محاربون لبنانيون "من أجل السلام"... تعميم ثقافة "الحرب على الحرب"

السبت 13 أبريل 201905:14 م
Read in English


مع نهاية الحرب الأهلية في لبنان عام 1990، برزت الحاجة إلى بناء مسارات ثقافية وسياسية تُعيد قراءة تجربة الاقتتال نقدياً، وتُسائل العناوين العريضة التي قامت على أساسها وتعمل على إنهاء آثارها ومفاعيلها، ومكافحة تجديد خطابها.

ظهرت محاولات عديدة في هذا السياق، ولعلّ أبرزها التجربة اللافتة التي تخوضها منذ عام 2013 مجموعة من المحاربين السابقين الذين كانوا ينتمون إلى تيارات سياسية مختلفة. أطلقوا على لقائهم اسم جمعية "محاربون من أجل السلام"، وسرعان ما اتسعت قائمة المنضمين إليهم لتتجاوز مجموعة المقاتلين السابقين وتنفتح على وجوه ثقافية واجتماعية، ومختصين في علمي النفس والاجتماع، إضافة إلى مخرجين سينمائيين وصحافيين.

تُعنى هذه الجمعية بتفكيك ما أنتجه زمان الحرب على كافة المستويات، انطلاقاً من منطق يؤكد أن نهاية الحرب لا تكون مع توقف إطلاق النار، ولكن حين تحل ثقافة السلام بما تعنيه من نبذٍ للعنف بوصفه وسيلة لتغيير الواقع أو لرد الظلم والتعبير عن الاحتجاج، وعملٍ على بلورة سلوك مدني لا يتخلى إطلاقاً عن حرية التعبير ولكنه يغيّر منهجها ووسائلها، بحثاً عن قواسم مشتركة بين أكبر شريحة ممكنة من الناس.

زياد صعب: فشل العنف

يعمل زياد صعب، رئيس جمعية "محاربون من أجل السلام"، حالياً في وزارة المهجرين بصفته مسؤولاً عن دائرة النشاطات فيها ويعتبر أنه يجب أن ننظر إلى الماضي بعقل الحاضر، لنقد تجربة الحرب بشكل موضوعي.

يقول صعب الذي شغل في فترة الحرب منصب مسؤول القوات المركزية وعضو اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي اللبناني لرصيف22 إنه والمجموعة اكتشفوا، "بناء على المشاهد التي نراها في محيطنا"، أن "العنف لا يوصل إلى أي مكان، وهو ليس حلاً".

يؤكد صعب على أن موضوع بناء السلام "ليس مضاداً للحقوق، أي أنه لا يجب بناء السلام والتنازل عن الحقوق لأن ذلك يصبح استسلاماً"، وينبّه إلى أن "تجربة العنف لم تنتج أي شيء إيجابي، والتجربة اللبنانية واضحة جداً في هذا السياق، إذ يمكننا القول خارج أيّة شعارات إن الحرب اللبنانية انتهت بتدمير البلد، دون تقدّم فعلي في أي ملف، بل إنها وعلى العكس من ذلك، أطلقت مساراً تراجعياً لا يزال مستمراً حتى اليوم".

"التخلف" الذي نعيشه اليوم، وفق صعب، "لا يخرج عن كونه امتداداً للعنف الذي أسست له الحرب ومناخها الذي أنتج لنا هذه الطبقة السياسية الحاكمة التي أوقعتنا في هذا الكم من الديْن العام. ومن هنا نستنتج أن القضايا السامية التي شارك المقاتلون في الحرب من أجلها ذهبت هباء وحلّت مكانها قضايا أخرى".

"تروما الماضي وأزمة النظام"

يشير صعب إلى جدلية العلاقة الخاطئة مع الماضي، لافتاً إلى أن السبب الأبرز لمشاركته في الحرب هو ما يطلق عليه تسمية "تروما الماضي" التي تسيطر على الذهن، "حين يخبرك الأهل عن بطولات الأجداد في الثورة على الفرنسيين ويخبرونك عن القضية الفلسطينية. ولذلك عند أول اشتباك لم أتردد في حمل السلاح دفاعاً عن الثورة الفلسطينية عام 1973".

ويتحدث عن أزمة النظام اللبناني عموماً، والتي أسست لنوع من المركزية الحادة للمدن، ويقول: "نحن من آلاف العائلات التي نزحت في الخمسينيات من الأرياف بحثاً عن لقمة العيش، وهنا مشكلة النظام نفسه بمركزيته التي وزعت الناس في المدن وتحديداً في بيروت، وهو ما سمح بتكوين بؤر حول بيروت سُمّيت لاحقاً أحزمة البؤس".

منطق استعجال التغيير عبر السلاح كان يعبّر عن الإيديولوجيا السائدة آنذاك ولكن صعب يقول: "لا أبرر سبب التسلح والدخول في القتال".

يلخص صعب تجربة جمعية "محاربون من أجل السلام" في أنها ليست حزباً سياسياً بل هي تجمع شخصيات من خلفيات سياسية مختلفة وجدت مساحة مشتركة للعمل على بناء السلام في ظل مناخ من التعدد والتنوع.

ويقول: "نحن نمارس هذا الغنى، وهذه التجربة نقوم بها الآن بهدف بناء السلام بينما لو كنا قد التقينا سابقاً لكان ذلك في ساحة القتال".

فؤاد ديراني: سقوط الأوهام

يرفض الدكتور الجامعي والموظف في وزارة المهجرين فؤاد ديراني قراءة تجربته في الحرب من خلال ثنائية التبرير وجلد الذات، ويحرص على تقديم مقاربة نقدية.

يروي لرصيف22 تجربته في الحرب، والتي تمثلت في المشاركة في القتال مع منظمة العمل الشيوعي اللبنانية، قائلاً: "كنت أعتقد أنني في الحرب سأسترجع فلسطين وأبني لبنان كبلد أكثر عدالة، لكن سرعان ما اصطدمت محاولتنا وتعثرت منذ البداية مع اغتيال القائد كمال جنبلاط. كنا نحلم بتحرير فلسطين ولكن حصل الاجتياح الإسرائيلي عام 1978، واجتياح آخر عام 1982، وسرعان ما حدثت تطورات سريعة تركت تساؤلات حادة لأن الذين خاضوا الحرب من خلال مشروع وطني في مواجهة المشروع الانعزالي تحوّلوا إلى مشروع رديف له ويشبهه".

"ما يحدث في المنطقة ليس سهلاً لأنه يشجعنا على أن نبقى خائفين من بعضنا، ولا نعلم في أيّة لحظة قد نعود إلى الوراء، لذا من الضروري العمل على تفعيل ثقافة السلام ومحاربة الخوف من الآخر"... محاربون لبنانيون سابقون تحوّلوا إلى مقاتلين "من أجل السلام"
"تجربة العنف لم تنتج أي شيء إيجابي، والتجربة اللبنانية واضحة جداً في هذا السياق، إذ يمكننا القول إن الحرب اللبنانية انتهت بتدمير البلد، دون تقدّم فعلي في أي ملف، بل أطلقت مساراً تراجعياً"... محاربون لبنانيون سابقون تحوّلوا إلى مقاتلين "من أجل السلام"

يميّز ديراني بين السلام الإيجابي والسلام السلبي، "فحين يتوقف القصف فإن ذلك لا يعادل السلام بالضرورة، أي أن ذلك ليس سلاماً حقيقياً وفعلياً بل حالة تنطوي على بنية سلبية".

أما "السلام الإيجابي"، برأيه، فهو يعترف بالنزاع والاختلاف ويعمل على إيجاد طرق لحلها، كما يعترف بحقوق الآخرين، ويُعنى بتأمين الخبز والمسكن والحريات والحق في ممارسة السياسة والمساءلة والمحاسبة.

نهاية الحرب التي تمثلت باتفاق الطائف كانت كما يصفها ديراني "مخيبة للآمال"، "فنحن حاربنا لإعادة بناء الدولة لنجد أنه يتم تقاسم السلطة". من هنا يصف تعرّفه على الناشطين في مجال بناء السلام بوصفه تجربة غيّرت حياته لأنها أثبتت له جملة أمور على قدر كبير من الأهمية، وأنقذته من خيبات الأمل التي رافقت نهاية الحرب، وأقنعته تماماً بصوابية المقاربة التي تنبذ أي دور للعنف في صناعة الحلول.

أسعد الشفتري: وعي روحي واكتشاف الآخر

لا يعود أسعد الشفتري بالذاكرة إلى فترة مشاركته في الحرب، والتي تبوأ في بعض مراحلها منصب نائب رئيس جهاز الأمن والاستخبارات في القوات اللبنانية، بل يحرص على عرض معالم تجربة اصطدامه بنهايتها، وما أسسته لديه من إعادة نظر جدية بكل المفاهيم التي اعتنقها سابقاً وولّدت لديه تجربة "روحية" واكتشافاً للآخر، سمح له ببلورة رؤية نقدية وإنسانية وسياسية جديدة.

يقول لرصيف22: "عندما وعيت روحياً وإنسانياً وتعرّفت على الآخر تغيّر الكثير. أدركت أنه وعلى الرغم من كل الاختلافات والخلافات لم يكن يجب أن ندخل في الحرب التي قتلت 200 ألف شخص وتسببت باختفاء 17 ألفاً آخرين وبكل هذا الخراب الذي سببناه لبلدنا الذي لم نخرج منه حتى اليوم".

برأيه، "لو عمل السياسيون قبل الحرب، وخصوصاً المسيحيون منهم، على إعطاء الحقوق اللازمة للمسلمين كي يصبحوا على مستوى واحد سياسياً واجتماعياً وحقوقياً، فإن الحرب ما كانت لتندلع، ولذلك أنا مقتنع اليوم بأن العدالة وتكافؤ الفرص شرط أساسي دائم للسلم والسلام".

يتساءل الشفتري: "على ماذا نربّي أولادنا اليوم؟ هل أخرجناهم من القبلية المناطقية الطائفية والسياسية؟ هل هناك عيش مشترك بعد هذه السنوات؟ هل هناك حصانة داخلية عصية على أيّة أجندة خارجية تريد أن تخلق صراعاً في لبنان؟".

ويقترح العمل على تحقيق وحدة وطنية فعلية عبر هيئة للمصالحة الوطنية الدائمة معتبراً أنه يجب أن ننظر إلى بلدنا اليوم ونتأمل في الشباب ونعمل معهم لأنهم المستقبل.

ويضيف: "إذا كان هناك وعي وروح نقدية تمكن من التعاطي مع النزاعات بدون عنف فإنه من الممكن تحصين المستقبل، ولكن للأسف نحن لم نقم بالمصالحة الوطنية ونؤسس لشروطها القائمة على الحقيقة والعدالة والمسؤولية والمحاكمة والتعويض".

يعترف الشفتري بأن الناس لا تصدّق بسهولة الحديث عن التوبة والتطهر والسلام ولكن مسار إقناعهم بهذه العناوين وأهميتها يتقدم بشكل دائم ويميل عدد أكبر من الناس إلى تصديق ما يقوله.

ولكنه يعترف بأن "الناس اليوم لم تعد تصدق ما أقوله"، ويعترف بأنه "من الصعب أن يقتنع المجتمع الذي شارك حوالي 250 ألف شخص منه في الحرب بعدم صوابية ما قام به، وبأن يضحي من أجل السلم الأهلي"، ويتابع: "هناك تغيير اليوم ولكن البعض لا يزال متمترساً خلف قناعاته كما في السابق".

الأمل في التغيير الجدي قائم وفق الشفتري لأن "المئات من الجمعيات المدنية تعمل على هذا الموضوع بشكل أو بآخر، وهذا التطور ملحوظ عندما نكون على الأرض وبشكل خاص عندما نشارك في حلقات نقاشية موجهة لتلامذة المدارس والشباب".

ويلفت إلى أثر التطورات الجارية في المنطقة على مشروع السلام منبهاً إلى أن ما يحدث في المنطقة ليس سهلاً لأنه "يشجعنا على أن نبقى خائفين من بعضنا، ولا نعلم في أيّة لحظة قد نعود إلى الوراء، لذا من الضروري العمل على تفعيل ثقافة السلام ومحاربة الخوف من الآخر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard