غزل في الله أم في العشيق/ة؟

الأحد 14 أبريل 201906:02 م

"لي حبيب أزور في الخلوات حاضر غائب عن اللحظات ... ما تراني أصغى إليه بسمع كي أعي ما يقول من كلمات

كلمات من غير شكل ولا نطق ولا مثل نغمة الأصوات ... فكأني مخاطب كنت إياه على خاطري بذاتي لذاتي"

شعرٌ يرسم مشهداً لحبيبٍ يتغزّل بحبيبته أو العكس، ويحكي عن حجم الرومانسيّة التي تجمعهما، والمعاني التي تصلهما دون كلام، لمدى القرب الذي جعلهما وكأنهما شيء واحد... هكذا نستشعر الكلمات.

إلا أن هذا الشعر ليس بين أحبّةٍ من البشر، ولكنه تغزّل من الصوفي الشهير أبي منصور الحلّاج في إلهه، يحكي خلاله عن مدى القرب الذي بينه وبين ربّه، ولحظات الأنس والقرب التي تجمعه به، حسبما جاء في ديوانه الذي جمعه المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون.

جذر واحد للحب يربط السماء بالأرض

شعر الحبّ الصوفي من أكثر الأشعار التهاباً ولوعةً ورومانسيّة، إن لم يكن أكثرها في رأي البعض، فهو خلاصة تجربة الوجد والمناجاة، أو حتى الاتحاد بين الصوفي وربّه، وتمثّل كتابة الشعر بالنسبة للصوفي تنفيساً أو إظهاراً لتلك التجربة الروحيّة الباطنيّة، وليست جهداً فنياً مصطنعاً، فهي إظهار لما يمكن أن نعتبره اتصالاً خاصّاً بين الصوفي وربّه، وهو ما يسمّونه بـ"الحال".

لماذا نخاطب الله ورسله كما نخاطب العشيق/ة؟
هناك أغاني حبّ عربية شهيرة، قيل إنها بالأساس كانت غزلاً صوفياً، أو أشعاراً دينية مسيحية، حيث تبدو وكأنها غزل للحبيب، رغم أنها صيغت لمناجاة إله أو نبي، وكأن جذر الحب واحد في النفس الإنسانية

ويوضّح الصوفي الشهير محمود بن علي القاشاني أن الحالَ هو "ما يَرِدُ على القلب بمحض الموهبة من غير تعمّلٍ، كحزن، أو خوف، أو بسط، أو قبض، أو شوق، أو ذوقٍ يزولُ بظهور صفات النفس".

ويبيّن مايكل فريشكوف الباحث بجامعة ألبرتا الكندية، في دراسته " Tarab in the Mystic Sufi Chant of Egypt" أن الشعر يتكوّن داخل الصوفي خلال الحال، فهو فيضٌ إلهي. وعادةً لا يراجع الصوفي شِعرَه، أو يراجعَه بشكل بسيط جداً، فيخرج الشعر من الذاكرة الحيّة لحالة "الحال"، أو أثناء وجود الصوفي في الحال نفسِه، حيث ينطق القصيدة تلقائياً، ويلتقط تلاميذُه إلهامَه على الورق، إذا ما تصادف وجودهم معه في وقت الحال.

ورغم ما سبق، فإن شعر الحب الصوفي، في أغلبه، لو نزعناه عن سياقه الديني، لصار صالحاً للحديث عن أغراضٍ أخرى من الحب، وهو ما اتجهت إليه الباحثة بجامعة دكا البنغاليّة، أربيتا ميزان Arpeeta Mizan في دراسةٍ لها بعنوان "DOES THE SUFI LOVE TRANSCEND RELIGIOUS BORDERS TO ENCAPSULATE HUMANITY – هل يتجاوز الحبُّ الصوفي الحدودَ الدينيّة ليغلّف الإنسانيّة؟"

ورصدت أربيتا أن الحبّ كسمةٍ غالبةٍ في الشعر الصوفي، بتنوّعاته، يحظى باهتمامٍ كبيرٍ لدى غير المسلمين في الغرب، حيث تجاوز الشعر حدوده الدينيّة واخترق مشاعر الغربيّين وعقولهم، وأصبح منهم من يستخدم الأبيات الصوفيّة المترجمة للإنجليزيّة، ويحولها لأغانٍ عاطفيّة، مثل ديمي مور، وغولدي هون، ومادونا التي غنّت لجلال الدين الرومي:


المثير أيضاً أن هناك أغان عاطفيّة عربيّة شهيرة، قيل إنها بالأساس كانت غزلاً صوفيّاً، والأكثر إثارة، أن المسألة لا تخصّ الشعر الصوفي الإسلامي فقط، بل تجاوزته إلى أشعار دينيّة غير إسلاميّة أيضاً، حيث تبدو وكأنها غزل بحبيب، رغم أنها صيغت لمناجاة إله أو نبي، وكأن جذر الحبّ واحدٌ في النفس الإنسانيّة.

لنرى كيف يمكن تحويل الأشعار الصوفيّة الإسلاميّة وغير الإسلاميّة إلى أشعارٍ أو أغانٍ عاطفيّة علمانيّة، والعكس: كيف يمكن تحويل الأغاني العاطفيّة العلمانيّة إلى أغانٍ صوفيّة دينيّة، من خلال النماذج التي سنستعرضها:

حب عذري إلهي

الحبّ الصوفي لو جرّدناه من سياقه الديني، سنجده يتلاقى مع تيمة الحبّ العذري، كما "قيس وليلى" و"جميل وبثينة"، و"كثير وعزّة"، هذا الحبّ المبنى على الحرمان، الذي يَحُولُ المجتمع بين طرفيه، ويبذل المحبّون التضحيات ويخوضون التحديات من أجله، يصبح خلاله لقاء الحبيبين بالروح، أقوى وأوثق من الاتصال المادي، كما توضّح الأشعار التي نسبت إلى هؤلاء المحبّين العذريين.

لو جردنا الشعر الصوفي من سياقه الديني، سنجده يتلاقى مع تيمة الحب العذري، كما "قيس وليلى" و"جميل وبثينة"، و"كثير وعزة"، هذا الحب المبنى على الحرمان، الذي يَحُولُ المجتمع بين طرفيه، ويبذل المحبون التضحيات ويخوضون التحديات من أجله، ويصبح خلاله لقاء الحبيبين بالروح أقوى وأوثق من الاتصال المادي

لنرصد مثلاً قول الصوفي الشهير أبوبكر الشبلي (تـ 334هـ - 945م)، حيث يتحدّث عن حبّه لله مشبّهاً نفسه بمجنون ليلى:

باحَ مجنونُ عامرٍ بهواهُ ... وَكَتمت الهَوى فمتّ بِوَجدي

فَإِذا كانَ فى القيامةِ نوِدِى ... مَن قتيلُ الهَوى؟ تَقدّمت وَحدي

وعِنْدى دموع لو بَكيْت ببعضها ... لفاضت بحور بعدهنّ بحورُ

قبور الوَرَى تحت التراب، وللهوى ... رجال لهم تحت الثياب قبورُ!

الإفصاح بالحب بين العشاق من رجال ونساء قد يمثل خطورة عليهم، بسبب الأعراف والتقاليد الاجتماعية التي تقيد بعض صور الحب، فيضطرون لكتمانه، وكذلك يكتم الشبلي حبه لله، لأنه يعلم أن الطريقة التي يحبه بها والتي تحوي عقيدة لو ظهرت ستمثل خطورة على حياته، كما حدث لرفيقه الحسين بن منصور الحلاج (تـ 309هـ - 922م)، الذي أعدم نتيجة أشعاره التي أباح فيها بعقيدته التي اصطدمت بمذهب أهل السنة، وتحديدا فيما يتعلق بالحلول والاتحاد.

ويرجح أستاذ الفلسفة عبدالرحمن بدوي في كتابه "شطحات الصوفية"، أن الشبلي هو أول من نبه الصوفية لكتمان أسرارهم مع الله، بعدما رأى مصير الحلاج، حيث يقول: "أنا والحلاج في شيء واحد، فخلصني جنونه وأهلكه عقله".

المفيد هنا أن أبيات "الشبلي" المذكورة لو نزعت من سياقها وقرأها من لا يعلم مغزاها لاعتقد دون شك أنها شعر غزلي.

نفس المعنى نلحظه عند السهروردي المقتول (تـ1191م)، الذي اتهم بالزندقة أيضا بسبب تصوفه وأشعاره، وقتل نتيجة حبه، حيث يقول:

وَا رَحمةً للعاشِقينَ تَكلّفوا ... ستر المحبّةِ والهَوى فَضّاح

بِالسرِّ إِن باحوا تُباحُ دِماؤُهم ... وَكَذا دماءُ العاشِقينَ تُباحُ

ولكنه يطلب العذر لهم، لأن عشقهم أقوى من أن يكتم:

لا ذنب للعُشّاق إِن غَلَبَ الهَوى ... كِتمانَهُم فَنَما الغَرامُ فَباحوا

سمحوا بِأَنفُسِهم وَما بَخِلوا بِها ... لَمّا دَروا أَنّ السَّماح رَباح

الأساطير تقول إن العشاق العذريين أتلفهم الهوى وماتوا وهم مجانين، وكذلك يقول الصوفي الشهير عمر بن الفارض (تـ1234م) الملقب بسلطان العاشقين:

قلبى يُحَدّثنى بأَنّكَ مُتْلِفِى ... روحى فِداكَ عرَفْتَ أمَ لم تَعْرِفِ

التحديات التي يفرضها الحب بين عاشق وعاشقة، يبذلها أيضا من يخوض في الحب الإلهي، ولنلحظ ذلك في قول جلال الدين الرومي:

منْ يريدُ القمر لا يتجنَّب اللّيل، من يرغبُ في الوَرد لا يخْشى أشْواكه، ومَن يسعى إِلى الحبّ لا يهرب من ذاتِه.

في كل الأحوال يظل العاشقان العذريان في اتصال، وكأنهما روح واحدة في جسدين، لا يفصلهما فاصل، وكذلك نجد نفس المعنى في الحب الصوفي الإلهي، بل نلحظ أن هذا الاتصال الروحي عند المتصوفة أقوى من اتصال الأجساد... يقول الرومي:

لا أرَاكَ ولكنِّي ألقاك، فرؤية العَين رؤية، ورؤية القلب لقاء.

ويقول أيضا:

الوداع لا يقع إلا لمن يعشق بعينيه أما ذاك الذي يحب بروحه وقلبه فلا ثمة انفصال أبداً.

وبعد هذا الاتصال الروحي يصبح العاشق والمعشوق كالشيء الواحد، ونلحظ المتعة في الاتصال فيما بينهما، كما يصفها الحلاج:

عَجِبْتُ مِنْكَ ومِني يا مُنْيَة المُتَمنّي

أدنيتني منكَ حتّى ظنَنتُ أنكَ أني

وغبتَ في الوجدِ حتى أفنَيْتَني بِك عني

يا نعمتي في حياتي وراحتي بعد دفني

ما لي بغيرك أُنس من حيث خوفي وأمني

يا من رياض معانيه قد حويت كل فَني

وإن تمنيت شيئا فأنت كل التمني

ويقول أيضا:

مزجت روحك في روحي كما تمزج الخمرة بالماء الزلال

فإذا مسَّك شَيء مسَّني فإذا أنت أنا في كل حال

هذا الاتصال لا يجعل العاشق يمَل من معشوقه، بل كلما زاد الاتصال كلما زاد الشوق، وفي هذا يقول الحلاج أيضا:

يا نَسيم الروح قولي للرشا لم يزدني الوِرْد إلا عَطشا

السيد المسيح: الكمال الجمالي 

ما رصدناه فيما يخص أشعار الصوفية المسلمين، قد نرصده في ترانيم مسيحية كثيرة، لو نزعناها من سياقها الديني لاعتبرناها شعرا عاطفيا.

السيدة فيروز غنت للسيد المسيح ضمن ترانيمها: "وا حبيبي"، حيث تقول:

وا حبيبي وا حبيبي أي حال أنت فيه

يا حبيبي كيف تمضي؟ أترى ضاع الوفاء؟

والشعر لو نزعناه من سياقه يمكن إسقاطها على امرأة تنوح على حبيبها الذي ظُلم.

نلحظ ذلك أيضا في ترنيمة عيد الليل، التي تقول:

عيّد الليل زهّر الليل ... صوت العيد ضوّا الليل

موجي يا سما بالعناقيد .. هلّي بالحلا بالمواعيد

وهي أبيات يمكن أن يرددها حبيبي فرح بحبيبه الذي سيزوره بعد انتظار.

أما ترنيمة "ليلة عيد" فقد تحولت بالفعل إلى أغنية عالمية متجاوزة عقيدتها المسيحية، وأصبحت تتردد على ألسنة الجميع ليلة رأس السنة:

أقولك إيه عن الشوق.. هل غنت أم كلثوم للنبي؟

ما رصدناه في السطور الماضية ( تحويل الأشعار الدينية إلى أشعار عاطفية) ثبت عكسه، حيث ذُكر أن هناك أشعار وأغنيات قيلت في سياق عاطفي علماني، رغم أنها كتبت بالأساس لغرض ديني.

ترددت حكايات عن أن أغنيتي "أمل حياتي" و"أنت عمري" للسيدة أم كلثوم، كتبهما الشاعر أحمد شفيق كامل في الروضة أمام قبر النبي محمد، محبة فيه، وغنتهما أم كلثوم وهي تعلم أنهما كتبتا حبا في النبي، ولكن الجمهور استقبل الأغنيتين باعتبارهما عاطفتيين.

وترددت حكايات، ومنها ما حكاه الداعية الحبيب علي الجفري، عن أن أغنيتي "أمل حياتي" و"أنت عمري" للسيدة أم كلثوم، كتبهما الشاعر أحمد شفيق كامل في الروضة أمام قبر النبي محمد، محبة فيه، وغنتهما أم كلثوم وهي تعلم أنهما كتبتا حبا في النبي، ولكن الجمهور استقبل الأغنيتين باعتبارهما عاطفتيين علمانيتين.

الأمر نفسه أكده الأديب المعروف خيري شلبي، الذي أعد دراسة عن أشعار أحمد شفيق كامل الغنائية، وجعلها مقدمة لديوان شفيق الشِّعري، حيث قال في دراسته إن كل أشعاره التي غنتها أم كلثوم إنما كانت قصائد عشق صوفية.

ديوان أحمد شفيق الشعري صدر في حياته، وكان بعنوان "أنت عمري"، ونشرت ضمنه دراسة خيري شلبي، ما يعد إقرارا ضمنيا من كامل بصحة ما قاله شلبي. ودعم هذا الاتجاه أن شفيق قضى جزءا كبيرا من حياته متصوفا، حسبما عُرف وشاع عنه.

كما ترددت أقاويل عن أن الشاعر عبدالفتاح مصطفى حين كتب أغنية "أقولك إيه عن الشوق يا حبيبي" لأم كلثوم، كان يناجي بها الله، حيث قال له أم كلثوم: "إيه كل الحب ده؟!"، واعتقدت أنه يعيش قصة حب جديدة، فداعبته بأنها ستقول لزوجته، فرد عليها، بأن هذه الكلمات لم يقلها في حق امرأة، بل لله، حسبما يروي زياد عساف في كتابه "المنسي في الغناء العربي".

ودعم مصداقية الرواية أن عبد الفتاح مصطفى نفسه، اشتهر بكتاباته الصوفية، فهو من كتب ابتهال "مولاي" للشيخ سيد النقشبندي، ومجموعة الأدعية الدينية التي غناها عبدالحليم حافظ، و"محمد يا رسول الله" لياسمين الخيام، وغيرها من أشعار وأغنيات.

وهكذا رأينا شعرا غزليا عاطفيا علمانيا يصلح كشعر عشق صوفي ديني، كما رأينا شعرا صوفيا دينيا (إسلاميا وغير إسلامي) يصلح كغزل علماني وكأن التربة التي تغذي الحب واحدة، مهما اختلفت الأشجار التي تنبت منها.

صورة المقال: قبلة كيوبيد، قطعة من مقتنيات متحف اللوفر

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard