سهلٌ دخول عالم بوذا، وصعب دخول عالم الشياطين.. رواية هندباء برية لياسوناري كواباتا والحفر في الأعماق

الاثنين 15 أبريل 201912:31 م

يذهب الروائي الياباني، ياسوناري كواباتا، بعيداً أكثر في قضايا الوجود في روايته الصادرة مؤخرا بالعربية عن دار الساقي بترجمة جولان حاجي. تطرح الرواية أسئلة الحضور الإنساني بكليّته حيث الاختفاء أو عمى الجسد هو المرض الذي يجعله كواباتا، علةً وجودية وفلسفية.

وكما في روايته السابقة "بلاد الثلوج"، تسير الطبيعة والفصول موازية للحبّ بين شيمامورا وحبيبته، وكأن الطبيعة تشبهنا حتى في مشاعرها. ففي هندباء برية أيضاً، تحضر الطبيعة بكامل مشاعرها، ابتداء من دموع الشجرة التي رآها هيسانو تبكي وانتهاءً بأزهار الكاميليا التي كانت إينكو تأسف على تساقطها.

إنه عالم موازٍ لعالمنا، لا ينسى كواباتا أن يجعل من تفاصيله جزءاً من الوجود الذي نحيا به، وحتى الأطفال فقد جعلهم كواباتا فلاسفة صغاراً، وتشكّل أسئلتهم أيضاً جزءاً من أسئلة الكون وقضاياه.

تأتي الرواية على شكل حوار طويل بين أمّ اينكو وحبيبها هيسانو، فيما تغيب إينكو عن المشهد الروائي الطويل. تحاول أمّ إينكو إقناع هيسانو بأن تبقى في مصحة بسبب مرضها، وهو عمى الجسد، الذي يراه هيسانو حالة نادرة سببها شدّة الحب. بينما يواصل الاثنان حوارهما يمرّان معاً بذكرى وفاة والد اينكو،  الذكرى التي تستعيد سيرة الموت أو سيرة الاختفاء كحادثة لها فلسفتها عند إينكو كما عند أمّها.

يربط كواباتا كثيراً بين الأحداث حتى نرى قصة الوجود والغياب من وجهة نظر المجانين، وكأنّها وجهة نظر حقيقية وواقعية، فنرى أن حادثة اختفاء الكرة من بين أعين إينكو لها صلة بحادثة اختفاء والدها ورحيله، وكأن الموت هو حادثة غياب. عمى يصيبنا فجأة نكاد لا نرى فيه أجزاء من وجودنا أو أجزاء من أجسادنا؛ إنها دعوة حقيقية من الروائي الحائز على نوبل 1968 إلى التأمل في هذا الوجود وخلق فلسفة ما للدخول إلى عالم المجانين، ليتراءى لنا أنه هو العالم الحقيقي.

اذاً هو الجسد الذي يولي له صاحب الجميلات النائمات اهتماماً كبيراً؛ ففي الجميلات النائمات، تمرّ ذكريات العجوز إيغوشي أمام أجساد الجميلات النائمات في النادي، كأنه أمام مرآة زمنية، يذبل فيها كلُّ شيء وتبقى الذكرى طرية ولينة أمامه. هنا يبدو هاجس الشيخوخة ثقيلاً بأسئلته على كواباتا، حيث يبدو الالتقاء مع الجسد صعباً إلا عن طريق الماضي الذي لا يفيد أبداً.

يوسع الروائي الياباني في هندباء برية مساحة التساؤل حيث يجعل من عمى الجسد علةَ الوجود والموت، كما أن الحبّ هو أحد أشكال هذا العمى الفجائي الذي قد يصيبنا في فترة من فترات حياتنا، ولعلّ إينكو ليست مريضة، ففي بداية الرواية ترى أمّها طفلاً تعتقد أنه جنّياً، وتظنّ أنه سيقوم بعلاج إينكو، كما رأى هيسانو جرذاً أبيض، لم تستطع أم اينكو رؤيته؛ وبهذا يساعدنا كواباتا على الخروج من هذه الرواية، ونحن نشعر أن هذا الجنون هو  أمر عادي جدّاً؛ إنها قضية وجودنا في هذا العالم.

عمى يصيبنا فجأة نكاد لا نرى فيه أجزاء من وجودنا أو أجزاء من أجسادنا. إنها دعوة حقيقية من الروائي الحائز على نوبل 1968 إلى التأمل في هذا الوجود وخلق فلسفة ما للدخول إلى عالم المجانين، ليتراءى لنا أنه هو العالم الحقيقي.

تراقب أم إينكو وهيسانو الناقوسَ الذي تقرعه اينكو، كلما دقّ الناقوسُ وهي في المصحة، كلما شعر حبيبُها وأمُّها بوجودها، وفتح ذلك لهما خيالهما لكي يتذكّرا إينكو ويعرفا حالتها من خلال رنين الناقوس، كأن الكاتب يسألنا هنا: أليس هناك إشارة أخرى يرسلها هؤلاء الغائبون لنفهمَ ماذا يشعرون؟ هل هناك طريقة ما لنعرفَ ماذا يقولون لنا؟ ربما يكون الناقوس هو الرسالة الأخيرة!

حتى الأطفال فقد جعلهم كواباتا فلاسفة صغاراً، وتشكّل أسئلتهم أيضاً جزءاً من أسئلة الكون وقضاياه.

إيكوتا هي المكان في الرواية، فهي بكلِّ جماليتها الطبيعية مكان للمصحّة العقلية، لا تبتعد الرواية أبعد منها، ولكنّ الكاتب يستحضر أمكنة أخرى من خلالها. إنه ربما يجعلها عالم الشياطين الذي يقول إنه صعبٌ دخوله: "سهل دخول عالم بوذا، وصعب دخول عالم الشياطين". فربّما تكون المصحة هي عالمهم المأهول بالمجهول والبعيد كما يقترحه الكاتب في الرواية.

أن تكون هناك رواية تنتهي بانتحار صاحبها، فهذا بحدّ ذاته فعل يطرح سؤال: ماذا كان يريد الكاتب أن يقول قبل أن يغادرنا؟

أن تكون هناك رواية تنتهي بانتحار صاحبها، فهذا بحدّ ذاته فعل يطرح سؤال: ماذا كان يريد الكاتب أن يقول قبل أن يغادرنا؟ ومن هنا تأتي روايته الأخيرة مثل وصية طويلة نقرأها بشغفٍ لنعثرَ على كلّ هواجس الكاتب الذي ظلت تتعبه حتى قرّر ألّا يكمل الرواية، بل أن يغادر هذا العالم مخلِّفاً وراءه أهمَّ الأعمال الأدبية في العالم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard