"أصيل دياب" تخلّد ذكرى قتلى مظاهرات السودان من خلال "الغرافيتي"

الاثنين 15 أبريل 201902:55 م

يُعيد رصيف22 نشر هذا المقال المنشور على موقع آسيا تايمز، في إطار مشروعِ تبادلٍ بين الموقعين.

في وقتٍ مبكّرٍ من المساء، في إحدى الأحياء على أطراف الخرطوم، في مكان ليس بعيد عن نهر النيل، حيث المباني منخفضة والشوارع مغطاة بالرمال، لا يكسر الصمت سوى صوت زجاجة رشٍّ أثناء رجّها.

تقف "أصيل دياب" أمام مبنى مكوّن من طابقين، وباستخدام زجاجتها ترسم سريعاً حدود وجهٍ، بشعرٍ قصيرٍ وعيونٍ طيّبةٍ خلف نظارة. إنه وجه صالح عبد الوهاب صالح، وهو من بين أكثر من 50 شخص قُتلوا في مظاهرات السودان المعاديّة للحكومة.

ثورة فنيّة

عندما بدأت الثورة الفعليّة في السودان، وتحديداً في شهر ديسمبر، قرّرت الفنانة السودانيّة "أصيل دياب"، التي تعيش في قطر، أن تشارك في صنع الحدث، إنما على طريقتها الخاصّة.

وبعد محاولاتٍ حثيثةٍ لاقناع أهلها بالسفر إلى السودان، وصلت الخرطوم في شهر يناير، وعندما اطلعت على قصص الشهداء، تأثّرت كثيراً وقرّرت أن تخلّد ذكراهم: "عندما رأيت ما يحدث هنا، أدركت فوراً أنه يجب عليّ أن أنخرط بشكلٍ ما، لذلك قمت بأكثر ما أتقنه، الغرافيتي"، هذا ما قالته الفنانة السودانيّة التي بدأت تتنقّل بين منازل قتلى المظاهرات، تقابل عائلاتهم وترسم وجوههم على الحوائط، وذلك في سياق مشروعها الرئيسي: إحداث ثورةٍ فنيّةٍ في بلادها وكسر الصور النمطيّة.

قرّرت الفنانة السودانيّة "أصيل دياب" أن تشارك في صنع الحدث، إنما على طريقتها الخاصّة

وعن السبب الكامن وراء رسم صورة الشهيد، تقول "أصيل": أنا أفعل ذلك ليتذكّره الناس. ليس هذا عمل فني متعلّق بمنزلٍ ما، بل يمكن لكلّ من يمرّ في الشارع أن يراه، وبالتالي سيتحدّثون عن الشهيد ويتذكّرونه"، هذا بالإضافة إلى "تبريد" وتهدئة قلوب الأهل، من خلال تخليد ذكرى شهدائهم.

تأخذ دياب خطوةً للوراء، لتتفحّص الرسمة الخاصّة بالشهيد صالح عبد الوهاب صالح، ثم تعود وتستكمل الرسم، تجمّع خلفها جمهور صغير، وقد أخرج أفراد العائلة كراسي وجلسوا بصمتٍ، بينما هي ترسم والذعر يعتريها، من أن تعتقلها السلطات الأمنيّة في أي لحظة.

ليس هذا عمل فني متعلّق بمنزلٍ ما، بل يمكن لكلّ من يمرّ في الشارع أن يراه، وبالتالي سيتحدّثون عن الشهيد ويتذكّرونه

والد صالح موجود، يرتدي جلباباً سودانيّاً أبيض، وكذلك شقيقته الكبرى التي قامت بتربية كلّ إخوتها بعد وفاة والدتهم منذ وقتٍ طويلٍ، أمّا إخوته الاثنان الأصغر سناً فيتكئون على سيّارةٍ مركونةٍ.

يقول علاء صالح، شقيق الشهيد: "كنا معه حين قُتل، ذهبنا للمظاهرات معاً، كانت المرّة الثالثة التي نذهب فيها كلّنا، أطلقوا عليه النار هنا في هذا الشارع".

على هاتفها المحمول، تحتفظ دياب بأسماء وصور كلّ الأشخاص الذين قتلوا في السودان، وهو أمرٌ يساعدها في مهمّتها، هذا بالإضافة إلى تلقيها مساندة من فريقٍ صغيرٍ من المتطوّعين الذين انضمّوا إليها بعد وصولها السودان.

تقول دياب: "لم نكن نعرف بعضنا، لقد اجتمعنا فقط من أجل هذا الشيء، من أجل أن نقوم بثورةٍ فنيّةٍ".

قبل البدء بكلّ بورتريه، يتعاون الفريق للحصول على عنوان الأسرة والتواصل معهم لسؤالهم ما إذا كانوا يريدون رسم ابنهم أو ابنتهم، والأغلبية توافق، بحسب ما تؤكّده "دياب"، باستثناء "أب واحد رفض، إذ أن ابنه كان يبلغ من العمر 14 عاماً، ومجرّد ذكر اسمه يتسبب في بكاء العائلة كلّها"، على حدّ قولها.

لقد اجتمعنا فقط من أجل أن نقوم بثورةٍ فنيّةٍ

"قُتل هنا"

في شارعٍ متفرّعٍ من الشارع الرئيسي الممتدّ عبر أحد أحياء الخرطوم الشماليّة، تعيش أسرة أخرى، في منزلٍ خلف سورٍ حديدي أحمر. يوجد ثقبٌ صغيرٌ في الحديد اخترقته الطلقة التي قتلت منذ شهر، معاوية بشير خليل، وهو أبٌ لستة أبناء.

تقول رضوى يوسف، قريبة خليل والتي تعيش في المنزل المجاور: "لم يشارك حتى في المظاهرات، كان فقط عائداً من الصلاة عندما قُتل".

وتضيف: "كانت المظاهرات كبيرة في هذا اليوم، وكانوا يلقون قنابل الغاز داخل منازلنا. كانت الناس تجري هرباً، وتختبىء في أيّ مكانٍ تجده. أُطلق عليه النار هنا بالتحديد، بينما كان يخطي عتبة الباب".

تمّ رسم بورتريه خليل على المبنى المواجه للبوابة، بعينين لامعتين، وابتسامةٍ هادئةٍ. وقف يوسف يشاهد على عتبة الباب ومعه زوجة خليل وأولاده، بينما تقوم دياب برسم وجهه.

تقول: "كان رجلاً طيباً، يعرفه الجميع في المنطقة، كان يذهب للصيد في النيل ويعود بسمكٍ للجميع".

قامت دياب برسم 20 بورتريه شهيد حتى الآن، من بين من رسمتهم عوضية عجبة، التي أطلقت قوات الأمن عليها النار عليها خارج منزلها في العام 2012، وبابيكر عبد الحميد، طبيب شاب قُتل بعد معالجة جروح متظاهرين، في نفس يوم مقتل خليل.

وتعليقاً على هذا الموضوع، تقول "أصيل": "في البداية كان هدفي أن أرسم ثلاثة أو أربعة بورتريهات إذا استطعت ولكن العدد يتضاعف".

كسر القاعدة

تشدّد "دياب" على قوّة ومدى تأثير فن الغرافيتي على المواطنين: "إنه فن شارعي، فاللوحة تكون في الشارع ويمرّ أمامها آلاف وملايين الناس بشكلٍ يومي، بمختلف أجناسهم وطبقاتهم الاجتماعية"، مؤكّدةً أن اختيار المكان المناسب، كالمباني المرتفعة، يضيف قيمة معيّنة للعمل الفني.

في بداية مشوارها مع الغرافيتي، كانت "أصيل" حذرةً لناحية عدم الإساءة للحكومة، فتكتفي بكتابة عبارات عادية تعبّر من خلالها عن حبها لبلادها، وسرعان ما بدأت أعمالها تجذب اهتمام الناس، فيتناقلون أخبارها على "السوشال ميديا".

في السودان كانت الناس تجهل هذا الفنّ وتسأل: ما هو فنّ الغرافيتي؟ ولماذا هناك فتاة غير محجّبة، ترتدي البنطلون وترسم في الشارع؟

وكونها المرأة الوحيدة في السودان التي تعمل في مجال الغرافيتي، تكشف "دياب" لرصيف22 عن الصعوبات التي واجهتها في بداية عملها: "عالمياً يُعرف فنّ الغرافيتي بأنه فنٌّ خاصٌّ بالرجال، وفي السودان كانت الناس تجهل هذا الفنّ وتسأل: ما هو فنّ الغرافيتي؟ ولماذا هناك فتاة غير محجّبة، ترتدي البنطلون وترسم في الشارع؟

وبالتالي كانت "أصيل" تعيش باستمرار هاجس الاعتقال في أيّ لحظة، حيث تنتظرها عقوبة الجلد بأربعين جلدة، ودفع غرامةٍ ماليّةٍ في حال إدانتها بما يوصف بأنه "زيّ فاضح"، وفق ما تنصّ عليه المادة 152، هذا بالإضافة إلى تعرّضها لبعض الإهانات والإساءات اللفظيّة، لمجرّد وقوفها في الشارع، والتحدّث بكلّ راحةٍ مع المارة: "كيف تقفين في الشارع؟ زيّك زيّ ستات الشاي، زيّك زيّ بنات الليل...".

المرأة السودانيّة لا ينحصر دورها في عملية الإنجاب، والاهتمام بشؤون المنزل، وارتداء الحجاب فقط، بل هي قادرة على إحداث ثورةٍ سلميّةٍ

لكن "أصيل" لا تأبه لكل هذه التعليقات السلبيّة، وهي مصمّمة على متابعة عملها في مجال الغرافيتي، لتؤكّد للجميع أن المرأة السودانيّة لا ينحصر دورها في عملية الإنجاب، والاهتمام بشؤون المنزل، وارتداء الحجاب فقط، بل هي قادرة على إحداث ثورةٍ سلميّةٍ على طريقتها الخاصّة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard