واقعة نزع السراويل بجامعة الأزهر..خبراء نفسيون يحذرون “ليسوا أسوياء"

السبت 13 أبريل 201906:59 م

انتشرت حالة من الغضب في أوساط المجتمع المصري الساعات الأخيرة عقب تداول فيديو يظهر فيه أستاذ بجامعة الأزهر يأمر طالبيْن في صفه بخلع سرواليهما تماماً أمام بقية الطلاب، من “باب التأديب”. وبعد بث هذا الفيديو أقرت إدارة الجامعة عقوبات بحق الأستاذ وعدد من المسؤولين إلا أن خبراء تربويين ونفسيين أكدوا لرصيف22 أن الأمر يستدعي تحركاً أكبر.

وشرح طلاب، حضروا المحاضرة التي حدثت بها الواقعة المثيرة للجدل، أن الأستاذ الجامعي طلب فور دخوله المحاضرة طالباً “مقداماً" بالحضور إليه ليتقدم أحدهم فيطلب منه الأستاذ إنزال بنطاله لكنه رفض. بعد ذلك سأل الأستاذ طلابه هل منهم من يستطيع منازلة الطالب وخلع سرواله، حينها تقدم طالب آخر. في تلك اللحظة أقسم الأستاذ أنه في حال رفَضَ الطالبان إنزال سرواليهما سيعاقبهما بالرسوب في مادة "العقيدة".

قرارات عاجلة

ويظهر بالفيديو، الذي يتحفظ رصيف22 على نشره لتعارضه مع قيم الموقع، الأستاذ وهو يتوعد الطالبين بالرسوب ما لم يطيعا أوامره، وسط ضحكات متعالية من زملائهما الذين رفعوا هواتفهم لتصوير زميليهم وهما يخلعان سرواليهما بالفعل. ولم يكتف الأستاذ بهذا بل أمرهما لاحقاً بخلع ملابسهم الداخلية كذلك.

وفور انتشار الفيديو، أعلنت الجمعة جامعة الأزهر برئاسة محمد المحرصاوى أنها اتخذت إجراءات حاسمة ورادعة شملت فصل عضو هيئة التدريس والطلاب المشاركين في الواقعة، بالإضافة إلى إقالة عميد الكلية ووكيل الكلية لشؤون التعليم والطلاب، ورئيس القسم لتقصيرهم في أداء مهامهم الوظيفية وعدم متابعتهم سير العملية التعليمية بما يحافظ على القيم والتقاليد والأعراف الجامعية.

وأكدت جامعة الأزهر، في بيان، أن ما حدث يعد "جريمة أخلاقية" تستوجب الإحالة للنيابة العامة لاتخاذ الإجراءات بشأنها. وللمفارقة، تباهى رئيس جامعة الأزهر، السبت بأن الأزهر ليس محلياً ولا إقليمياً بل مؤسسة عالمية، يدرس بها طلاب من أكثر من 100 جنسية منهم 23 ألف طالب بالجامعة و10 آلاف بالمرحلة قبل الجامعية، قائلاً: "أي مؤسسة أخرى في العالم جمعت هذه الجنسيات سوى الأزهر".

عذر أقبح من ذنب

وفي أول رد فعل له على قرار فصله من الجامعة، قال إمام رمضان إمام، المدرس بكلية التربية بجامعة الأزهر، صاحب واقعة "خلع البناطيل"، في بيان، أنه كان يحاضرتلاميذه عن "الحياء في الإسلام"، وأنه علّم آلاف الطلاب بالجامعة على مدار 20 عاماً.

وأضاف: "كل ما فعلته كأستاذ في العقيدة والأخلاق مع طلابي كان تجربة أردت من خلالها أن أرى تأثير التعليم النظري للعقيدة والأخلاق على أرض الواقع بالاختيار التجريبي العملي".

وأشار الأستاذ المطرود إلى أن هذه لم تكن المرة الأولى التي يقوم فيها بنفس الفعل، مشيراً إلى أنها "نجحت مرة، وفشلت هذه المرة فشلاً ذريعاً"، مبدياً اعتذاره عن فشل التجربة لا عن الفعل نفسه، واصفاً قرار فصله بـ”البلاء".

من جانبه، قال الدكتور أحمد زارع، المتحدث باسم جامعة الأزهر لرصيف22، إن تحريض أحد أعضاء هيئة التدريس بكلية التربية جامعة الأزهر للبنين بالقاهرة طلابه على ارتكاب أفعال مخلة بالحياء العام داخل قاعة المحاضرات بالحرم الجامعي "عمل فردي ولا يمت بصلة، من قريب ولا بعيد لجامعة الأزهر وقيمها والقيم المجتمعية، وغير مقبول لا من الأساتذة ولا الطلاب”.

ولفت زارع إلى أن إجراءات الفصل العاجلة جاءت طبقاً لقانون الأزهر رقم 103والذي ينص على أن: "كل فعل يخل بشرف عضو هيئة التدريس أو ينال من صفته كعالم مسلم أو يتعارض مع قيم الإسلام الثابتة أو ما هو معلوم من الدين بالضرورة، أو ينال من نزاهته، يستوجب الفصل".

وشدد زارع على أن الأستاذ الجامعي طُرد نهائياً وأحيل إلى المحاكمة واصفاً إياه بأنه "عضو مريض لازم يبتر".

أما فيما يتعلق بالطالبين الذين أُجبرا على خلع سرواليهما وزملائهم الذين قاموا بتصويرهم، فأوضح المتحدث باسم الجامعة أنهم أحيلوا للجنة قانونية للتحقيق معهم، مشيراً إلى أنهم "ليسوا صغاراً. كان بإمكانهم الشكوى لإدارة الكلية أو القسم لكنهم لم يفعلوا".

أجبر أستاذ بجامعة الأزهر طلابه على خلع سراويلهم أمام زملائهم، وجاب الفيديو الذي وثّق الحادثة مواقع التواصل  محدثاً ضجة في مصر. يقول محمد مزيد الخبير النفسي لرصيف22 إن هذا الجامعي "ليس سوياً نفسياً، ولا حتى طلابه أسوياء". القصة كاملة في تقريرنا.

لا علاقة له بالتربية ولا التأديب

بدوره نفى الخبير التربوي حسني السيد، لرصيف22، أن يكون ما أقدم عليه الأستاذ الجامعي من قبيل التأديب أو التجربة كما زعم قائلاً: "لا يليق بأي أستاذ وخاصة في جامعة دينية كالأزهر. بل سوء تقدير وتصرف منه في اختبار قدرات الطلاب في الثبات النفسي وطاعة أستاذهم".

لكن السيد يرى أن الفصل ليس العقاب الملائم، ويعتقد أنه اتخذ "كعقاب مشدد"، حسب ما يقول، تحت ضغط مواقع التواصل الاجتماعي مشيراً إلى أن "حوادث عديدة مخلة بدرجة أكبر مثل التحرش بالطالبات لم يعاقب مرتكبوها بالفصل".

أما عن الطلاب المشاركين في الواقعة، فناشد الخبير التربوي إدارة الجامعة بالتعامل معهم برفق، كونهم صغاراً وليسوا على درجة وعي كبيرة ومراعاة أنهم كانوا يستجيبون لأستاذهم خوفاً من الرسوب، وإن كان لا يبرر ما فعلوه.

"غير متزن نفسياً"

محمد مزيد، الخبير النفسي بوزارة العدل المصرية، أكد لرصيف22، أن الأستاذ المتورط في الواقعة "غير متزن نفسياً، وما فعله نابع من تنشئة غير سوية". لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن هذه الواقعة تعكس العديد من المؤشرات عن "تبدل قيم المجتمع المصري".

ويضيف الخبير النفسي أن هناك خمسة مؤشرات يمكن استقاؤها من هذه الواقعة، تتضمن توزيع المسؤوليات، لأنه لا يعتبر الأستاذ وحده مخطئاً. أول هذه المؤشرات "شيوع التنمر بين الطلاب الذين تبادلوا الضحك والتصوير ثم نشر الواقعة رغم فظاعتها. وتقبل السلوك غير السوي داخل المجتمع، بشكل عام، على أنه سلوك عادي وهو ما يظهر في آلاف التعليقات السلبية على الفيديو، وعلى حالات شبيهة روجت مؤخراً وتفاعل معها الكثيرون عوضاً عن التأفف منها واستهجانها".

ويتابع: "هناك أيضاً غياب النموذج والقدوة. قديماً كان المعلم قيمة وقامة لكن حالياً أصبحنا نُحَفِّل (نسخر) من المدرس أو نخافه دون أن نحترمه، ووقائع كهذه تغذي هذا التغيير"، أما المؤشر الرابع فيتمثل في التنشئة غير السليمة لكل من اشترك في هذه الواقعة غير الأخلاقية بدءًا بالأستاذ مروراً بالطلاب ورواد مواقع التواصل الاجتماعي الذين نشروا تسجيل الواقعة.

أما المؤشر الخامس فيحدده مزيد على أنه التساهل المجتمعي، الذي اكتفى بفصل المشاركين في الواقعة دون البحث في أسبابها، رغم بشاعتها، حسب ما يقول. كما يدين مزيد دور الإعلام، في نشر السخرية من المعلمين وغيرها من القيم السلبية والتي يتبادل بشأنها المجتمع الضحك عليها دون وعي ما يكرس في نفوس الناشئة نظرة دونية للمعلم. وفي المقابل تظهر وسائل الإعلام المرئية من خلال الأعمال الدرامية تاجر المخدرات شخصاً نبيلاً وشهماً ما يجعل من الجمهور يتعاطف معه.

وينبه المختص :"حادثة كهذه لا ينبغي أن تمر مرور الكرام"، مقترحاً "التأكد من سلامة الأساتذة عقلياً ونفسياً بانتظام، لكثرة الحوادث المخلة المرتبطة بهم ولأهمية ما يقومون به من تنشئة الأجيال الواعدة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard