمّ مدلولهما، فميل أغلب مستمعي الأغنيات ذات الكلمات الصوفيّة هو عمق دلالاتها، والشعرة الفاصلة في نفس متذوّقها: على أي محمل ينبغي أن أفهم الكلمات، حبيب/ة أم إله؟

تلك الشعرة الفاصلة هي ذاتها التي رسّخت اللَبْسَ المُحبّب في أغنية "القلب يعشق كلّ جميل"، فرغم أن الكلمات تكاد تنطق: أنا أدللّ على حبّ شاعر "بيرم التونسي" لربِّه، لكننا في لحظات بعينها نطوّعها لحبٍّ آخر، لا يهمّ معرفة أي الحبّين أكثر سموّاً من الآخر، لكنه لزاماً أن يكون كلاهما صادقاً، ولتعبّر عن أيّهما بأي كلمات تفي بالغرض.


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard