محمد صافي... شاب فقد بصره تحت التعذيب في سجون حماس

الأحد 14 أبريل 201903:02 م
Read in English

"إذا بتشوف بعين واحدة، نحن ما بدنا إياك تشوف نهائياً"... بهذه الكلمات ردّ أحد الضباط في سجون جهاز الأمن الداخلي التابع لحركة حماس في قطاع غزّة على طلب الشاب محمد صافي عدم ضربه على رأسه أثناء التحقيق، لأنّه يعاني من مشاكل صحية سببت له ضعفاً في قدرته على الرؤية.

محمد (27 عاماً) الذي استُدعي عبر بلاغ رسمي على خلفية الاشتباه بمشاركته في حراك "بدنا نعيش" الذي انطلق في غزّة، يوم 14 مارس الماضي، للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية ورفع الضرائب عن السلع الأساسية، يرقد اليوم على سرير في قسم الباطنة في مستشفى الشفاء الواقع وسط مدينة غزّة، فاقداً للبصر بكلتا عينيه، بعد ما تعرّض له من تعذيب قاسٍ في السجن.

"لم أشارك في الحراك"

يروي صافي لرصيف22 تفاصيل الأحداث وتسلسلها ويقول: "على الرغم من كوني داعماً لأهداف الحراك ومطالبه المعيشية البسيطة إلا أنّي لم أكن مشاركاً في فعالياته الميدانية، وما حصل هو أنّي كنت في يوم الحراك في طريق عودتي إلى البيت ومررت من ذات مكان التجمع في شمال القطاع، وهو بطبيعة الحال المسلك العادي الذي أسير فيه يومياً للوصول إلى منزلي"، ويضيف: "بعد أيام من ذلك، تمّ استدعائي إلى مقر الأمن الداخلي للتحقيق".

يوضح صافي أنّ ذلك كان بتاريخ 19 مارس. توجّه إلى المقر الأمني وفور وصوله طُلب منه تسليم كلّ أغراضه الشخصية، وبعدها احتُجز داخل "حمام عربي" مساحته لا تتجاوز ستة أمتار مربعة ويمتلئ برائحة كريهة وحشرات.

يشير إلى أنّه، وبعد مرور وقت قصير، أدخل له السجانون "فرشةً" للنوم عليها في ذات المكان. وبقي على ذات الحال حتى صباح اليوم التالي حين بدأ بسؤال عناصر الأمن عن سبب اعتقاله.

بعدها، حضر ثلاثة أشخاص واعتدوا عليه بالضرب داخل الحمام، ثم "تمّ نقلي إلى غرفة التحقيق الذي تمحور حول مشاركتي في الحراك الشعبي الأخير. أوضحت لهم أنّي لا أعلم شيئاً عن تفاصيله وأنكرت كلّ ادعاءاتهم".

يلفت صافي إلى أنه "في اليومين الأولين واجهت التعذيب بأدواتٍ مختلفة وتعرّضت للإهانات، وفي اليوم الثالث شعرت بألم شديد في رأسي وضعف شديد في بصري، وعلى الفور أخبرتهم بذلك، لكنهم تجاهلوا الأمر".

ويذكر لرصيف22 أنّ المحققين لم يكتفوا بتجاهل الأمر، بل سمحوا لأحدهم بضربه على رأسه ووجهه بعنف شديد، وكان المعتدي يردد أمامه "سأضربك حتى يضيع بصرك كاملاً"، وينوّه إلى أنّه، ومع ازدياد حالته سوءاً، قرروا الإفراج عنه بشرط عودته بعد ثمانية أيام لاستلام متعلقاته ولإنهاء المسألة بالكامل.

تدهور حالة محمد الصحية

في طريق عودته إلى البيت، أدرك محمد أنّه فقد البصر تماماً بعينه اليسرى، ما استدعى نقله إلى مستشفى "العيون" من قِبَل عائلته، وهنالك أجريت له عمليه عاجلة وظلّ في المستشفى حتى عاد بصره واستقرت حالته الصحية، لكن الطواقم الطبية قررت أنه يحتاج عملية أخرى في وقتٍ لاحق.

يؤكد صافي أنّه التزم بالحضور مجدداً إلى مقر الأمن الداخلي في الموعد المحدد، وهنالك احتُجز لمدة خمس ساعات في غرفة مظلمة لوحده بدون توجيه أيّة كلمة له، وبعد ذلك سُمح له بالمغادرة على أن يسلّم نفسه في يوم آخر. وعاد لاحقاً، وحصل معه نفس الأمر ولم يتسلم متعلقاته الشخصية.

في التاسع من أبريل الحالي، وهو اليوم الذي كان مقرراً فيه إجراء العملية الطبية الأخرى له، كان صافي على موعد مع لقائه الأخير في جهاز الأمن الداخلي، وهناك أخبر السجانين بتفاصيل حالته الصحية، لكنّهم لم يكترثوا لذلك، وتمّ احتجازه من الصباح حتى المساء في غرفة مظلمة لا يلج لها أيّ ضوء. وقتها، شعر الشاب بتعب وإرهاق شديدين، وأخذ يخبّط على الباب بصورةٍ هستيرية ويصرخ بصوتٍ مرتفع: "أنا لا أرى، أنا فقدت بصري".

ويبيّن أنّ السجانين أخرجوه لحظتها من الغرفة وطلبوا منه الجلوس على كرسي ليرتاح، لكنه رفض وطلب المغادرة. ويواصل عرض قصته: "عندما خرجت لم أستطع المشي بتاتاً وجلست على رصيف مجاور لمقر الأمن فتنبه لي أحد المارة وسألني عن سبب جلوسي هكذا، فأخبرته باكياً أنّي لا أرى شيئاً، فتمّ نقلي على الفور إلى مستشفى الشفاء".

تعليق وزارة الداخلية

في صباح الـ11 من أبريل، أصدرت وزارة الداخلية في غزة بياناً قالت فيه إنها تتابع قضية محمد وتفاصيل الاعتقال التي عاشها، وذكرت فيه أنّ المتابعة جاءت بعد شكوى تقدّمت بها عائلة الشاب لدى المراقب العام للوزارة.

لكن ما ورد في البيان يُنافي ما عرفه رصيف22 من أسرة الشاب وأصدقائه المتواجدين بجانبه في المستشفى، إذ أكّدوا أنّهم لم يتقدموا بشكوى لأيّة جهة.

وأعقبت الداخلية بيانها الأولي ببيانٍ تفصيلي نُشر مساء 11 أبريل وأكّدت فيه رواية الشاب حول عدد أيام اعتقاله واستدعائه، وقالت "إنّها أجرت التحقيقات اللازمة حول حالة المواطن صافي، وتابعت الفحوصات الطبية التي خضع لها".

وبيّنت الوزارة أنّها تسلّمت خلال الساعات الماضية نسخة عن التقرير الأخير الذي يشرح حالته، وظهر منه أنه دخل إلى المستشفى في التاسع من أبريل للاشتباه بإصابته بداء "التصلب المتعدد" وهو مرض معروف أنّه قد يتسبب بفقدان مفاجئ للبصر.

وأشار التقرير الطبي بحسب بيان الداخلية إلى أنّ المريض كان يعاني من التهاب حاد في العصب البصري وتعرض لنفس الحالة في عامي 2008 و2012، وما حدث معه لا يَعدو كونه مضاعفات طبيعية لحالته السابقة.

وأوضحت الوزارة أنّها تأكّدت من خلال تحقيقاتها ومتابعة كاميرات المراقبة أنّ الشاب صافي لم يتعرّض للضرب على رأسه، ولم يكن سوء حالته الصحية بسبب إجراءات التوقيف والاحتجاز، مبديةً استعداداها لإطلاع المؤسسات الحقوقية على تفاصيل القضية ونتائج التحقيق.

وختمت الداخلية بيانها بالقول: "هناك مَن سعى لاستغلال الحالة الإنسانية للمواطن محمد صافي، في إطار المناكفة السياسية، من خلال ممارسة الكذب والتزوير واللعب على الوتر العاطفي"، مشيرة إلى أنّها ستتخذ الإجراءات القانونية تجاه كلّ مَن قام بذلك.

انتهاكات للقانون

بدوره، أكّد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أنّ المواطن محمد صافي فقد القدرة على الإبصار بكلتا عينيه في أعقاب تعرّضه للاعتقال والتعذيب في مركز اعتقال تابع للأمن الداخلي في قطاع غزة، على خلفية ادعاء مشاركته في الحراك الشعبي، وطالب في بيانٍ أصدره تعليقاً على الحادثة جهات الاختصاص القضائية بالتحقيق في ما جرى ومحاسبة المسؤولين عنه وتقديم الرعاية الطبية اللازمة فوراً لصافي.

وأشار البيان إلى أنّ احتجاز السجناء في أماكن غير لائقة والاعتداء عليهم بالضرب يمثل انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان، يرتقي إلى جريمة تعذيب، ذاكراً أنّ توقيف أيّ مواطن في مراكز الأمن يجب أن يكون بعد إجراء الفحص الطبي اللازم له، وأن مركز التوقيف يكون مسؤولاً عن الحالة الصحية للموقوفين بشكل كامل، ونبّه إلى أنّ الاعتقال على خلفية حرية الرأي والتعبير أمر خطير، داعياً الأجهزة الأمنية للتوقف عن استدعاء المواطنين على خلفية ممارسات الحريات.

"إذا بتشوف بعين واحدة، نحن ما بدنا إياك تشوف نهائياً"... بهذه الكلمات ردّ أحد ضباط جهاز الأمن الداخلي التابع لحركة حماس في غزّة على طلب الشاب محمد صافي عدم ضربه على رأسه أثناء التحقيق
راح محقق يضربه على رأسه ووجهه بعنف شديد، وهو يردد أمامه "سأضربك حتى يضيع بصرك كاملاً"... الشاب محمد صافي فقد بصره بسبب التعذيب في سجون جهاز الأمن الداخلي التابع لحركة حماس في غزّة

ويقول الباحث القانوني عبد الله شرشرة لرصيف22 إن "القانون السادس الصادر عام 1998 يمنح أيّ شخص رهن الاعتقال حقوقاً خاصة، من بينها الرعاية الصحية والكشف الطبي"، مشيراً إلى أنّ نصوص مواد هذا القانون تُجبر إدارة مركز التوقيف على التعامل مع كلّ شكوى تفيد بوجود مرض على محمل الجد.

وبيّن أنّ حالة الشاب صافي تتطلب موقفاً رسمياً، يوفّر سُبل العلاج اللازمة له على نفقة الحكومة في غزّة، مشدداً على ضرورة تشكيل لجنة تحقيق مستقلة تتابع تفاصيل الحادث بشكل محايد، وإذا ما تبث تورط أفراد فيه يجب أن يُقدَّموا للمحاكمة فوراً.

محمد... الشاب المبادر

حول سرير محمد في المستشفى، يلتف عدد من أصدقائه الذين لازموه على مدار الساعة منذ عدّة أيام. يستطيع أيّ إنسان مهما كان بسيطاً ملاحظة الحسرة في وجوههم وهم يراقبون وجع شابٍ كان بالأمس بينهم مفعماً بالنشاط والحيوية، مكافحاً من أجل تحقيق ذاته.

يقول رامي أمان (37 عاماً)، وهو أحد أصدقاء محمد المقربين، لرصيف22: "محمد كان من الشباب الفاعلين في خدمة المجتمع عبر تنفيذه مجموعة مبادرات تطوعية هدفها الأساسي معالجة الكثير من المشكلات الاجتماعية ورفع الوعي لدى الشباب في القضايا الوطنية والحقوقية"، موضحاً أنّ صديقه لم يكن منحازاً لطرفٍ على حساب الآخر، وكان يعمل مع الجميع من أجل خدمة بلاده فقط.

أما صديقته الشابة هداية الزعنون (20 عاماً) فتذكر لرصيف22 أنّ محمد عمل في الفترات السابقة إلى جانب عدد من الوزارات الحكومية منها وزارتا السياحة والداخلية في قطاع غزّة وهي تتبع فعلياً لحركة حماس، وجهاز الأمن الداخلي كان يعرف تماماً طبيعة الأعمال التي كان يشرف عليها، والتي لم تتجاوز الجانب التطوعي في تنظيف شاطئ البحر والأماكن الأثرية والمشاركة في ورشات إرشاد وتوعية وترفيه لكافة شرائح المجتمع المهمشة.

بدوره، يشير أمان إلى أنّ حال صديقه لم يكن مختلفاً عن حال الكثيرين من شباب غزّة الذي يعانون من البطالة وسوء الحالة الاقتصادية، فمحمد خريج منذ عدّة سنوات ولم يحظَ بفرصة عملٍ تؤمن له حياةً مستقرة وتمكنه من مواجهة مصاعب الحياة، و"ذلك لم يخلق عنده شعوراً باليأس والإحباط واستمر في أداء أعماله التطوعية".

ويشير أمان إلى أن حالة محمد الحالية أشعرته بفقدان الأمل ويعبّر عن ذلك بقوله: "لقد ضاقت علينا الأرض التي أنجبتنا".

تفاعل مع القضية

على مواقع التواصل الاجتماعي، نشر مئات المغردين عبارات رفضٍ واستنكار للانتهاك الذي تعرّض له الشابّ صافي، وكذلك لاموا إجراءات حركة حماس الأمنية التي ما زالت تتعامل مع المواطنين بعنفٍ وترهيب، دون اتباع الإجراءات القانونية الضابطة لعملية الاستدعاء والتوقيف.

ونشر مغردون صوراً لمحمد تظهره مشاركاً في حملات ومبادرات تنظيف الأماكن العامة وتبيّن حرصه على المشاركة في الأنشطة والفعاليات الوطنية والمجتمعية، واستنكروا أن تكون هذه هي نهاية شاب وصل الليل بالنهار "لأنّه كان لا يريد تسرّب اليأس إلى داخله".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard