عندما يقولون "حتى الموت" فإنهم يقصدونها: عن حرق النساء مع أزواجهن

السبت 13 أبريل 201911:44 ص

في مقال نشر في جريدة كاليفورنيا في العام 1921، يصف الشاهد كيف تمّ إجبار الزوجات الأرامل في قبيلة باراو في الكونغو على النزول في القبر مع جثة الزوج، وذلك من خلال كسر أطرافهن بالمجارف الحادة، لمنعهن من الهروب من القبر، ثم أنزلت النسوة شبه المشلولات، ووُضع رأس الميت في حضن الزوجة الأولى، وقدماه في حضن الثانية، وأُجلست الباقيات حوله قبل أن يُهال التراب، وسط قرع الطبول وهتافات أفراد القبيلة السعيدة، لكن مهلاً..كأننا رأينا هذا المشهد من قبل؟

يبدو هذا المشهد الغريب، في الأدب بجميع أنواعه، كافياً لتمجيد الخيال الغربي، وبنفس القدر يسم خصوصية الثقافة الأخرى بالهمجية والبعد عن التحضّر، رغم أن فكرة التضحيّة بالنفس والوفاء الأبدي هي فكرة دينيّة للغاية، تمّ تمجيدها بعناية عبر عصور من التفسير اللاهوتي لفكرة موت وبعث المسيح، والجهاد بالنفس، ثمّ جاء وجوب التحلّي بـ "الأخلاق الحميدة" لتعزيزه، في مشهد دفن رمزي.

الوفاء للأسبق موتاً

"لقد بنيت حياتي مع هذا الشخص، خطّطنا معاً لمستقبلنا، اخترنا أسماء أولادنا، وضعنا ترتيباً للأثاث والتحف في المنزل، أجد حياتي بلا معنى الآن".

العديد من البشر يفقدون شركاء حياتهم كلّ يوم، في الحروب، في حوادث سير يوميّة، بأمراض قاتلة، والكلّ يطلب منهم أن يتحلّوا بالصبر، وأن يفوا بالوعود التي قطعوها على أنفسهم في لحظات مصيريّة: البقاء أوفياء للذكرى إلى الأبد.

هل يجب على أحد فعل ذلك؟ ولماذا يطلب الإخلاص من النساء بينما يشجّع الرجال على الاستبدال بأسرع وقت؟

لكن أوّلاً وقبل كل شيء، كيف يمكن تصوّر فكرة الإخلاص أو الولاء اليوم؟ هل تشبه بطاقات الولاء التي تقوم المخازن التجاريّة الكبرى بإصدارها للزبائن؟ بمعنى أن يكون الوعد بالوفاء من أنواع العقود الشيطانيّة التي لا تقبل الفكاك منها؟

وغالباً ما يتمّ مدح إخلاص النساء لأزواجهن المتوفين أو المسجونين، على اعتبار أنه أمرٌ نادرٌ

غالباً ما تتمّ إساءة استخدام المصطلح وتنتشر حالة اعتقاد خاطئة بأن الإخلاص يشبه ما تكون عليه حالة القداسة للمؤمن: ثابت وعجيب وطهراني ومنفصل عن الواقع، ما هو الإخلاص حقاً؟ وما قيمته حين يدفع المرء إليه دفعاً وتتمّ محاصرة المرأة الأرملة من قبل المحيطين بها، ويمنع عليها الخروج من المنزل إلا للضرورات القصوى، وهل الدافع هنا اقتصادي يتعلّق بالإرث المادي؟ لكن هذا الدافع معدوم في القبائل الهنديّة والإفريقيّة التي تعيش حالة مشاع، فلم تُجبر المرأة على حمل عبء الأخلاق الحميدة بينما يُعفى الرجل من وزرها؟

في إحدى أخطائي "القليلة بالتأكيد" كتبت مقالاً صغيراً عن حبيبات الجنود السوريين الذي يستشهدون في الحرب، وتحدّثت عن صديقة أعرفها وأعرف خطيبها الذي استشهد في إحدى المعارك، ومدحت شجاعتها وإخلاصها للخطيب الميت، وقلت كلاماً كنت أظنّ أني أثني عليها به، من أنها لا تحتاج بعد الآن حواس لأنها فقدتها مع فقدان خطيبها، وتفاجأت حينها بردِّ فعلٍ عنيفٍ لم أفهمه حينها من الفتاة، أستطيع الآن فهمه: قالت: لماذا تريدون حبسي في هذا الموقع: خطيبة شهيد، أريد أن أعيش وأتزوّج وأصنع عائلة، لا أريد أن أكون قدّيستكم. وفعلا قامت بالزواج بعد أشهر قليلة من دفنه، وهي الآن تعيش حياة مستقرّة كما أعلم.

طقوس حرق الزوجة

في طقوس تمّ رصد ممارستها في شبه القارة الهنديّة وتدعى ساتي، قبل أن يصدر قرار بمنعها تماماً في العام 1987 ، كان يتمّ حرق الزوجة مع زوجها المتوفي وأحيانا دفنها حيّة معه، وغالباً ما كان هذه الدفن اختيارياً ولكن في بعض الأحيان كانت الأرملة تُدفع إليه دفعاً، خصوصاً مع وسم "الزوجة العفيفة" لمن تفعل ذلك و"العاهرة" لمن ترفض، وأظن أن هذا أصل الأخلاق الحميدة فيما يعرف بالوفاء والإخلاص الأبديين، وربما الأخلاق الحميدة أصلاً ليست أكثر من قيمٍ نُدفع دفعاً لـ"ارتكابها" من قبل سلطة العرف، بينما لم تسجّل حالات من قبيل دفن الزوج الأرمل أو حرقه، فالإخلاص ونقيضه عدم الإخلاص سمة مرافقة للمرأة، وعليه يجب ألا تترك أرملةً لفترة طويلة لأنها ميّالة للخيانة، وإذا كانت مريضةً أو حائضاً، تترك حتى تبرأ ثم تحرق، وفي حالات مشابهة لا تزال مستمرّة في المجتمعات الريفيّة السوريّة حتى الآن، يقوم أخو الميت بالزواج من أرملة أخيه، وبالرغم من أن لهذه الممارسات أثراً اقتصاديّاً من الاحتفاظ بإرث المتوفي من أراض وأبناء، إلا أن الأمر في جوهره لا يتعدّى ممارسة الوفاء بالقوّة والإجبار .

العديد من البشر يفقدون شركاء حياتهم كلّ يوم، في الحروب، في حوادث سير يوميّة، بأمراض قاتلة، والكلّ يطلب منهم أن يتحلّوا بالصبر، وأن يفوا بالوعود التي قطعوها على أنفسهم في لحظات مصيريّة: البقاء أوفياء للذكرى إلى الأبد.

كتبت مرة مقالاً عن حبيبات الجنود السوريين الذي يستشهدون في الحرب، وتحدّثت عن صديقة استشهد خطيبها، ومدحت إخلاصها للخطيب الميت. تفاجأت حينها بردِّ فعلٍ لم أفهمه حينها، أستطيع الآن فهمه، قالت: لماذا تريدون حبسي في هذا الموقع: أريد أن أعيش وأتزوّج وأصنع عائلة، لا أريد أن أكون قدّيستكم! 

مديح الوفاء القاسي

وغالباً ما يتمّ مدح إخلاص النساء لأزواجهن المتوفين أو المسجونين، على اعتبار أنه أمرٌ نادرٌ، فكان أبو محمد وهو سجين في سجن اللاذقية لمدة 5 سنوات يصف لي، إخلاص زوجته ورفضها الخروج من البيت طيلة فترة سجنه إلا للذهاب إلى الطبيب، كان يقول: امرأة مؤمنة وشريفة، وكنت أهزّ برأسي موافقاً ثمّ يحكي لي عن فاطمة بنت العطّار البغداديّة، التي خرجت من بيتها ثلاث مرّات فقط: يوم تزوجت ويوم حجّت ويوم ماتت، ثم يتابع الحديث عن سنين زوجته الخمس وستين وأمراض المفاصل والسكّري والضغط التي تحملها.

توفيت مؤخراً خطيبة البطل السوري جول جمّال الذي استشهد خلال العدوان الثلاثي على مصر 1956، وانتشرت في مواقع الميديا التقارير التي تمدح إخلاص المرأة لخطيبها، ورفضها عروض الزواج التي تلقتها لمدّة 63 سنة، وكان الخطاب الوحيد بعد ذكر اسمها، وذكر إنجازات خطيبها العديدة، هو التدليل على قيمة الوفاء الذي منعها من استبدال الخطيب الميت، تحوّلت المرأة إلى أيقونة في الوفاء لأن هذا ما يناسب التفكير الذكوري في الشرف والعفّة، الدفن فقط هو ما يناسب الخطيبات والزوجات الأرامل، الدفن فعليّاً في التراب أو الدفن في القيمة الأخلاقيّة لمعنى الوفاء، فمطالبة الأرملة بالوفاء الأبدي مشابه لفكرة الدفن أو الحرق مع الزوج، غير منصف وغير إنساني، تحت أي شعار يُرفع وتحت أي أغنية وطنيّة تهدر.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard