متى يُعلنون وفاة اليسار العربيّ؟

الخميس 18 أبريل 201912:35 م

تشهد الكثير من دول العالم تصاعد الخطاب اليميني ودخول الأحزاب المحافظة كمنافس قوي في الانتخابات، مقابل تراجع واضح لليسار التقليدي. ودول الشرق الأوسط ليست بمنأى عن ذلك، فقد خفت صوت الخطاب الشيوعي والاشتراكي في إيران وإسرائيل والدول العربية.

على عكس الاعتقاد السائد، غياب الاتحاد السوفيتي وسوء أداء النخب وقلة التزامهم الأيديولوجي هي أسباب هامشية لتراجع الأحزاب والتيارات اليسارية. السبب الرئيسي باعتقادي هو تآكل القاعدة الشعبية التي لطالما اعتمد عليها اليسار. وهو تغيير بنيوي لا يمكن إصلاحه.

طبقة العمال وصغار الكسبة، والأحزاب والنقابات المعبّرة عنها، والجمعيات الشعبية، جميعها في تراجع مستمر حول العالم نتيجة تغييرات بنيوية في نمط السوق وفي أدوات الإنتاج. تحولات الاقتصاد وتضخم قطاع الخدمات وتزايد الاعتماد على المصارف والأسواق الافتراضية كلها أدّت لتفكيك الروابط بين طبقة العمال، وباللغة الماركسية: غاب وعيّها لذاتها كطبقة، فلم تعد تنتج نخبًا تنظيمية تمثلها فكريًا وسياسيًا. فلا نقابات ولا اتحادات عمالية فاعلة.

فكريًا، ما تبقى من نخب يسارية محتفظة بهويتها وخطابها، تعيش اليوم في عزلة وتتحدث بلغة غير مفهومة لدى الجيل الجديد المشتبك بالرأسمالية وعيًا وممارسة. من ناحيتها، تتكون القاعدة الشعبية اليسارية اليوم بمعظمها من شبان وشابات، في الغالب من أسر ميسورة الحال، يحملون رموزًا تقليدية، كصورة جيفارا والكوفية الفلسطينية.. لكن دون فهم حقيقي لدوافع النضال الثوري التقليدي والحاجة لعدالة اجتماعية من حيث توزيع الدخل والتمثيل السياسي، فضلًا عن عدم دراية بالمبادئ النظرية الأساسية، كما صيغت في كتابات ماركس وإنجلز وإضافات لينين وغرامشي، والتحولات اللاحقة نتيجة ضربات مطرقة "المدرسة النقدية" ومنجل "اليسار الجديد".

لا يمكن لليسار العربي الحالي أن ينهض ويقود التغيير لسببيْن:

أولًا: عالميًا، لا يبدو أن الرأسمالية الحالية تنتج "حفاري قبرها" كما قال ماركس، بل إنها نجحت في استيعاب اليسار وتحويله لموضة ولخطاب استهلاكي فارغ، لكنه برَّاق، كمعظم منتجات الرأسمالية. أما عن النجاحات المحدودة لبعض الأحزاب اليسارية حول العالم فهي لا تتجاوز كونها انعكاس لسوء البدائل الأخرى، خاصة في ما يخص أحزاب اليمين المتطرف. لكن حتمًا الاعتماد على فشل المنافسين ليس استراتيجية مستدامة.



ثانيًا: استطاعت النخب اليسارية السلطوية ابتلاع الدولة واحتكار العمل السياسي والحزبي في الدول العربية التي حكمتها. اليسار في تراجع عام على مستوى العالم. لكن خصوصية أزمة اليسار العربي تأتي من ارتباط اليسار الاشتراكي بالسلطة والقمع، إضافةً لإغراقه في الشعبوية الخطابية مقابل الانعزال في الواقع عن الفئات المهمشة التي صعد إلى السلطة على أكتافها وتحدث بلسانها.

تاريخيًا، نجحت الأنظمة الاشتراكية، خاصة في سورية والعراق، بتحويل دول فتية خارجة من مرحلة استعمارية لدول "شعاراتية" ومؤسسات كرتونية، تحكم بعقلية رأسمالية احتكارية تحت غطاء بيروقراطي سميك. ذلك الاستخدام "الأداتي" للدولة ومؤسساتها أدى لتلازم فكرتي اليسار والاستبداد في عقول الكثيرين.

على عكس الاعتقاد السائد، غياب الاتحاد السوفيتي وسوء أداء النخب وقلة التزامهم الأيديولوجي هي أسباب هامشية لتراجع الأحزاب والتيارات اليسارية. السبب الرئيسي باعتقادي هو تآكل القاعدة الشعبية التي لطالما اعتمد عليها اليسار.

فكريًا، ما تبقى من نخب يسارية محتفظة بهويتها وخطابها، تعيش اليوم في عزلة وتتحدث بلغة غير مفهومة لدى الجيل الجديد المشتبك بالرأسمالية وعيًا وممارسة.

تتكون القاعدة الشعبية اليسارية اليوم بمعظمها من شبان وشابات، في الغالب من أسر ميسورة الحال، يحملون رموزًا تقليدية، كصورة جيفارا والكوفية الفلسطينية.. لكن دون فهم حقيقي لدوافع النضال الثوري التقليدي والحاجة لعدالة اجتماعية.

الشيء الوحيد الذي يقف وراء استمرار بعض الدعم، الشعبي والنخبوي، لهذا اليسار السلطوي هو الحضور القوي لتيارات الإسلام السياسي. فعلى الرغم من أنّ أحدًا لم يسلم من قمع اليسار الاشتراكي السلطوي المتحالف مع العسكر إلا أن مواجهة الخطر الإسلامي تدغدغ مشاعر اليسار الخفيف القادم من لبنان وتونس ومصر، رغم التنكيل الذي طال رفاق النضال، كما فعل البعث السوري في السبعينيات والثمانينيات، وكما في حملات "تطهير صفوف الحزب" طيلة الحكم الصدامي في العراق. بالنتيجة، غياب الإسلام الحركي سيعني غياب أهم مسوغات حكم اليسار السلطوي التسلطي، وسيكشف الهوة بين البنية الفوقية لهذا اليسار وبين ما آلت إليه توازنات القوى على الأرض وملكية وسائل الإنتاج ومصالح النخب الثورية ووعي البروليتاريا..

سواء أكان في السلطة أو في المعارضة، اليسار العربي في أزمة عميقة هي في جزء منها امتداد لأزمة عالمية، ومن الخطأ البحث عن الحل في الماضي، كما في دعوات "إحياء اليسار" مثلًا. بدلًا من الانشغال باستنساخ الماضي وإلقاء اللوم على ضعف الالتزام الإيديولوجي، قد يكون من الأجدى التخطيط للمستقبل بناءً على اعتبارات الواقع. ترجمة ذلك تكون بالبحث عن صيغ فكرية وتنظيمية أخرى أكثر جدوى وواقعية، تنتصر للإنسان الفرد أولًا، بدلًا من السعي لتعبئة جماهير متعبة، مكبوتة اجتماعيًا، ومقموعة سياسيًا تحت شعارات ضخمة تنتصر للكيانات الجماعية المتخيَّلة بالدّوس على الفرد.

يدافع عن التغيير ويدفع ثمنه أصحاب المصلحة الواعون لموقعهم والعارفون لإمكاناتهم والمنظمون في تجمعات. في العالم العربي، على الأقل، هؤلاء اليوم ليسوا طبقة، بل طيف واسع من الأجندات والمصالح والقدرات، ولن يكون لهم ثقل سياسي إلا إذا تواجدت بيئة تنافسية مقترنة بهامش حرية كافي وفئة متنورة غير مؤدلجة، وهذا ما لا قدرة لليسار على تقديمه.

استراتيجيًا، من الأفضل التركيز على إتاحة المجال لنمو مجتمع مدني عضوي بدلًا من محاولة إنعاش الأحزاب والتيارات السياسية التقليدية. هذا المجتمع المدني، إن أتيحت له الفرصة، قد ينتج صيغ تنظيمية سياسية لاحقا، تستوعب الكتلة الاجتماعية الضخمة التي كانت يومًا ما محسوبة على اليسار. بهذا المعنى، هذه دعوة لخصخصة الشأن العام.


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard