بإنتاج فقير وعائد معنوي..هل يحتلّ الـ"بوك تيوبر" في مصر مكانة الصحف والمنصَّات الثقافية؟

الثلاثاء 16 أبريل 201910:52 ص

فتاة لا يتعدى عمرها 25 عاماً، أمامها مكتب يعلوه عشرات الكتب، تظهر على فيديوهات بـ"يوتيوب" و "فيس بوك"، في يدها كتاب تستعرض فصوله، وعيناها مُوجَّهةً لكاميرا بسيطة بكادر ثابت، تُحرّض الشباب على القراءة، تختار لهم العناوين، وتدافع عن اختياراتها.

مشهد يصف الكثير من الـ«بوك تيوبر»، وهم مقدمي البرامج التي اُشتٌهرَت مؤخَّراً على موقع التواصل  «يوتيوب»، يُقدِّمها شباب مصريون بجهودهم الذاتية، وغالباً ما يكون المصوِّر أحد أصدقائهم، والديكور مكتبتهم الخاصة.


الـ«بوك تيوبر» وظيفة تنتشر في دول أوربا وأمريكا، حتى أننا نجد لكل دار نشر قناتها الخاصة، التي تروِّج من خلالها لإصداراتها، وليس الأمر قاصراً على المُنتَج الثقافي فقط، بل إنّ كل مؤسسة إنتاجية لها قناتها التي تُخاطب من خلالها عميلها المستهدف، إلَّا أنَّه في مصر، ظهرت مؤخرًا برامج لعرض الكتب وتقييمها، تتمّ بمجهود ذاتي فردي، عبر مجموعة من الشباب يقدّمون قراءاتهم الأسبوعية أو الشهرية، أو حتى لكتاب أعجبهم بالصدفة.


البداية تحكيها ندى الشبراوي، والمعروفة باسم «دودة كتب» ، وهو عنوان برنامجها على «يوتيوب»، قائلة إنها تعشق القراءة بشكل عام، ولا سيما الروايات، مثل الكثيرين من محبي الكتب، إلا أنها اعتادت كتابة "ريفيوهات" عمَّا تقرؤه، سواءً عبر موقع "جودريدز" المعني بعرض وتقييم الأعمال الأدبية، أو عبر صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، لا تتردَّد ندى في ترشيح بعض الكتب التي تتحدث عن موضوع بعينه، ومشاركة قراءاتها الشهرية، مشيرة إلى أنَّ ذلك كان له صدى لدى متابعيها، ولكنَّه محدود "فعدد من يشاركونه عبر صفحاتهم كان قليلا".

انتقال الشبراوي من «فيس بوك» إلى «يوتيوب» جاء عبر اقتراح من صديقتها الكاتبة غادة عبد العال، بإخراج الفكرة في شكل فيديو، وذلك حسبما ذكرت لـ «رصيف22» مشيرة إلى ترددها في تنفيذ الفكرة في بداية الأمر، ولكن مع تشجيع صديقتها خرجت الحلقة الأولى من برنامجها «دودة كتب» في مارس 2017، لتنتقل ببرنامجها إلى «يوتيوب» في يوليو من نفس العام.


أما محمد شادي، " اليوتيوبر" المعروف باسم «بتاع الكتب» وهو اسم برنامجه أيضا، الذي يحظى بأكثر من 32 ألف مشترك، بدأ عبر «فيس بوك» منتقلا إلى «يوتيوب» بمساعدة صديقه المصور آدم عاطف؛ إيماناً منهما بانخفاض مُعدلات القراءة مؤخرا، وأنه من الملحوظ تحول الناس إلى المحتوى المصور أكثر من المكتوب، فأخذ شادي على عاتقه مهمة قراءة الكتب وتلخيصها وترشيحها للجمهور المتلقي، حسبما ذكر لـ «رصيف 22».

في البدء كانت القراءة

بجانب تلك التجارب الفردية كان هناك من هم أشبه بفريق عمل، وذلك بأن يقول على الفكرة مجموعة من الشباب، منهم أصحاب برنامج «توب Rev». يؤكد محمد حسن خليفة، أحد أعضاء الفريق أنّ فكرة البرنامج بدأت خلال فعاليات معرض كتاب "الدقي" المُخفَّض، مضيفاً: "عرضت حبيبة سراج الدين عليَّ فكرة برنامج على اليوتيوب نعمل فيه ريفيوهات عن الكتب، بما إننا نقرأ الكثير منها، وبالفعل بدأنا في تكوين الفريق، وتواصلنا مع رحيم أمجد وهو مصور، وتواصلنا مع أمنية حسام، وآية حسني، وبدأنا في كتابة أول حلقة، وبالفعل صورناها، وأنشأنا صفحة البرنامج على «فيس بوك» وتخطت الحلقة الأولى 3.500 مشاهدة على اليوتيوب».

ظهرت مؤخرًا برامج لعرض الكتب وتقييمها، تتمّ بمجهود ذاتي فردي، عبر مجموعة من الشباب يقدمون قراءاتهم،، في ظاهرة يعرف أصحابها باسم "بوك تيوبر"

تناولت الحلقة الأولى من برنامج «دودة كتب» لـ ندى الشبرواي عرض لرواية «كلّ هذا الهراء» لعز الدين شكري فشير، والتي لاقت نجاحاً كبيراً، حيث شاركها الكثير من رواد موقع التواصل «فيس بوك» عبر صفحاتهم، إلا أن الشبراوي والتي تعمل مديرة نشر لدى إحدى الدور، تؤكد أن اختيارها لتلك الرواية لم يكن طمعاً في شهرة صاحبها، ولكن لمحبّتها للكاتب عز الدين شكري فشير.


تشير ندى إلى ابتعادها عن روايات "البيست سيلر" بقدر كبير، لضعف مستواها الأدبي في كثير من الأحيان، وأيضاً لـ"عدم تعاطيها للأدب العربي بشكل عام والمصري خاصة"، مضيفة: "معظم الكتب التي أقوم بتقديمها هي كتب مترجمة، كما أنَّني لا أتناول كتباً تصدر حديثاً، فأنا أتحدث عن  يوسا، إيزابيلا، موركامي وغيرهم ممَّن حققوا مكانة كبيرة وحصدوا جوائز عالمية".

أما بالنسبة لـمحمد شادي أو «بتاع الكتب» كما يُلقِّبه متابعوه، بدا أنَّ هناك انحياز للروايات، وانحياز للكتب المترجمة من الأدب الغربي أيضاً، مثل رواية «حفلة التيس»، و«المسيح يُصلب من جديد» لکازنتزاکیس، وأيضاً نصيب ضئيل للكتب العربية التي نالت استحسانهم، على رأس هذه القائمة «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، و«حيونة الإنسان» لممدوح عدوان.


يقول محمد حسن خليفة: «اختيارنا للكتب يأتي على أساس المهم والممتع، والقادر على الانتشار بين الناس، بجانب الإصدارات الجديدة، وكل يوم هناك كتاب جديد في السوق، لذلك نحاول بقدر الإمكان أن نلاحق حركة تلك الكتب».

لم تقتصر تلك البرامج على عرض الكتب فقط، بل هناك من ذهبوا إلى تقديم أفكار ثقافية، مثل ندى الشبراوي التي قدمت حلقة عن الجوائز العالمية، والفرق بين تلك الجوائز وبعضها البعض، ففي حلقتها عن الفرق بين جائزة البوكر العربية وجائزة «مان بوكر»، تقول عن تلك الحلقة أنها ستكون بداية لسلسة توضح من خلالها الجوائز الأخرى مثل «نوبل» و«كونكار» وغيرهم.

أيضاً هناك سلسلة بعنوان «فن القراءة» والتي تجيب فيها عن بعض التساؤلات مثل: "إزاي أسمع كتاب صوتي؟ ليه أقرا كتاب صوتي؟ إزاي أقرأ 150 كتاب في السنة؟".

"اختيارنا للكتب يأتي على أساس المهم والممتع، والقادر على الانتشار بين الناس، بجانب الإصدارات الجديدة، وكل يوم هناك كتاب جديد في السوق" محمد خليفة "بوكيتيوبر"

"اليوتيوبينج" عمل خيري

تلك البرامج ماهي إلا مبادرات فردية، لذلك كان هناك الكثير من المشاكل التى واجهت أصحابها، ومن بينها ما حكاه محمد حسن خليفة قائلاً: «بعد الحلقة الأولى لنا توقفنا لفترة، لم يكن لدينا كاميرا، حتى وإن وجدت الكاميرا؛ فلا نجد مايك بسهولة».

وتابع خليفة: «بدأنا في حل المشاكل الخاصة بنا، فقد أصبح لدينا كاميرا ومعدات تصوير باستمرار، ولم نحقق ذلك بسهولة، خصوصًا أنه لا توجد أي جهه تدعمنا، فنحن مجموعة من الشباب تحاول ان تصل إلى الناس بمجهودنا الشخصي».

أما بشأن ما يحققونه من عوائد عبر مشاهدات الـ«اليوتيوب» فتؤكد ندى الشبراوي أن تلك الفيديوهات لا تحقق العوائد المطلوبة، أو ما يسمح لها بالتفرغ لمثل تلك البرامج، مضيفة: "أن ما أنفقته على تصوير تلك الفيديوهات يفوق ما حققته ماديا بكثير، فخلال عام ونص لم أحقق سوى 4 آلاف جنيه، لذلك لا أستطيع وصفه بأنه «عمل»، ولكن أنا لدي التزام تجاه كل ما أقوم به، وهو في الأساس التزام معنوي وأخلاقي، فهناك من ينتظرون تلك الحلقة، كما أن هناك عائد معنوي يعود علي، فأنا أصبحت سعيدة بما أفعله، من الممكن أن نسميه عمل خيري وبلا مقابل".

«بتاع الكتب»: حققت 600 ألف مشاهدة

تتفاوت نسب عدد المشاهدات بين تلك البرامج وبعضها، إلَّا أنَّها في مُجملها تؤكّد زيادة الإقبال على مشاهدتها، حيث تقول ندى الشبراوي أنَّ حلقتها الأولى من برنامجها حققت 13 ألف مشاهدة، كما نشرها 50 شخصاً عبر صفحتهم بموقع "فيس بوك".

وبالنظر إلى قناتها «دودة كتب» التي طرحت من خلالها 116فيديو حتى الآن، تتراوح مدتهم ما بين 4 إلى 5 دقائق كحد أدني، وما يقرب من 20 دقيقة كحد أقصى، وجدنا تراوح نسبة المشاهدة ما بين 4 آلاف كحد أدنى إلى 18 ألف كحد أقصى، ذلك في وجود 44 ألف مشترك.

أمّا محمد شادي فيرى أنَّ فكرته والتي استمرت في طورها الجديد منذ عام وأربعة أشهر على موقع «يوتيوب» لتصل قناته اليوم «بتاع الكتب» التي شارك فيها متابعيه بـ65 فيديو، لتصل إلى ما يزيد عن 30 ألف مشترك، محققة مجمل مشاهدات يقترب من 600 ألف مشاهدة، حسبما ذكر «شادي».

بينما يذكر محمد حسن خليفة أنَّ نسب مشاهدات برنامجهم تتزايد منذ يومه الأول، مضيفاً: "عدد المشاهدات في أول حلقة تعدى الـ 3500، بينما الحلقة الأخيرة تعدت الـ 1000 مشاهدة في يومها الأول".

ناشر مصري: المستقبل لـ «انستغرام»

في الوقت الذي يؤكد فيه هؤلاء الشباب تواصل بعض دور النشر معهم، للحديث عن بعض إصداراتهم عبر برنامجهم، والتي تُقابل دائماً بالرفض؛ حفاظا على مصداقياتهم لدى متابعيهم- حسب قولهم، يوضح سيد شعبان، صاحب دار «تشكيل» للنشر والتوزيع، أن الـ"بوك تيوبر" لهم تأثر كبير من حيث الانتشار والوصول للجمهور بشكل أسرع، إلا أن صحفيي الثقافة في المواقع المتخصصة لهم دور آخر، وهو صنع شكل من أشكال السيرة الذاتبة للعمل الأدبي، "بحيث إذا بحث شخص ما عن العمل وجد محتوى مقروءً بشكل سريع ودائم، فهو بمثابة أرشفة بالنسبة للكاتب".

وبشأن تأثير كل منهما على المبيعات، يؤكد «شعبان» ضعف تأثير كليهما في عملية البيع والشراء، فالغلبة هنا تكون لتواجد الكاتب نفسه، وعلاقة دور النشر بالمكتبات، وأيضاً صنع عنوان كتاب وغلاف جذاب.

يذهب سيد شعبان إلى أن سوق الدعاية للكتب يسلك طريقاً أبعد من "الفيس بوك"، و "اليوتبوب"، وهو "انستغرام" ذلك الموقع المعني بالصور، حيث يقوم بعض الأشخاص بتصوير مقتنياتهم أو مشترياتهم من الكتب، ومن ثم عرض تلك الصور على موقع "انستغرام".

ويشير سيد شعبان إلى أن ذلك الحراك منتشر بشكل كبير في دول الخليج تحديداً، حيث الثقافة أحد أشكال الوجاهة- حسب قول سيد شعبان.

يرى الناشر سيد شعبان إلى أنَّ سوق الدعاية للكتب يسلك طريقاً أبعد من "الفيس بوك"، و "اليوتبوب"، وهو "انستغرام"

ويوضح سيد شعبان أن أكبر دليل على ذلك هو كتاب «أكستاسي»، ذلك الكتاب الذي أثار جدلاً كبيراً في دول الخليج، محققاً حجم مبيعات كبير للغاية، مع التأكيد على أنَّ سعر الكتاب 70 ريال، ولكن ما يبرر تعجب شعبان أن ذلك الـ«أكستاسي» هو كتيب صغير الحجم، صفحاته سوداء، تتضمن كل واحدة منها كلمات قليلة أشبه بحكمة أو خاطرة.

ويرجع صاحب «تشكيل» السبب في ذلك إلى أنّ العالم يتجه إلى الوسيلة الأسرع في تلقي المعلومة، لذلك نجد أن الوسائل البصرية تتسابق فيما بينها، فمن الانتقال من المكتوب إلى الفيديو، ثم من الفيديو إلى الصورة الصماء، القادرة على إيصال المعنى، وهو الشكل المتوافر على "انستغرام".

يقول شعبان: "العالم يسعى إلى تقليل وقت المعلومة".

الـ «يوتيوبر» ومستقبل الصحافة الثقافية

ما يفعله الـ«بوك تيوبر» الآن هو دور أساسي للمحرر الثقافي، سواء في الصحف اليومية أو المجلات المتخصصة، لذلك كان ضروري أن نتساءل حول تأثير ذلك على الصحافة الثقافية مستقبلاً، تقول ندى الشبراوي: "منذ عشر سنوات تقريبا، وبالتحديد عند اختراع الكتب الإلكترونية، تخيَّل كل الناشرين أنه لن يبقى للكتاب الورقي مكان، ولكن بعد تلك السنين، تأكد أنه لم يؤثر على الكتاب الورقي، فالموضوع يرجع إلى تفضيلاتي الشخصية، فالورقي تقرؤه وأنت مسترخٍ في سريرك، لذلك غالباً ما تذهب إليه لاقتنائه".

وتشير أيضا إلى أن تأثير تلك البرامج على الصحف الثقافية قد يكون إيجابياً وليس سلبياً، فشراء الصحف الورقية طقس يومي، مثل وجود المسلسلات والأفلام على «يوتيوب» لم يجعل الناس تتخلى عن وجود التليفزيون في منزلهم.

"ما يقدمه هؤلاء الشباب قد يكون أكثر فائدة مما يقدمه الكثير من الصحافيين غير المؤهلين، أو من يتعاملون مع الصحافة باعتبارها "سبوبة"

ما قالته الشبراوي يتفق معه الكاتب الصحفي أسامة الرحيمي، رئيس القسم الثقافي بجريدة الأهرام سابقاً، مؤكداً أنّ ما يقدمه الشباب من برامج عبر "يوتيوب" يُعدّ فرصة تتيحها التكنولوجيا لخدمة الثقافة، وأنَّ ذلك لا يعد خطراً على الصحافة الثقافية، ولا ينقص من قدرها في شيء، مستطرداً: "ولكن الصحافة الورقية بشكل عام في مرحلة انتقالية، وبما فيها الثقافية".

أيضا يقول الرحيمي بضرورة أن ننظر إلى تلك الفكرة باستحسان أكثر من ذلك، فما يقدمه هؤلاء الشباب قد يكون أكثر فائدة مما يقدمه الكثير من الصحافيين غير المؤهلين، أو من يتعاملون مع الصحافة باعتبارها "سبوبة".

ويُثمّن أسامة الرحيمي قيمة المحتوى الثقافي المقروء، ويرى أنها متوقفة على مدى أهمية المكتوب في تلك المجلات المتخصصة، مؤكداً ضرورة أن يكون الصحافي "فاهم جيد" للعمل الذي يقوم بالكتابة عنه، وأيضاً أن يكون الكاتب على علاقة وثيقة بعالم الكاتب، وكذلك ضرورة أن يكون صحفي الثقافة قارئ جيد، ومثقف بشكل حقيقي، فهناك من الصحافيين من يتحدثون في أمسيات عن كتب لم يقرؤوها، كما أنّ هناك من يروّجون لضلالات تتمثل في روايات «البيست سيلر» والمشاهير من الكتاب، في حين ينتقص ذلك من مصداقيتهم لدى القارئ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard