لماذا ابتعد كُرد سوريا عن التطرّف الدينيّ؟

الأربعاء 17 أبريل 201903:24 م

في أربعينيات القرن الماضي، شهدت المنطقة الكرديّة في سوريا، بوادر تشكيل حزبٍ سياسيٍّ ذي صبغةٍ إسلاميّة على يد بعض مشايخ النقشبنديّة، حاملاً اسم (هيوا)، ترأسه الشيخ أحمد بن الشيخِ عبد الله الديرشوي، وانتسب إليه طبقةٌ من الفقهاء الكرد، من أبرزهم الشيخ إبراهيم تل شعيري، والملّا طاهر، إمام قرية تل زيارات آباسا، وحصل الحزب على تأييد مشايخ آل حقي وآل الديرشوي، طبقاً لدراسةٍ اشتغل عليها الباحث نوبار محمد ونُشرت مؤخراً.

لكن نشاط الحزب توقّف في نهاية الأربعينيات بسبب عودة الشيخ أحمد الديرشوي إلى شمالي كردستان (تركيا)، لمرضٍ ألمَّ بوالده الشيخ عبد الله الديرشوي، لتنتهي بذلك أوّل تجربةٍ سياسيّةٍ لحزب كردي إسلامي في الجزيرة وفق الدراسة.

بعد تشكيل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا فترة الثلاثينيات، حاول التنظيمُ التغلغلَ بين كرد سوريا لكنه لم يتمكّن من ذلك، فقد انحصر الموضوع بانضمام عددٍ قليلٍ من الأشخاص، حتى فترة الثمانينيات، حيث تشكّلت في هذه المنطقة مجموعات تتبع لجماعة الإخوان التي تقدّم نفسها على أنها معتدلة، وخارج دائرة باقي التيّارات الإسلاميّة المتشدّدة، لكن هذه المجموعات ما لبثت أن تلاشت كتنظيمٍ، بسبب قمع النظام لجماعة الإخوان في الداخل السوري.
وعلى الرغم من اتخاذ الإخوان المسلمين طابع العنف في الفترة ذاتها ضدّ نظام حافظ الأسد، إلّا أن تحركات أعضاء الجماعة في المناطق الكرديّة لم تتخذ شكلاً عنفيّاً، بالرغم من تزامن تلك الفترة مع موجةِ عنفٍ عارمةٍ شهدتها عدّة محافظات.

أيضاً، ومن خلال عملية تقييمٍ بسيطةٍ للأعوام الثمانية الماضية التي أعقبت اندلاع الاحتجاجات الشعبيّة، وتحوّلها لاحقاً إلى المواجهة المسلّحة، مروراً بتشكّل عشرات التيّارات المعارضة، والتي اكتست معظمها بالصبغة الدينيّة شديدة الانغلاق، لم يشهد المجتمع الكردي في سوريا بالمجمل، بروز ما يمكن أن نسمّيه تطرّفاً على أساس ديني، على الرغم من إفراز هذا المجتمع، خلال سنوات الحرب، مجموعات تبنّت أفكار ما يُعرف بالإسلام السياسي، إلا أن تلك المجموعات نأت بنفسها، بشكل أو بآخر، عن ظاهرة التطرّف العنيف الذي غطّى وجه البلاد.

لعلّه ليس بالإمكان تحديد نسبة دقيقة قد يرتاح إليها المرء بالنسبة للوجود الكردي في سوريا، في ظلّ غياب إحصاء معلن، رسمي أو غير رسمي، لهذا الشعب المتأصّل كـ "جذور التين" في البلد، لكن وفي سياق التحليل الزماني، نجد أن الغالبية الساحقة من الكرد السوريين ينتمون إلى الدين الإسلامي ومذهبه السنّي.

في السياق ذاته، نلاحظ أن شبكة العلاقات الاجتماعيّة الكرديّة في سوريا لم تعرف التطرّف الديني، على مستوى المجموع السكّاني أو التقسيم الكُتَلي، مستثنياً منها حالات ظهرت على المستوى الفردي.

العقيدة الصوفيّة

لماذا لم ينجرّ أو يلجأ الكرد في سوريا إلى التطرّف الديني؟ لماذا لم يتسرّب هذا النوع من التطرّف داخل كتلهم، حتى تلك التي تعتنق أفكاراً ذات مرجعيّة دينيّة؟

لتركيب أجوبة لهذه التساؤلات ينبغي الإشارة إلى نقاطٍ بالغة الأهميّة، من حيث معرفة الخلفيّة الدينيّة للكرد في سوريا.

تشرّب المجتمع الكردي المسلم من ناحية العقيدة، التصوّفَ الديني على يد مشايخ الطريقة النقشبنديّة، التي بدأ روّادها من المشايخ بالهجرة من المناطق الكردية في تركيا إلى مناطق الكرد في سوريا، مطلع القرن العشرين، هرباً من سطوة الحكم الكَمَالي في كردستان الشماليّة بتركيا، وأسّسوا مع دخولهم إلى هذه المناطق تكايا، ونشطوا في نشر التصوّف وتعاليمه، وساعدهم على ذلك وجود حاضنةٍ شعبيّةٍ متديّنةٍ، كانت تتأثر بطبيعة الحال بطرق التصوّف وعائلات نفس المشايخ المهاجرين إليهم حينما كانوا في كردستان الشماليّة، بالإضافة إلى ذلك، ساعد هؤلاء المشايخ عدم وجود مدنٍ كبيرةٍ متأثرةٍ بأفكارٍ مناهضةٍ للدين في هذه المناطق، سوى بعض الأفكار الماركسيّة التي لم تكن مؤثّرة في المجتمع، إلا على مستوى شرائح معينة ودوائر ثقافيّة محدودة، لم تكن لتقوى على التأثير في المجتمع.

في هذه الأجواء عمد مشايخ النقشبنديّة، الذين كانوا عدّة عائلات، أبرزها آل حقي وآل الخزنوي وآل الديرشوي، إلى فتح المدارس وتعليم الناس، حتى دانت لهم معظم المنطقة الكرديّة بالولاء، والذي تجلّى بشكل واضح في حظوتهم بالتقدير والاحترام وتقاسمهم للنفوذ في المنطقة، حتى أصبح لكل عائلة منها آلاف المريدين.  

كان التعليم في تلك المدارس يقتصر على دراسة بعض كتب النحو والصرف العربي، بالإضافة إلى دراسة الفقه الشافعي، مقتصراً على فقه العبادات والمعاملات وبعض كتب العقيدة الأشعريّة، فضلاً عن تعليم قراءة القرآن دون تفسيره في كثير من المدارس، وحتى إن قام أحد المشايخ بتدريس التفسير، فقد كان الأمر مقتصراً على تفسير البيضاوي وبعض التفاسير الأخرى، التي غالباً ما تكون ملغّزة من حيث البنية اللغويّة، بالإضافة إلى دراسة بعض دواوين الشعر الكردي الصوفي.

استمرّت هذه الحال حتى بروز الأحزاب السياسيّة التي كانت امتداداً لأحزاب كردستان العراق، ذات القيادة والخلفيّة المشيخيّة، كما الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق، الذي كانت قيادته الروحيّة والعسكريّة تنحدر من جذورٍ دينيّةٍ صوفيّةٍ والتزمت بها حتى عهد ملا مصطفى بارزاني في فترة السبعينيات.

طوال هذه السنين، لم يعرف الكرد في سوريا، أو حتى في مناطق كثيرة من كردستان في تركيا والعراق وإيران، سوى المذهب الشافعي، مقتصراً على أبواب العبادات والمعاملات والتصوّف النقشبندي، ولعلّ هذين السببين هما الركيزتان الأساسيتان في فهم مسألة عدم تسرّب التطرّف الديني بين الكرد في سوريا كأيديولوجيّة. 

تشرّب المجتمع الكردي المسلم التصوّفَ الديني على يد مشايخ الطريقة النقشبنديّة، التي بدأ روّادها بالهجرة من المناطق الكردية في تركيا إلى مناطق الكرد في سوريا، هرباً من سطوة الحكم الكَمَالي في كردستان الشماليّة بتركيا.

لم يعرف الكرد في سوريا، أو حتى في مناطق كثيرة من كردستان في تركيا والعراق وإيران، سوى المذهب الشافعي، مقتصراً على أبواب العبادات والمعاملات والتصوّف النقشبندي.
عملت الأحزاب السياسيّة على بثِّ أفكارٍ معاديّةٍ للدين ككل، حتى تمَّ سحب البساط من تحت أقدام المشايخ. إن عمل الأحزاب السياسيّة  اختصر في فكرة ردّدها مناصروها على الدوام، وهي تحميل مسؤولية خسارات الكرد السياسيّة للدين ومشايخه الكرد.

غياب تأثير مشايخ الطريقة النقشبنديّة

إضافة لهذا، ثمة أسباب أخرى من الممكن أن تكون قد أدّت إلى عدم تبنّي الكرد للتطرّف على أساس الدين مذهباً.

لاحقاً وبعد بروز دور الأحزاب السياسيّة واحتدامه في فترة الثمانينيات، على حساب تراخي دور عائلات المشايخ، مروراً بفترة التسعينيات وحتى الوقت الراهن، حيث لم يعد لمشايخ الطريقة النقشبنديّة أي تأثير على المجتمع.

خلال هذه العقود عملت الأحزاب السياسيّة على بثِّ أفكارٍ معاديّةٍ للدين ككل، حتى تمَّ سحب البساط من تحت أقدام المشايخ.  ويمكن القول إن عمل الأحزاب السياسيّة من هذه الناحية اختصر في فكرة ردّدها مناصروها على الدوام، وهي تحميل مسؤولية خسارات الكرد السياسيّة للدين ومشايخه الكرد، من خلال محاولة تأصيل فكرة معاداة الغرب للكرد، بسبب تمسّكهم بالإسلام منذ عهد صلاح الدين الأيوبي، ومحاربة بعض المشايخ للاستعمار الأوروبي في الشرق.

جُبل الكرد على تقبّل الآخر المختلف، بسبب وقوعهم في حيّز جغرافي متعدّد الإثنيات والمذاهب، على الرغم مما جابهوه من حصار سياسي ومعاشي، فرضته حكومات دمشق المتعاقبة، التي منحت بقية مكوّنات الجزيرة امتيازات محدودة، سواء دينيّة أو قوميّة، إلا أنها تبقى في النهاية امتيازات حُرم الكرد منها حقباً من الزمن.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard