عن يهود الأغنية المصريّة: أبناء الهُويّة والأحياء وأمزجة ناسها

الاثنين 15 أبريل 201904:36 م

الإباحية، بمعنى التحرر وليس الانحلال، جزء من تركيبة المصريين، فالمصري يحب ما يسميه بالبلدي "البَحْبَحَة" أو اتساع الأشياء وتنوعها، لذا كان الدين في حياة المصري القديم منفتحًا على آلهة متعددة، وتراكمت هوية المصري، أيًا كان دينه، لانتماء واحد فقط، إلى مصريته تلك التي تبيح له بحبوحة في كل شيء، ومَن خرج عن هذه الهوية المتسعة يطرده المصريون قبل أن ينفصل هو عنهم.. وهذه العقيدة المصرية ربما هي ما تصبغ الجميع بعناصرها على هذه الأرض، ولا يعود للدين، إسلامي أو مسيحي أو يهودي، أي تأثير يذكر إلا في حدود السخرية أحيانًا، كطبع من طباع "المصاروة"، لكن هذا لا يخلع عنه ثوب المصرية، ليتحول الدين إلى قشرة خارجية يمكننا اعتبارها أظافر قابلة للقص والتجديد.

كانت تلك مقدمة تنظيرية ونحن نتحدث عن يهود الأغنية المصرية، ويمكنك حذفها.. فلا تبتئس.

"البحر بيضحك ليه وأنا نازلة أتدلع أملا القلل؟".. هل استمعت إلى هذه الأغنية من قبل؟ هل بإمكانك نسبها إلى أي هوية أخرى غير مصر؟

طيب.. هل تعلم أن صانع هذا اللحن هو دافيد حاييم ليفي اليهودي المصري المعروف باسم داوود حسني؟

هي واحدة من أكثر الأغنيات مصرية، لدرجة أنه يمكنك ضمها لأغاني الفولكلور، التي ألفها مجهول وينسبها الناس إلى تراث الشعب كله كحيلة يتفق عليها الجميع ويفخرون بها، لكن اليهودي المصري أو المصري اليهودي، لا فرق، داوود حسني، لم تلحن ديانته هذه الأغنية بل لحنتها هويته المصرية.

"قمر له ليالي.. يطلع لم يبالي.. عالبستان ينور"

إنه أيضًا لحن المصري داوود حسني، الذي عاش في أواخر القرن التاسع عشر، جيل الرواد في الموسيقى، حيث غنى له الكبار، عبده الحامولي، يوسف المنيلاوى، عبد الحى حلمى، الشنتورى، الصفتى، السبع، أم كلثوم، نجاة على، رجاء، أسمهان، وليليان إبراهيم زكي موردخاي، التي عرفناها باسم ليلى مراد.

لكن اليهودي المصري أو المصري اليهودي، لا فرق، داوود حسني، لم تلحن ديانته أغنية "البحر بيضحك ليه" بل لحنتها هويّته المصرية.

 المخيلة هي التي تضفي على اللحن الهوية، وليس المعبد والدير والجامع، وهي ابنة الأذن التي تلتقط روائح الشوارع وأمزجة البشر... كل هذا بعيد عن موطن العبادة.

المقبلون على حفلات الخطوبة في مصر لا يعنيهم من منير مراد إلا "يا دبلة الخطوبة"، تلك الأغنية التي تطبع على المناسبة مصريتها الخالصة ولا علاقة لها بحاجام أو شيخ.

كيف يلحن الملحن؟

إن وضع الألحان يشبه تفريغ الوجدان مما رسّخ في أرضه منذ لحظات التكوين.. فالجنين يسمع الموسيقى ويتأثر.. يسمع صوت أبويه ويميزه.. يسمع الطرقات المنتظمة وغير المنتظمة.. يسمع الإزعاج.. يلتقط صوت نهنهة البكاء.. يقيم المشاعر، ويتحوّل هذا الخليط الصوتي إلى بداية نغمية تنضم إليها خبرات بصرية جمالية كما تتراكم عليها دراسة وخبرات لتنتج لنا هذه النفس ما يجود به الإله عليها من نعمه..

أما المخيلة فهي التي تضفي على اللحن الهوية، وليس المعبد والدير والجامع، والمخيلة ابنة الأذن التي تلتقط روائح الشوارع وأمزجة البشر وأزياءهم وأذواقهم وأنواع كيوفهم وما يغريهم في صناعة اللذة.. كل هذا بعيد عن موطن العبادة، التي تتعلق بتلك السماء المقدسة، أما سماء الناس فهي مربوطة بحياتهم وأحلامهم وتشابك أرواحهم وما يسلطنهم جميعًا ويوحّدهم في مقام روحي يثير المتعة المشتركة.

هكذا لحّن عبد الوهاب من مخزون الباعة الجائلين والمنشدين وقراء القرآن، وهكذا لحّن منير مراد، اللغز الكبير في عالم الأغنية المصرية، آه، نسينا أن نلفت النظر إلى موريس زكي مراد، أو منير مراد، منير هذا لم يكن يحمل الجنسية المصري أصلًا.. هل فاجأتك المعلومة؟ أظنها لن تغير كثيرًا في إحساسنا باليهودي الذي أصبح مسلمًا فيما بعد، منير مراد، فالمقبلون على حفلات الخطوبة في مصر لا يعنيهم من منير إلا "يا دبلة الخطوبة"، تلك الأغنية التي تطبع على المناسبة مصريتها الخالصة ولا علاقة لها بحاجام أو شيخ، والمقبلون على رحلة الحج لا يعنيهم من ليلى مراد إلا "يا رايحين للنبي الغالي"، أشهر أغاني شعائر الحج عند المسلمين، فهنا لا تتعامل الأذن ولا الوجدان مع صوت ليلى وهي تبتهل وتتلهف إلى الأراضي المقدسة، إلا باعتبارها شريكة معهم وليست مجرد صوت يهودي مستورد، رغم كل الشائعات التي رُوجت في هذا الإطار.. فقد غنّت ليلى ولم يمتنع أحدهم عن الاستمتاع لصوتها وهي تغني:

"يا ريتني كنت وياكم .. وأروح للهادي وأزوره

وأبوس من شوقي شباكه .. وقلبي يتملي بنوره"

"يا رايحين للنبي الغالي"

هناك من فسّر أداء ابنة زكي مراد لهذه الأغنية وقتها بأن المطربة التي تخلت عن اليهودية واعتنقت الإسلام طلبت أداءها للرد على الشائعة التي انتشرت حول دعمها لإسرائيل، حتى تنفي عن نفسها التهمة..

لا تعنينا السياسة، فإن بحورها غريقة، فقد عاشت ليلى مراد في مصر ودفنت في أرضها، وذاب المصريون في صوتها ولم يركز أحدهم في هويتها الدينية، تمامًا مثل أبيها وأخيها منير، التي ستكون لنا معه وقفة بالتأكيد قريبًا كواحد من الفلتات الغامضة في تاريخ الموسيقى المصرية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard